; الصحوة بين الحقيقة وردة الفعل | مجلة المجتمع

العنوان الصحوة بين الحقيقة وردة الفعل

الكاتب محمد عبدالهادى

تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

مشاهدات 112

نشر في العدد 848

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

·        العالم الإسلامي فقد هويته ومعالم شخصيته بالدوران في فلك الشرق والغرب

·        تعدد الحركات الإسلامية ليس ظاهرة مرضية

هناك من يرى أن بزوغ الصحوة الإسلامية في العالم ما هو إلا ردة فعل للمعاناة التي عانى منها المسلمون منذ الحرب العالمية الأولى، بينما يرى آخرون أن الصحوة الإسلامية واقع لا يوصف بأنه ردة فعل مؤقتة، وفي حوار مع بعض الإخوة المهتمين بالدعوة الإسلامية طرحت المجتمع هذا الموضوع الذي اشترك في مناقشته كل من الإخوة الأفاضل:

1.   الشيخ محمود عيد الداعية الإسلامي المعروف.

2.   الأستاذ عبدالله الناجم مدير إدارة الدراسات الإسلامية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت.

3.   المستشار علي جريشة الداعية الإسلامي المعروف.

وقد طرحت المجتمع هذه القضية وفق ما يلي.. وكان الحوار التالي:

المجتمع: هل يعيش المسلمون في العالم العربي والإسلامي معنى حقيقيًا لصحوة إسلامية كاملة.. أم أن ما تعيشه الأمة عبارة عن دور أفعال لا تلبث أن تتلاشى؟

بداية أجاب فضيلة الشيخ محمود عيد فقال:

إن تسميتها بالصحوة الإسلامية فيه ما يجعل المتربصين بها والحقودين عليها يقولون إنها كصحوة الموت لأنهم لا يصدرون إلا بنوايا الله أعلم بما فيها والرأي أن تسمى بيقظة العملاق الإسلامي بعد أن أثخن بالجراح وطعن حتى ظن أنه انتهى وصار أثرًا بعد عين.

إن من يتأمل ويدرس ويشخص واقع هذه اليقظة وأسبابها وسريانها في جميع العالم الإسلامي بل ووجودها في قلب الحضارة الغربية المتعفنة بين المسلمين من الشباب والكهول والشيوخ الذين هاجروا إليها في ظروف خاصة.. إن من يدرس ذلك يلمس أن هذه اليقظة واقع يجب أن يعترف به ويحاط بالحواجز والمواقع التي تصد عنه كيد الكائدين ممن ينشرون الإباحية والفجور في العالم الإسلامي باسم المدنية والحضارة. نعم إن الأعداء يحسبون لهذه اليقظة ألف حساب ويدرسونها في مؤسساتهم الاجتماعية ويخشون مدها كل الخشية ويرصدون لها الأموال الطائلة ليحولوا مجراها إلى ما يريدون ويشتهون ويطبعوا هذه الحركة بالطابع الغربي أو الشرقي ويبقوا على اسم الإسلام شكلًا لا موضوعًا.

إننا نشاهد ظواهر هذه الحركة بل نلمس عمقها في المرأة المسلمة التي حاولوا أن يجعلوها سلعة وأن يغروها بالعري والتهتك ويدربوها على فنون تسلخها تمامًا عن دينها.. نشاهد الفتيات الآن في المدارس والجامعات بل وفي الطرقات يحرصن على الزي الإسلامي السابغ والحجاب المشرف ويتنافسن في التحلي به فيزددن جلالًا واحترامًا، كما نشاهد هذه اليقظة الإسلامية في كل العالم الإسلامي مطالبة بتطبيق شرع الله ورفع شعار مركز «الإسلام هو الحل» حتى لقد أجريت انتخابات في مصر ورغم التصدي والتحدي لكل ما هو إسلامي فاز منهم أكثر من ستة وثلاثين بمقاعد المجلس النيابي.

