العنوان الصديق... نموذج للداعية المسلم
الكاتب د. عبدالحليم عويس
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أغسطس-1973
مشاهدات 7
نشر في العدد 165
نشر في الصفحة 17
الثلاثاء 28-أغسطس-1973
خياركم في الجاهلية
ليست الجاهلية - أية جاهلية - ظلاماً كلها... ولم يكن أبناء الجاهلية
- كل أبناء الجاهلية - مجرد قطع من الظلام؛ لكن البصيص الهزيل لا يكفي لإضاءة طريق
الحياة الطويل، ورجل كعبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم
بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي التميمي، المشهور بأبي بكر الصديق.
هذا الرجل... وبعض من الخيرين ذوي الفطرة السليمة، كانوا يمثلون هذا
البصيص الذي طغت عليه الظلمات الجاهلية المتراكمة.
في مكة ولد أبو بكر بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسنتين وأشهر؛
أي في العام الثالث لحادثة الفيل، وكان يحب مكة كثيراً، حتى أنه لم يغادرها إلا في
رحلاته التجارية.
امتاز أبو بكر ببعض الخلال التي جعلته من الصفوة المختارة في قومه،
وجعلته أقرب إلى الفطرة السليمة في حكمه على الحقائق والأمور.
كان صاحب مروءة ونجدة، سامي الخلق، رقيق الطبع، محبوباً إلى الناس،
يتقرب منهم بأفضاله عليهم، مالكاً لأمر نفسه، لا تتحكم فيه الأهواء والشهوات، يروى
أنه لم يشرب الخمر في الجاهلية تأففاً منها ولعدم جدارتها به كرجل رزين مهذب له
مكانته في قومه... كما يروى أنه - بالرغم من فصاحته - لم يقل شعراً قط اشمئزازاً
من مسلك الشعراء، وما اشتهروا به في عصره، وفي كل عصر؛ من مجون ونفاق.
وكان عالماً بأنساب قريش، ومن أعلم قريش بها وبما فيها من خير وشر،
فضلاً عن أنه كان من تجار قومه الأثرياء المعدودين.
وقد لقب أبو بكر بالعتيق؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال
لأصحابه: "من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى هذا" يريد أبا
بكر، كما لقب بالصديق لشهرته بالصدق ولمبادرته لتصديق الرسول عليه الصلاة والسلام.
خياركم في الإسلام
كانت الحقائق واضحة في ذهن أبي بكر، فهي لا تحتاج إلى لجج، لقد عرف
محمد بن عبد الله معرفة الصديق للصديق، فما جرب عليه كذباً ولا افتراء، ولعل
الصديق مع صديقه أجرأ من غيره وأكثر خبرة بخباياه، وبالتالي فغالباً لا يجرؤ
الصديق على تقمص غير شخصيته أمام صديقه، وهو لو فعل ذلك فغالباً ما يهزأ به صديقه،
ويكشف حقيقته للناس، فما معنى أن يبادر أبو بكر - فوراً ودون تردد - بقبوله لهذا
الدين، وارتضائه لمحمد رسول الله؟
إن الحقائق الواضحة في ذهن أبي بكر والتفكير السليم، هما الدافعان له
للتبكير في الإسلام.
إنه ليس ككثير من قريش الذين شهدوا للرسول - وهو يخاطبهم - أنهم
مصدقوه في كل ما يقول، وأنهم ما جربوا عليه كذباً قط، فلما أخبرهم أنه رسول
الله... أعرضوا واستكبروا وكذبوا.
ثم إن أبا بكر كان كغيره من الصفوة المبعثرة في البناء الجاهلي
العالمي... يؤمن بأن ظهور نبي هو المنقذ الوحيد لبناء العالم الآيل للسقوط، ولم
يجد أبو بكر فيما عرض عليه الرسول من حقائق بديهية ما يوجد التردد والمكابرة.
لقد كان هذا الوضوح في الرؤية لدى أبي بكر سمة من سماته الملازمة له،
ولعل في موقفه من حادث الإسراء والمعراج ما يؤكد هذا المعنى، فحين سئل عن رأيه
فيما يقوله النبي عن إسرائه إلى المسجد الأقصى وعروجه إلى السماء، كان رده منطقياً
رائعة فقد قال: والله لئن كان قاله لقد صدق، إنه ليخبرني أن الخبر يأتيه من
الله... من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون
منه!! أليس هذا وضوحاً في الرؤية؟
وهؤلاء المسلمون الذين هزهم الإسراء، ألم يكونوا غير واضحين مع
أنفسهم؟! كيف يصدقون بأن جبريل ينزل على الرسول عليه السلام من السماء في لحظة، ثم
لا يصدقون أن يسري الله بالرسول في ليلة؟!
