العنوان الصراع العربي الصهيوني بين التصور الإسلامي والواقع الموضوعي «الحلقة السادسة»
الكاتب جمال الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1986
مشاهدات 58
نشر في العدد 788
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 21-أكتوبر-1986
أشرنا في الحلقة السابقة إلى المخطط الأميركي الصهيوني لتدمير القوى المسلحة
للشعب الفلسطيني في لبنان، ومن ثم تهجير نصف مليون فلسطيني مسلم في لبنان، حتى يختل
التوازن السكاني ليتسنى بعد ذلك إقامة الكانتونات الطائفية، بدءًا من لبنان وامتدادًا
في أرجاء الوطن العربي، تدور جميعها في فلك الكيان الأقوى وهو الكيان الصهيوني، كما
أشرنا إلى تورط بعض الأطراف «العربية» في هذا المخطط الرهيب.
وفي هذه الحلقة نسلط الأضواء على تفاصيل المخطط الأميركي الصهيوني للتسوية الجاري
تنفيذها، والتي بدأت ملامحها تتضح في الآونة الأخيرة.
* في غياب الموقف العربي الموحد، من الذي يستطيع الوقوف في وجه التوسع الصهيوني؟
* أنباء امتلاك العدو الصهيوني للسلاح النووي تدخل ضمن إطار الحرب النفسية
لإقناع المواطن العربي بقبول التسوية.
* بريطانيا انضمت أخيرًا لفرنسا والصين في تأييد عقد مؤتمر دولي لحل ما يسمى
بمشكلة الشرق الأوسط.
* شارون يمهد لغزو جديد تمهد له قوات نبيه بري بالتعاون غير المعلن مع قوات
لحد.
* الجماهير العربية في غياب التصور الإسلامي فقدت قدرتها على الحركة وردع
العدوان.
لماذا التركيز على بيريز؟
إن الولايات المتحدة وضعت كل مفاتيح التسوية السياسية للقضية الفلسطينية في يد
شمعون بيريز رئيس وزراء العدو الصهيوني، ولقد تحرك بيريز قبل أن يسلم السلطة إلى شامير
بتوجيه من الولايات المتحدة، فاجتمع مع الملك الحسن الثاني ملك المغرب، ومع الرئيس
المصري حسني مبارك، وأخيرًا كانت هناك اجتماعات باريس بين ممثلين لحزب العمل الذي يرأسه
بيريز وبين أطراف عربية أخرى، اتفق فيها على إيجاد تسوية لوضع القدس والضفة والقطاع
لا يخرج عن نطاق مشروع حزب العمل بهذا الخصوص، وقد دفعت الولايات المتحدة مبلغ مليار
و300 مليون دولار موزعة بين الأردن والكيان الصهيوني لتحسين الأوضاع الاقتصادية للضفة
الغربية وقطاع غزة.
ونظرًا لوجود بعض الخلافات بين حزب العمل والليكود، فقد كان في إمكان حزب العمل
بدعم من الولايات المتحدة أن يفك الشراكة مع الليكود قبل انتقال السلطة إلى شامير،
وإجراء انتخابات جديدة تكون من نتيجتها استئثار حزب العمل بالسلطة، ولكن الولايات المتحدة
طلبت من حزب العمل عدم فك الشراكة مع الليكود؛ وذلك للضغط على الأطراف العربية الموافقة
على برنامج حزب العمل للإسراع في إجراء مفاوضات مباشرة وتوقيع اتفاق مع بيريز قبل أن
يستلم شامير السلطة!
فإذا تم الاتفاق- الذي تشير كل الدلائل على حدوثه- فإن فك الشراكة مع حزب الليكود
يصبح أمرًا ذا جدوى، حتى ولو استلم الليكود السلطة، وعندئذ يمكن إجراء انتخابات جديدة
تأتي بالمعراخ «بيريز» مرة أخرى بعد أن كسب الدعم الأميركي، وبعض الأطراف العربية،
وبعض الأحزاب الإسرائيلية اليسارية، بالإضافة إلى أصوات اليهود المغاربة الذين يشكلون
عددًا لا بأس به.
أما إذا لم يتفق العرب مع بيريز، فإن شامير يكون جاهزًا للقيام بضربة جديدة أو
غزو جديد للأراضي العربية من المقرر أن يصل إلى أم القيس على الحدود السورية الأردنية،
وبذلك تصبح منطقة أربد تحت الاحتلال الصهيوني.
وفي غياب الموقف العربي الموحد والجهد العسكري الموحد، فمن الذي يستطع الوقوف
في وجه التوسع الصهيوني؟!