وبالرغم من السجون والمعتقلات والرقابة على الدعاة وشراء أقلام وأصوات- بالرغم من هذا إن الحركة تأخذ طريقها مسددة بعناية الله ورعايته ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ﴾ (يوسف: 21) ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (التوبة: 32).. حقًا إن التردي الاجتماعي والأخلاقي والاقتصادي والهزائم الكبرى المتوالية كانت حافزًا للضيق بالأوضاع بعد تجربة طويلة لنظم الغرب وتشريعاته وما جلبت من شر مستطير وخطر كبير، بدأت الأصوات تعلو والتجمعات تتنادى في كل مكان بضرورة التغيير والعودة إلى الأصالة وترك الجاهلية التي يتخبطون فيها ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: 50).

الأستاذ عبدالله الناجم:

ويلفت الأستاذ عبدالله الناجم النظر إلى نوازع النفس ورجوعها إلى الروحانيات فيقول:

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم- وفي لفظ من خذلهم- حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك».

وهذا قدر رباني ورحمة إلهية أن جعل للحق رجالًا يحملونه مهما تعاظمت الطواغيت ومهما تفشى الظلم والظلمات ليكونوا مصابيح خير هداية وعلامات تترسم عليها البشرية سبل الصراط المستقيم.. ولولا ذلك لضاع الحق ودرس الإسلام وعمت الظلمات، فلقد تعرض هذا الدين لمكر تزول منه الجبال الراسيات. والعالم اليوم يشهد رجوعًا ونزوحًا للروحانيات بعد ما افتتن بالثورة الصناعية والانفجار الصناعي والاقتصادي وجعل من العقل التجريبي آلة تعبد ومشرعًا يطاع وتنحي النزعة الإيمانية عند البشر وعلى صوت المصانع نواقيس الكنائس وتأثر العالم الإسلامي بهذا التوجه العالمي نحو الماديات فكان منه كذلك انحسار في المد الإسلامي.

وفي نهايات القرن العشرين وبعد معاناة العالم من ويلات هذا الانكباب على الطرح المادي لصرف للأمور، وبعد صراع مرير احتدم داخل النفس الإنسانية والطمأنينة النفسية فكان لابد من البديل والعوض.

والعالم الإسلامي فقد هويته ومعالم شخصيته بالدوران في فلك الغرب والشرق وبعد أن جرب خياراتهم ومعطياتهم فما زاده ذلك إلا ذلًا وهوانًا فكانت الهزائم المادية والنفسية التي أفقدته الثقة بما في يد الشرق والغرب مما جعله يرجع إلى أصوله التي انطلق منها سلفه الصالح وكذلك وجود الاستقلالية الاقتصادية النسبية عند الكثير من الدول العربية والإسلامية التي مكنته من التفكر بذاته وصيرورته فأقبل على الإسلام كبديل منقذ ترجعه إلى معالم شخصيته الإسلامية المميزة.

المستشار علي جريشة:

ويؤكد المستشار علي جريشة حقيقة معايشة المسلمين في أنحاء العالم لصحوتهم.. ذلك أن قدر الله هو الغالب.

فيجيب قائلًا:

الواقع ينطق أننا نعيش صحوة إسلامية حقة.. وقد يكون لردود الأفعال إسهام في كم الصحوة أو كيفها، لكنها ليست وحدها التي ولدت الصحوة، إن الصحوة القائمة هي ثمرة جهد وجهاد طويل لأبناء الدعوة الإسلامية في عصرها الحديث، غذتها دموع، وروتها دماء، وضحى فيها ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23).

وأنها من وراء ذلك كله قدر الله ووعده ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: ٥٥).

والصحوة تقاوم الواقع المتردي الذي يعيشه المسلمون، وهو- أي الواقع- لا هي- أي الصحوة- هو المهدد أن يتلاشى بإذن الله..

والخط البياني لمسيرة التاريخ الإسلامي فضلًا عن وعد الله، يؤكدان ذلك، والله أعلم.

2- نظرة مستقبلية للصحوة

المجتمع: كيف يمكن لمستقبل هذه الأمة أن يجسد الصحوة بشكل حقيقي كامل؟

يجيب فضيلة الشيخ محمود عيد على هذا السؤال فيقول:

- وبالرغم من أننا نحذر ممن يضخم من شأنها أو يهون منه ونفتح الأعين تمامًا على مخطط الأعداء فإن الواجب الآن أن يتعاون الغيورون من الدعاة أهل البصيرة والنظر العميق والغيرة الصادقة على دينهم وأن يبدأوا في تكوين نظام للدعوة يستثير كل قادر عليها بسلوكه المشرف وقوله الجذاب اللين ودعوته في حدود الدستور الإلهي ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125) والمبادرة بإعداد دعاة لهم ثقافتهم ذات المستوى الرفيع التي تتجاوب مع العصر وطبيعته والفهم بأساليب الأعداء في تذويب الإسلام وتحويله وتصنيع إسلام يخرج من مصانعهم ليجهضوا هذه الحركة المباركة، إن الحلال بين والحرام بين والداعية المتحرك الغيور مرب يستطيع أن يفعل الكثير وأمامنا مثل قريب ما قام به المربي الشهيد «حسن البنا» الذي كانوا يسخرون منه فيقولون مدرس الإملاء والخط استطاع بقيادته الحكيمة وغيرته على دينه أن يجمع حوله ومعه في تواضع جم ونشاط فذ وتحرك واسع النطاق وتجميع للقوى الإسلامية المذخورة في زوايا  التاريخ فيجمع في أناة وتؤدة وحسن فهم للإسلام كنظام كامل شامل ثم ينادي بهذه الأصوات المسؤولين في العالم الإسلامي أن عودوا إلى دينكم وطبقوا شرعه تقودوا وتسودوا وتخرجوا من أزماتكم كلها.

إن التحرك الذي نلمسه الآن في النواحي الاقتصادية بإنشاء بنوك إسلامية زادت عن خمسين بنكًا والتعاون للنهوض بالأعمال الإسلامية جعل الحاقدين يسخرون وبعضهم زل قلمه فقال عن هذا النشاط الاقتصادي أهو اكتساب أم احتساب ونسي أن الإسلام دين ودولة وأن القوة الاقتصادية الإسلامية تستطيع بالعقيدة عمل الشيء الكثير.. لقد سمعت كثيرًا من المتشككين في الاقتصاد الإسلامي والمشككين في نجاحه والذين لا يبغون إلا تطويقه- هداهم الله وسدد خطاهم وجعلهم يرون الحق حقًا فيتبعونه والباطل باطلًا فيتجنبونه- سمعتهم يشككون في هذا النشاط الاقتصادي وفي الإفتاء بشرعيته بقولهم «خنزير يلبس جلد خروف».. وإن مسألة الدعاة واختيارهم ووجود هيئة لذوي الفكر والرأي والغيرة تدفعهم إلى أماكن في أشد الحاجة إلى الدعوة كإفريقيا المتعطشة للدعاة وبذل المال والجهد من أصحاب المال وانطلاق الغيورين لمقاومة التنصير المزود بالإمكانات الضخمة.

إن أمامنا القائد ورسولنا صلى الله عليه وسلم ولنا فيه كما قال ربنا عز وجل ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: 21) وأمره في سورة يوسف فقال جلت قدرته ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: 108).

تعدد الحركات

المجتمع: هل تعتقدون أن تعدد الحركات الإسلامية ظاهرة مرضية أم ظاهرة صحية؟ وكيف؟

المستشار جريشة:

أجاب على هذا السؤال المستشار علي جريشة بقوله:

إن تعدد الحركات الإسلامية- إن لم تتنازع- ليس ظاهرة مرضية، ذلك أن ميدان العمل الإسلامي مساحة، وموضوعًا.. ميدان فسيح ومن ثم فلكل حركة أن تجد مكانها في هذا الميدان غير مزاحمة للأخرى، بل أننا نتجاوز فنقول إن الميدان يحتاج لأكثر من ذلك إن انتفى التنازع.