لقد كان إسلام أبي بكر الذي وصفه الرسول بقوله: " ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد
و نظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه حين دعوته، ولا تردد فيه"... كان
هذا الإسلام تصديق العقل الراجح الصارم المنطقي الذي ينفذ إلى الحقائق من خلال
ضباب التقليد والجدل المزيف.
فعندما قابل أبو بكر الرسول، وظهرت له آيات صدقه، وأعجبه ما عرضه عليه
قال له: "صدقت بأبي أنت وأمي، أهل الصدق أنت، أنا أشهد ألا إله إلا الله وأنك
رسول الله".
وبهذه الكلمات بدأ أبو بكر رحلة الجهاد الطويل في سبيل ما آمن به،
مضحياً في الطريق بمكانته الاقتصادية، والاجتماعية، وبأمنه وبنفسه وأولاده ووطنه،
باذلاً كل ما يستطيع كي تعلو وتنتشر العقيدة التي ارتضاها لنفسه، دون قسر أو إغراء
أو تضليل.
نموذج للداعية المسلم
الداخلون في المذاهب والتنظيمات المادية الدنيوية، إنما يسعون من
ورائها لزيادة في الدخل، أو للحصول على منصب اجتماعي، أو عضوية في التنظيم الحاكم
قد تدفع بهم إلى ما يبطنون من أغراض، فأين أبو بكر - أول المسلمين من الرجال - من
هذا كله؟
كان غنياً... ففقد ماله تقريباً، حتى أنه لما هاجر إلى المدينة لم
يترك لأولاده ما يسد حاجتهم، وبالتأكيد تعرضت تجارته لهزات كبيرة نتيجة مؤامرات
الشرك، كما أن ما بذله في سبيل تحرير المسترقين من المسلمين، واتجاهه للدعوة بكل
قواه... قد أثرا على مكانته الاقتصادية.
وكان ذا مكانة اجتماعية مرموقة، يستشيره قومه في أمورهم، ويعتبرونه
أحد السادة الأجلاء الموقرين، فلما أسلم تعرض لإيذاء قومه وتنكيلهم، لدرجة أنه
حاول الفرار بدينه إلى الحبشة، وقبل حماية عرضها عليه أحد المشركين وهو "ابن
الدغنة"، ووقف في الصلاة مع العبيد الذين حررهم بأمواله، وساواه الإسلام - هو
وغيره - بهؤلاء الضعفاء المسترقين.
ولما ولي الخلافة ظل على فقره، لا يزيد دخله على أي فرد في المجتمع
الإسلامي، ولم يوص بالخلافة لواحد من بيته حتى يكون جهاده الطويل مشوباً بغاية
بعيدة هي حكم يرثه أبناؤه من بعده، بل لقي الله نظيفاً بريئاً في جهاده الإسلامي
من كل شائبة أو شبهة.
كان واثقاً من الله كل الثقة...
فعندما كان يتبرع بكل ماله، وكان يسأله الرسول عليه الصلاة والسلام:
ماذا أبقيت لأهلك؟ فيرد قائلاً: أبقيت لهم الله ورسوله!!
وعندما كان في مكة... كان يجهر بقراءته للقرآن، يبكي في إخلاص وشفافية
وهو يقرؤه، مما جعل أبناء المشركين ونساءهم يلتفون حول البيت مزدحمين مستمعين إلى
تلاوته، ومتأثرين بها... ولما حاول "ابن الدغنة" الذي كان قد أجاره منعه
من ذلك نتيجة شكوى قريش، رد عليه أبو بكر جواره قائلاً له: إني أرد عليك جوارك
وأرضى بجوار الله!!
وتتابع تعرضه لإيذاء قريش وتنكيلها، وازدادت ثقته بالله، وبالدين الذي
ارتضاه لنفسه دون قسر أو إجبار.
وكان مؤمناً بعقيدته كل الإيمان...
وأي إيمان أروع من ذلك الذي يجعله بعد إسلامه يتحول إلى داعية يضع كل
عمره في خدمة العقيدة، وما أن يسلم حتى يتحول إلى داعية للآخرين بكل طاقته، وينجح
بحكمته وإخلاصه في جذب عناصر كانت من خيرة رجالات الإسلام فيما بعد: عثمان بن
عفان، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد
الله، وأبي عبيدة بن الجراح، فضلاً عن أهل بيته الذين أسلموا جميعاً.
وكان مضحياً كل التضحية...
وتروي الأخبار الصحيحة أن النبي عليه الصلاة والسلام بعثه الله ومال
أبي بكر أربعون ألف درهم، وعندما هاجر أبو بكر إلى المدينة لم يكن قد بقي من هذا
المال إلا خمسة آلاف درهم.
ولقد بلغ عدد من أعتقهم لوجه الله لتخليصهم من تعذيب المشركين سبعة،
منهم بلال بن رباح - مؤذن الإسلام الأول - وعامر بن فهيرة، وأربع نسوة.
ولم تكن تضحية أبي بكر بالمال وحده، فذلك أمر قد يكون ميسوراً لبعض
الناس، لكن أبا بكر بذل نفسه أيضاً في سبيل الدعوة، وتعتبر هجرته إلى المدينة مع
رسول الله أنصع الأدلة على ذلك.
ولقد كانت الهجرة من أهم الأحداث في عمر الدعوة الإسلامية، وهي لا
تذكر في كتب التاريخ إلا ويذكر معها اسم أبي بكر كثاني اثنين تعرضا لهذا الامتحان
العنيف.
ولم يعتور الخوف أبا بكر، حرصاً على نفسه، بل اعتوره الخوف، حرصاً على
الرسول الكريم، وعلى مستقبل الدعوة الإسلامية.
وعندما كان مع الرسول في الغار، والمشركون ينظرون إليهما، وقال قولته
المشهورة: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا، ورد الرسول عليه: يا أبا
بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما... عندما حدث هذا كان أبو بكر إنما يخشى أن يتمكن
المشركون من قائد الدعوة ورسول الله عليه السلام، فقد كان يحرسه بجسمه في الغار من
حشرات الأرض، كما كان يحرسه في الطريق، فيمشي خلفه تارة ويمشي أمامه أخرى. وفي كل
غزوات الرسول بدر وأحد وتبوك والفتح وغيرها من الغزوات والسرايا، كان أبو بكر
حارساً ووزيراً ومستشاراً للرسول عليه الصلاة والسلام، يضحي بنفسه في سبيله،
ويفديه - والإسلام - بكل ما يملك.
وكان رجلاً وديع الخلق، رقيق الطبع
والعظماء بدون خلق عال وطبع رقيق بلاء تصاب به الأمم.
وفي ظل حكام لا أخلاق لهم يتحول الناس إلى حقل التجارب الأليمة،
ويعانون أشد العناء من غلظة وجبروت الحكام الذين لا قلوب حانية لهم، ولا أخلاق
عالية تدفعهم إلى احترام إنسانية الناس وتقدير مشاعرهم وظروفهم.
إن أبا بكر الذي كان أحزم ما يكون أمام المشاكل، وكان لا يعرف الهوادة
في الحق، كان أرق ما يكون الناس طبعاً، وأرفع ما يكون الناس خلقاً.
كان عمر يتعهد عجوزاً كبيرة عمياء... يحضر لها الماء والطعام وما
تريد، فكان إذا جاءها في كثير من الأيام وجد غيره قد سبقه إليها، فأحضر لها ما
أرادت... فرصد عمر الطريق... فإذا هو بأبي بكر، وهو يومئذ خليفة المسلمين!!
ويروى عن ابن عمر أن أبا بكر كان يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع
للخلافة قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب أبو بكر لنا منائحنا، فسمعها أبو بكر
فقال: بلى لعمري... لأحلبنها لكم، فكان يحلب لهن الأغنام وهو خليفة!!
وقد أغاظ المشركين أن يسب الرسول الكريم آلهتهم وينال منهم، فلما طلع
عليهم ذات مرة وثبوا إليه يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ فيقول الرسول عليه
الصلاة والسلام: "نعم! أنا الذي أقول ذلك"، فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه
وكاد يخنقه، فقام أبو بكر يدفعهم عنه وهو يبكي ويقول: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن
يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ)؟! [غافر: 28]
وقد كان أبو بكر يكثر البكاء وهو يقرأ القرآن، كما أنه كان كثير
البكاء في صلاته، عطوفاً على الفقراء والمساكين والمستضعفين.
ولن نستطيع حصر أبرز خصائص أبي بكر الداعية المسلم... الداعية وهو رجل
من الناس مضطهد لإيمانه في مكة، والنموذج الرفيع وهو خليفة للمسلمين، يحكمهم
بالرفق واللين والرحمة.
وحسبنا من هذه اللقطات العالية نسوقها للذين يدعون الناس، وإلى الذين
يحكمون الناس!!
بقلم: عبد الحليم
عويس