ولعل الأنباء المتسربة مؤخرًا عن امتلاك العدو الصهيوني للقنابل الذرية تدخل
ضمن إطار الحرب النفسية لإقناع المواطن العربي بقبول التسوية المطروحة قبل فوات الأوان.
مشروع حزب «العمل» للتسوية
المشروع الصهيوني الذي طرحه بيريز على كل من ملك المغرب والرئيس المصري واجتماعات
باريس، والذي ضغطت الولايات المتحدة على الأطراف العربية المعنية لقبوله، يمكن إجماله
فيما يلي:
أولًا: فيما يتعلق بالقدس:
1- القدس تبقى موحدة تحت السيادة الصهيونية، وهي عاصمة للكيان الصهيوني
الذي يتعهد بالمقابل باحترام حقوق جمع سكانها دون فارق في الدين أو القومية.
2- سوف يتم ضمان المكانة الدينية الخاصة للأماكن المقدسة للإسلام والمسيحية
بإدارة ذاتية.
3- سوف يستمر ضمان حرية الدخول إلى الأماكن المقدسة وحرية العبادة.
ثانيًا: فيما يتعلق بالضفة الغربية وقطاع غزة:
1- وجود «الكيان الصهيوني» كدولة ديمقراطية ذات أغلبية يهودية كبيرة
ومستقرة، مع مساواة كاملة في الحقوق لكل المواطنين اليهود وغير اليهود.
2- إنهاء السيطرة الصهيونية على ميلون و300 ألف عربي فلسطيني هم سكان
الضفة الغربية وقطاع غزة.
3- حل المشكلة الفلسطينية في إطار دولة أردنية فلسطينية ستشمل أيضًا
المناطق المكتظة بالسكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
4- ضمان حدود آمنة بصورة يكون فيها الوجود الأمني لقوات «الاحتلال»
والاستيطان الذي يشمل غور الأردن وشمال غرب البحر الميت و«غوش عتسيون» وضواحي القدس
في وقت السلم داخل سيادة الكيان الصهيوني، وسيكون نهر الأردن حدودًا آمنة للكيان الصهيوني.
أما المناطق التي سيتم الجلاء عنها فسيتم تجريدها عسكريًّا وتتخذ ترتيبات أمنية حيوية
للكيان الصهيوني، ولن يجتاز جيش أجنبي نهر الأردن.
5- المستوطنات الصهيونية في المناطق التي سيتم الجلاء عنها يمكن بقاؤها
كما هي مع ضمان سلامة وأمن المستوطنين.
6- رفض إقامة دولة جديدة ومستقلة في الأراضي الواقعة بين الكيان الصهيوني
والأردن.
7- سيسعى الكيان الصهيوني إلى تحقيق سلام مع الأردن وحل المشكلة الفلسطينية
بواسطة مفاوضات مباشرة مع ممثلين أردنيين وفلسطينيين.
8- لا يمكن أن تشارك في المفاوضات كل من منظمة التحرير الفلسطينية وأية
منظمة أخرى تقوم على الميثاق الفلسطيني الذي يرفض حق قيام «الكيان الصهيوني» أو التي
تمارس أساليب الإرهاب.
9- ستكون المفاوضات بلا شروط مسبقة وستجري على أساس قراري 242، 338.
10- سيقدم الوفد الأردني- الفلسطيني إلى المفاوضات مقترحاته، كما أن
«الكيان الصهيوني» سيقدم مقترحاته.
11- في الطريق نحو السلام سيبادر «الكيان الصهيوني» إلى ترتيبات انتقالية،
وستبحث الترتيبات الانتقالية التي ستعرض عليه.
12- إن حزب العمل سيبادر بحوار موسع مع شخصيات وعناصر فلسطينية يعترفون
بالكيان الصهيوني ويشجبون الإرهاب، وسوف يشجع هؤلاء بهدف المزيد من التفاهم ودفع مسيرة
السلام.
13- إلى حين استكمال المفاوضات العملية فإن «الكيان الصهيوني» سيعمل في الضفة الغربية وقطاع غزة وفق المبادئ الآتية:
أ- لن يطبق القانون الصهيوني في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ب- سيمتنع الكيان الصهيوني عن إقامة مستوطنات جديدة في المناطق المكتظة بالسكان
في الضفة الغربية وقطاع غزة، وسيتوقف استمرار التوطين في هذه المناطق. كما ستتوقف الاستثمارات
المخصصة لذلك سواء في المناطق القروية أو المدن.