لكن إن وجد التنازع فهنا يكون المرض، ويكون معه الفشل.. وهو الأمر الذي نبه إليه القرآن ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: ٤٦).

والذي عليه الحال الآن هو في جزء كبير منه بعيد عن التنازع، ومن ثم فيحكم قيام التعاون بين كثير من الحركات القائمة وإن اختلفت قيادة ومنهجًا وربما تصورًا، والجزء البسيط هو الذي فيه التنازع.

وأملنا في الله ثم في إخلاص القيادات وتعقلها لتلافي هذا التنازع واحتواء آثاره، حتى تتنزل رحمة الله ونصره علينا، والله لا ينظر إلى الصف الأعوج.

وليكن لنا في أئمتنا وهم من خير القرون عبرة، فقد كانوا يقولون: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، ومع قيام الاحتمال يقوم التقارب، ومن بعده التعارف والتآلف.

تجاوز العقبات

المجتمع: ما هي العقبات التي تعتقدون بوجودها كعوائق يجب تجاوزها ليتم استثمار الصحوة بما فيه خير المسلمين؟

عبدالله الناجم:

أجاب الأخ الناجم بقوله:

أما كيف يمكننا من استثمار هذه الصحوة وترشيدها لخير الإسلام والمسلمين فبظني أن هذا الأمر يحتاج إلى التخلص من عقبات كؤود ومنعطفات خطيرة إن تمكن دعاة الإسلام من اجتيازها كان لهم قدم السبق والريادة والسيادة وأول هذه المعوقات:

1.   المعوق الأول: عدم إكمال إقامة جسور وعلاقات مع سائر فئات المجتمع وتياراته المختلفة تفوت الفرص على الإسلاميين من الاستفادة من جوانب الخير في عامة الناس.. وقولة الشيخ حسن الهضيبي رحمه الله «نحن دعاة لا قضاة» يجب أن يقف عندها الدعاة كثيرًا.

2.   المعوق الثاني: تردد بعض علماء المسلمين في معالجة القضايا السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية في وقتنا الحاضر فجعل هناك العديد من القضايا الإسلامية معلقة، فالعلماء المترددون في الاجتهاد يؤثرون السلامة بالوقوف عند السوابق العديدة ويدورون في كتب الفقه ولا يريدون أن يتجاوزها ولذلك فدائرة الشبهات في اتساع والحوج عند الناس لا يعرف له حل.

3.   المعوق الثالث: عدم التنسيق في ترتيب أولويات الدعوة فحال الدعاة اليوم على صنوف شتى فمنهم من أخذ الناحية العلمية والفقهية كمنهج دعوة، ومنهم من أخذ الجانب الإيماني ودعا إليه وترك ما دون ذلك وبعضهم رأى أن الطرح السياسي والمعالجات السياسية هي الأهم.

4.   المعوق الرابع: تعددية الجماعات الإسلامية فأصبحنا نرى بعض الجماعات الإسلامية لا تتعاون مع بعضها البعض من جراء ذلك فقد الإسلام رجالًا صالحين كان من الأجدى الأخذ بيدهم لإعلاء كلمة الله في الأرض، لهذا نرى أن العقبات كؤود والمنعطفات خطيرة.

والصحوة الإسلامية اليوم في أشد الحاجة لدعاة عندهم صدق التوجه لله وصدق الإخلاص والتجرد والبيعة لله وحده.

المجتمع: نشكر الإخوة الأفاضل الذين شاركوا المجتمع في هذا الحوار، وندعو أصحاب الرأي من رجال الدعوة وقادة الفكر إلى طرح ما يثري هذا الموضوع، ويعود بالخير والنفع على أجيال الصحوة.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرابط المختصر :