العنوان الصداقة الهندية بين الرياء والحقيقة..
الكاتب عبدالله محمد صالح
تاريخ النشر الثلاثاء 27-فبراير-1979
مشاهدات 54
نشر في العدد 434
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 27-فبراير-1979
هل صداقة الهنادكة للعرب رياء..
- لماذا هذا التعاون القوي بين الهنادكة واليهود..؟
- ما موقف الأحزاب والصحافة الهندية من العرب..؟
- ما هي أوجه التعاون بين الهند وإسرائيل؟
- ما موقفنا تجاه ذلك؟
كثيرٌ من المُسلَّمات التي تعد أمورًا حقيقية لا جدال فيها ولا نقاش عند الكثيرين، هي مُسلَّمات وهمية، لا وجود لها على أرض الحقيقة أبدًا، وإنما الذي جعلها مُسلَّمات بهذا الشكل أمور عدة، لعل أهمها وسائل الإعلام التي تمارس عملية «غسيل مخ» رهيبة سوداء، تُشوه الحقائق تشويها تامًا إلى النقيض.
ومن هذ المُسلَّمات التي لا وجود لها على أرض الواقع أبدًا، والتي ساهمت في رسمها وتحريرها ضجة إعلامية ودعاية، ضخَّمت تضخيمًا شديدًا في مؤتمر باندونج، ودول عدم الانحياز، وغير ذلك، من هذه المُسلَّمات في الصداقة الهندية للعرب ووقوف الهنادكة معهم ضد الإسرائيليين، ونريد اليوم أن نُلقي بعض الأضواء على هذا الوهم، ليتضح على حقيقته ولو كانت مُرَّة، ولن نسير حول العاطفة في هذا المقال، وإنما سنكون موضوعيين حياديين تمامًا.
- من هم الهنادكة؟
الهنادكة أمة وثنية كثيرة الفرق والعدد، كانت تعيش في القارة الهندية تحت حكم المسلمين الهنود، متمتعة بحقوقها غير مظلومة.
وظلت على هذه الحال إلى أن نزلت قوات الاستعمار الإنجليزي على اليابسة الهندية، فوجدت مقاومة جهادية عنيفة من المسلمين الهنود حكام البلاد، بينما كان موقف الهنادكة نقيض هذا، الأمر الذي جعل الإنجليز بعدما ثبَّتوا أقدامهم في القارة الهندية؛ أن يُقرِّبوا الهنادكة، وأن يستعينوا بهم في ترسيخ استعمارهم للقارة الهندية واستمراره.
لم يحفظ الهنادكة حسن المعاملة التي كانوا يتلقونها من المسلمين، وإنما تحركت في قلوبهم تلك العداوة الدفينة للإسلام والمسلمين، وبدأوا يقدمون للإنجليز المستعمرين كل خدمة مهما كانت، الأمر الذي جعل الإنجليز يستخدمونهم ويقربونهم ويوصلونهم إلى مراكز هامة، في جميع المجالات السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، وغير ذلك، ومن الطبيعي أن يقف الإنجليز من المسلمين الذين جاهدوهم وقاوموهم نقيض هذا الموقف، الأمر الذي أدى إلى إبعادهم عن المراكز الهامة الرسمية، وخاصةً بعد أن ثبت الإنجليز وجودهم الاستعماري في القارة الهندية.
- الهنادكة ومسلمو القارة الهندية:
ولم يكتفِ الاستعمار الإنجليزي بذلك، بل إنه استغل تلك العداوة في قلوب الهنادكة ضد المسلمين أسوأ استغلال؛ مُحرِّضهم وساعدهم على القيام بأعمال عنف رهيبة ضد المسلمين، ووصلت هذه الأعمال الوحشية إلى أقوى مستوى لها عام 1948م، وما قبلها، عندما قامت دولة الباكستان وهاجر المسلمون إليها، فلم تفرق هذه الأعمال الوحشية الهندوكية بين طفل وشيخ وامرأة ورجل.
واستولى بعد ذلك الهنادكة على إمارة حيدر آباد – دكن المسلمة بملايينها الثلاثين، والتي تعد من أغنى إمارات القارة الهندية، ويُعد أميرها من أغنى أغنياء العالم، وأصدق خدام الإسلام، وكان من حق هذه الإمارة بموجب اتفاقية التقسيم أن تختار الاستقلال، أو أن تنضم إلى هندوستان بسبب مجاورتها لها.. فلما أرادت الاستقلال اقتحمتها الجيوش الهندوكية.
وفعلت القوات الهندوكية الفعل نفسه في إمارة (جوناكدة) الإسلامية، ثم اعتدت الهند على (كشمير) المسلمة، فلقيت مقاومة من أهلها، فاقتطعت جزءًا منها، ولا تزال مسئولة عليه.
واعتدت أيضًا عام 1972م على باكستان وشطرتها إلى دولتين منفصلين، وتشجع الآن على فصل بلوخستان عن باكستان؛ تمهيدًا لابتلاعها.
ولا يخفي الهنادكة نياتهم التوسعية، وإنما يعلنونها بكل وقاحة وصلف، حتى قال أحد المطلعين من المسلمين: «إن ما ارتكبه الهنادكة من جرائم ضد المسلمين أسوأ مما ارتكبه اليهود في فلسطين.
- أطماع الهنادكة:
وليت أن أطماع الهنادكة تقف عند حدود القارة الهندية، وإنما هم يريدون وطنًا خاصًا بهم يمتد من نهر (الميكونغ) في فيتنام إلى نهر الفرات في سوريا، وهكذا نجدهم وإخوانهم اليهود يقتسمون العالم الإسلامي في آسيا، فاليهود من النيل إلى الفرات والهنادكة من الفرات إلى إندونيسيا.
- أمة الكفر واحدة:
ونظرًا لهذا العداء الرهيب الهندوكي للإسلام، قامت صداقات متينة بينهم وبين أعداء المسلمين جميعًا في لندن وتل أبيب وموسكو وواشنطن... ويتضح هذا الأمر تمامًا في الحرب الباكستانية – الهندية الأخيرة، إذ أرسلت إسرائيل إلى الهند الخبراء والمستشارين العسكريين، وكذلك فعل الاتحاد السوفياتي، بينما أغمضت واشنطن عينيها، وتجاهلت كل التجاهل ما يمليه عليها واجبها كعضو في حلف السانتو الذي يجمعهما معا.
- الهنادكة بين الرياء والحقيقة:
وعلى الرغم من معسول أقوال الهنادكة ومحاولتهم إظهار صدقهم في تعاطفهم مع العرب ضد اليهود، فإن الواقع الذي لا شك فيه يكذب هذا الكذب والرياء تكذيبًا شديدًا واضحًا، وهذا ما قاله الزعيم الهندوكي كامات في البرلمان الهندي في: 17- 4- 1964م:
«إن سياسة الهند نحو العرب ليست منبعثة من حبنا للعرب، بل من اعتبارات سياسية لخداع العرب».
وحتى نؤكد نظرتنا هذه تأكيدًا لا شك بعده، فإننا سوف نلقي بعض – الأضواء التي توضح العلاقات العميقة – الراسخة بين الهنادكة واليهود في فلسطين المحتلة، أو ما يسمى بإسرائيل على المستويات كافةً.
- الهنادكة واليهود:
إن معرفة الهنادكة لليهود ليست معرفة جديدة، بل هي معرفة موغلة في القدم، ترجع إلى ما قبل ألفي عام، عندما استوطن اليهود في شواطئ الهند الجنوبية في عدة مراكز، كان أهمها مدينة (كونشين) الواقعة في أقصى جنوب غرب شبه القارة الهندية.
وبعد الاحتلال اليهودي لفلسطين؛ هاجر كثير من هؤلاء اليهود إلى فلسطين المحتلة، وسهلت لهم السلطات الهندية ذلك، فأعطتهم نوعين من جوازات السفر؛ واحدًا خاصًّا بالسفر إلى فلسطين المحتلة، والثاني للسفر عبر العالم. الأمر الذي جعل الواحد من هؤلاء اليهود الهنود يستطيع أن يتنقل من فلسطين المحتلة وبين البلاد العربية، وأن يحصل على ما يريده من معلومات خطيرة في البلاد العربية بكل سهولة، لأنه من بلد صديق من بلدان عدم الانحياز.
- الأحزاب الهندية واليهود:
وإذا انتقلنا إلى الأحزاب الهندوكية، وجدنا أنها تشارك عامة الهنادكة في عدائهم للمسلمين، وتأييدهم المطلق لليهود، وهذا الحكم ينطبق عليها جميعًا على اختلاف نزعاتها من اشتراكية أو رأسمالية أو غير ذلك... فهي قد تختلف بشأن الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية، إلا أنها تتفق وتتوحد ضد المسلمين؛ بسبب عدائها التاريخي لمسلمي القارة الهندية خاصةً، وللمسلمين جميعًا عامةً، ومن هذه الأحزاب حزب «جان سنك» وحزب «سيواك سنك» وحزب «المؤتمر» وحزب «سوانتانترا» وغيرهم.
وقد عبر الجنرال (دات سنك) عن هذا الشعور بوضوح، ونشر ذلك في صحيفة «أورغاينزر» في دلهي فقال:
«إن التاريخ يُعيد نفسه، ولابد للهند من أن تتغلب على المسلمين في يوم ما، وليست باكستان وحدها هي عدوة الهند اللدود، بل كل المسلمين أعداء لنا، وسوف تتغلب الهند بالتعاون مع إسرائيل على كل العالم الإسلامي في يوم من الأيام»، وقالت عضوة حزب المؤتمر «تركيسو ري سندها»: إن إسرائيل قائمة لتبقى، وإن كان على الهند أن تعامل إسرائيل والعربية المتحدة على قدم المساواة.
وقال ماراجي ديساي رئيس الوزراء الحالي في مؤتمر صحفي عقده خلال زيارته القصيرة لألمانيا الغربية، عقب حرب يونيو عام 1967م، بقوله: إن الهند لا تستطيع قطٌ القول: بإلقاء إسرائيل في البحر، كما أنها لا ترضى بزوال هذه الدولة.
- الصحافة الهندوكية:
وإذا انتقلنا إلى الصحافة الهندية نجدها منحازة لإسرائيل انحيازًا تامًا، وذهبت بعثات صحفية إلى فلسطين المحتلة، قبل اعتراف الهند الرسمي بما يُسمَّى إسرائيل في 15- 9- 1950م، كما أنها أجمعت على إدانة العرب 1967م بالعدوان في حرب.. وقال الصحافي الهندي «عباس» في مجلة بليتز الأسبوعية الصادرة في بومباي 20- 10- 1973م مُعترفًا بهذا الواقع: إن القسم الأكبر من الصحافة الهندية بما فيها الصحف اليومية الكبيرة، تضفي يوميًا على أخبار الشرق الأوسط طابعًا مؤيدًا لإسرائيل، معاديًا للعرب، فتكشف بذلك عن تميز كبار رجال الصحافة الهندية لإسرائيل.
وقال «بریارد ويزوب» لصحيفة نيويورك تايمز في 1- 10- 1973م: إن الصحافة الهندية موالية لإسرائيل إلى حد الإفراط.
وهناك عشرات بل مئات من البراهين على ذلك.
- العلاقات الدبلوماسية بين الهنادكة واليهود في فلسطين المحتلة:
يعود تاريخ بدء هذه العلاقات الرسمية إلى يوم اعتراف الهند بإسرائيل في 15- 9- 1950م، وإقامة تعاون كامل معها على المستوى القنصلي.
وأما سبب تأخير هذا الاعتراف سنتين وإبقائه على المستوى القنصلي؛ فهو محاولة الهند لتملق العرب، وإبعاد أي تقارب باكستاني عربي، ولهذا السبب ظل الهنادكة يلعبون لعبتهم السياسية المخادعة هذه إلى الآن.
ولكن الحقيقة أن القنصلية الإسرائيلية العامة في بومباي قلعة قوية، لا تعادلها جهود جميع السفارات العربية معا.
ولقد أوضحت أنديرا غاندي السبب السابق في حفل أقيم لها في «تونو نونتو» في 25 إبريل 1962م، وكان أكثر حاضريه من اليهود الهنود.
«لقد أُسيء فهم سياسة إزاء إسرائيل، فإذا كنا لم نتبادل السفراء، فذلك لأننا رأينا أن ذلك يضر بمصالحنا ومصالح إسرائيل معًا، بسبب الموقف العربي ومسلمي باكستان).
وقد ذكرت ذلك صحيفة «دون كراتشي» في 1- 5- 1962م، وإذا عدنا إلى مؤتمر «باندونغ» نجد أن نهرو اقترح أن تشترك إسرائيل فيه، ولما لم يُوفق لذلك أمام رفض الدول العربية؛ جاهد لاستبعاد القضية الفلسطينية، واستطاع ذلك.
- التعاون العسكري بين الهنادكة واليهود في فلسطين المحتلة:
هناك تعاون عسكري وثيق بين الطرفين، ففي عام 1962م عقدت الهند مع ما يسمى بإسرائيل اتفاقًا للتعاون الذري بينهما، وكانت مساعدة إسرائيل للهند المالية والعلمية الدور الأكبر في تمكين الهند من دخول مجال الذرة.
وفي أبريل عام 1963م عقد اتفاق سري بين الطرفين؛ ينص على أن تقدم إسرائيل السلاح للهند، وأن يتدرب ضباط كل من الفريقين في مؤسسات الفريق الآخر العسكرية.
وبعد حرب 1967م قال وزير الدفاع الهندي «سوران سنك» في كلمة ألقاها أمام مجلس النواب: إن الهند معجبة غاية الإعجاب بما حقَّقه جيش الدفاع الإسرائيلي من إنجازات، وخاصةً في حقلي التعبئة والتكنيك في أقصر وقت، ونحن مشوقون إلى معرفة كيفية استطاعت إسرائيل تعبئة جميع قواتها في أقل من 25 ساعة، وبطريقة أتت بأحسن النتائج.
- التعاون الاقتصادي بين الهنادكة وبين اليهود في فلسطين المحتلة:
إن فلسفة المال عند اليهود، وخاصةً المعروفين منهم باسم «بنبيان» هي الحصول على المال، وليست العمل لكسب المال، أي تقوم على الربا، إذ استولوا على كثير من أراضي الفلاحين المسلمين، بأن يقرضوهم المال كلما ساءت المحاصيل، ويسترهنون الأرض لقاء الدفع، وكانت المحاكم التي ساعد الإنجليز الهنود في السيطرة عليها تنقل ملكية الأرض إلى المرابي الهندي، الأمر الذي أدى إلى نقل ملكية مساحات شاسعة من الأرض إلى الهنود، فاحتج زعماء المسلمين، فاضطر الإنجليز إلى تحريم ذلك.
وهذا الفلسفة المالية الواحدة بين الهنادكة واليهود أدت إلى وجود روابط قوية جدًا بين البلدين، وأن النبأ الذي نشرته جريدة «تايمز أف انديا» يدل على هذا دلالة صريحة إذ يقول:
كذبت المراجع الرسمية في القدس النبأ الذي أذاعته القاهرة والقائل بقطع العلاقات التجارية الهندية – الإسرائيلية، وقالت هذه الدوائر لمراسلنا: إن هذه الرواية في منتهى السخف، ومن اختراع غرفة التجارة الأردنية.
وقال وزير التجارة الهندي «دنيش سنك» في المجلس النيابي: إنه لا حدود للتبادل التجاري مع إسرائيل، والباب مفتوح أمام زيارته، وهناك كثير من الشركات الهندية، مثل شركة «الكترونيك»، وغيرها تتعامل مع إسرائيل، دون أن تتخذ ضدها أي إجراءات، ومع هذا كله فإن حجم التبادل التجاري بين الهند والبلاد العربية عالٍ، والهند هي المستفيد الأول من هذا.
- التعاون الاجتماعي بين الهنادكة واليهود في فلسطين المحتلة:
أنشأت إسرائيل منذ أن افتتحت قنصليتها في بومباي عددًا كبيرًا من الشركات والمؤسسات، وجعلتها وسيلة للتأثير في الرأي العام الهندي، ولزيادة الاتصال بزعماء الهند؛ بوساطة الاحتفالات والندوات والمصالح، وغير ذلك. حتى وصل الأمر إلى انتشار مؤسسات الصداقة الإسرائيلية – الهندية في طول البلاد الهندية وعرضها، وكانت هذه المؤسسات جميعها تحت رعاية أعضاء من البرلمان ورجال السياسة والاقتصاد، كما أكدت ذلك صحيفة «باكستان تايمز» في 30- 7- 67.
والقنصلية الإسرائيلية في بومباي تنفق وترعى ببذخ مركز هذه الأنشطة المسمومة لصالح الصهيونية، كما أنها تمول شخصيات كثيرة من أدباء وسياسيين وبرلمانيين وخبراء وصحافيين وغير ذلك، ثم تستفيد منهم كل الفائدة.
وأخيرًا وبعد هذا كله لنتساءل أسئلة كثيرة أهمها:
- ماذا تعني هذه الصداقة الزائفة بين العرب والهند؟
- وما قيمتها؟ وما فائدتها للعرب؟
- لماذا هذا السكوت عن هذه العلاقات الوثيقة بين الهند وإسرائيل؟
- ماذا يعني وجود مئات الألوف من الهنود في البلاد العربية عامةً وفي الخليج خاصةً؟
- ما مدى كل من الفائدة والضرر في وجودهم في البلاد العربية من النواحي الدينية والسياسية والاجتماعية؟