جـ- سيدعم «الكيان الصهيوني» المستوطنات الصهيونية في مناطق الأمن والمستوطنات
الحيوية.
د- سينفذ الكيان الصهيوني سياسة الجسور المفتوحة، وسيوفر للسكان حرية الحركة
والروابط مع العالم العربي.
هـ- سيشجع الكيان الصهيوني مبادرات التنمية الاقتصادية وخلق مصادر عمالة في المناطق.
و- سيحافظ الكيان الصهيوني على حقوق الفرد بين السكان وعلى سيادة القانون والمساواة
أمامه، وسيعمل وفق مبادئ القانون الدولي.
ز- سيحافظ الكيان الصهيوني على الأمن في المناطق وسيحارب الإرهاب الممارس ضده.
حـ- سيسلم الكيان الصهيوني مسؤوليات وسلطات واسعة إلى الإدارة الذاتية في موضوعات
الشؤون البلدية والمدنية للمجالس المحلية والهيئات المدنية في هذه المناطق، وسيركز
الكيان الصهيوني مجهوداته في الحفاظ على الأمن ومنع الإرهاب.
ومن استقراء ما يجري على الساحة العربية والفلسطينية يمكن للقارئ أن يكتشف بوضوح
كيف يجري تطبيق هذا المشروع تدريجيًّا ومن دون ضجة.
الاجتماع مع غورباتشوف
وحين اطمأن ريغان إلى البدء في تطبيق المشروع الأميركي الصهيوني، دعا إلى الاجتماع
مع غورباتشوف لتبدو الولايات المتحدة وكأنها تسعى إلى الوفاق الدولي، وأن الاتحاد السوفيتي
مسؤول عن إفشال هذا الوفاق، وأن مشروع حرب النجوم ما هو إلا من أجل السلام العالمي
ومنع حرب عالمية جديدة، وللإيحاء بأن الاتحاد السوفيتي متفق مع الولايات المتحدة حول
الحل الأميركي لمشكلة الشرق الأوسط.
إن انضمام بريطانيا أخيرًا إلى فرنسا والصين في تأييد عقد مؤتمر دولي لحل ما
يسمى بمشكلة الشرق الأوسط، دفع ريغان إلى التحرك بسرعة لضمان المشروع الصهيوني الأميركي
حتى يبعد الاتحاد السوفيتي عن منطقة الشرق الأوسط التي يجب أن تكون خالصة للولايات
المتحدة.
عقبات في طريق الحل
تبقى هناك عقبة في طريق هذا الحل، وهي قوات منظمة التحرير الفلسطينية الموجودة
في لبنان وخاصة في الجنوب اللبناني، والتحالفات الجديدة التي عقدتها مع بعض القوى الإسلامية
هناك. وهنا يأتي دور شارون للقيام بغزو جديد تمهد له قوات نبيه بري بالتعاون غير المعلن
مع قوات لحْد وبعض القوى الأخرى.
الاجتياح قادم
وما زلنا نتوقع حدوث الاجتياح الإسرائيلي في شهر نوفمبر المقبل بعد إجراء الانتخابات
الفرعية للكونجرس الأميركي؛ للخلاص من منظمة التحرير الفلسطينية وإسدال الستار على
القضية الفلسطينية على الطريقة الأميركية وبمعزل عن مشاركة الاتحاد السوفيتي.
فما موقف منظمة التحرير؟ وما موقف الاتحاد السوفيتي؟ وما موقف الجماهير العربية
والإسلامية؟
منظمة التحرير على لسان ياسر عرفات أعلنت مؤخرًا في الكويت أنها جاهزة للتصدي
للمؤامرة، وأنها قادرة على المواجهة والاتحاد السوفيتي لا يمكن أن يسلم للولايات المتحدة
إلا مقابل صفقة مرضية، والجماهير العربية في غياب التصور الإسلامي فاقدة لقدرتها على
الحركة والردع.. فهل تستطيع القوى الإسلامية في جنوب لبنان أن تتصدى للحل الأميركي
الصهيوني دون دعم المسلمين في كل أرجاء العالم كخطوة أولى نحو التصدي لكافة أشكال الحلول
المطروحة، سواء عبر المشروع الأميركي الصهيوني أو عبر المؤتمر الدولي، واستلام زمام
المبادرة لتحرير الأرض المباركة من دنس الصهاينة؟ هذا السؤال يحتاج من المسلمين إلى
جواب، ومن ثم إلى عمل بمقتضى أمر الله:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ
عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج: 39).
(يتبع)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل