; دراسات: الإسلام والغرب الصراع للبقاء.. أم الحوار للدعوة؟ «٢ من 2» | مجلة المجتمع

العنوان دراسات: الإسلام والغرب الصراع للبقاء.. أم الحوار للدعوة؟ «٢ من 2»

الكاتب هشام العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مارس-1996

مشاهدات 79

نشر في العدد 1192

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 19-مارس-1996

• "مارتن بالمر": أجدني كمسيحي أقرب إلى النموذج الإسلامي من ثقافة «البيبسي» ومطاعم «ماكدونالد» التي ما فتأ الغرب يدافع عنها

الغرب ليس شيئًا واحدًا وإنما هو كأية ثقافة متنوعة الآراء والأطروحات إلى درجة التناقض، وكما نلحظ بعض الآراء التي فيها تحامل على الإسلام نلحظ أيضًا آراء أخرى محايدة تنصف الإسلام بل تدعو الغرب إلى التعلم منه، والتفكير جديًّا باتخاذه نموذجًا بديلًا للحياة.

ومن هذا الصنف الثاني "مارتن بالمر"، المدير الاستشاري للدين والتعليم والثقافة في بريطانيا، الذي كتب في الصحافة البريطانية عن قدرة الإسلام في تعليم الغرب كيف يخفف من حدة ثقافته الاستهلاكية بشرط أن يؤمن هذا الغرب بأنه ليس في حاجة إلى «عدو» إسلامي.

يشير «بالمر» إلى أن الإسلام ليس أجنبيًّا أو غريبًا على أوربا كثقافة وحضارة؛ لأنه في وقت من الأوقات كان دينًا أوربيًّا في إسبانيا لعدة قرون، ويحاول الغرب أن يتجنب الاعتراف بهذه الحقيقة؛ لأنه تعود على ربط الإسلام بـ«الآخر» و«الشرق الأوسط» و«العدو» ليس كأوروبا أو إسبانيا أو الغرب نفسه«1».

ويقول «بالمر» وكأنه يعبر عن مشاعر المسلمين الحقيقية، بأن المسلمين لا يعتقدون أن الاستعمار قدانتهى، وإنما هو مستمر في أشكال مختلفة من السيطرة الإعلامية والسياسية والاقتصادية «نظام البنوك الدولية، صندوق النقد الدولي... إلخ» وهذه السيطرة تسبب ردة فعل غاضبة عند البعض تجعله يتحول إلى العنف ويسميها الغرب «الإرهاب»، وهيتسمية مدفوعة يتصور الإسلام كعدو وليست تسمية موضوعية للظاهرة.

دعوة لاكتشاف بدائل أخرى

وعلى الرغم من أن «بالمر» لا يتفق مع أعمال هؤلاء من العنف إلا أنه - وكما يقول- يستطيع أن يتفهم بشكل أكثر تعاطفًا دوافع هذه الأعمال «فعندما يتعامل الغرب بازدواجية في قضية الديمقراطية، فيمنع الإسلاميين في "الجزائر" من الوصول إلى الحكم، فإن هذه الازدواجية تجعل حتى الإنسان المعتدل غاضبًا».

وفي هذا السياق يدعو «بالمر» الغرب إلى اكتشاف بدائل أخرى جديدة عن البديل الغربي في السياسة والاقتصاد، كما يدعو في نفس الوقت إلى دراسة الإسلام، ودراسة النموذج الذي يقدمه في مختلف ميادين الحياة، ويضيف «بالمر» قوله: «إننيكمسيحي أجدني أقرب إلى النموذج الإسلامي للمجتمع من ثقافة «البيبسي» ومطاعم «ماكدونالد» التي ما فتأ الغرب يدافع عنها».

يثير موضوع صراع الحضارات عدة محاور هامة تحتاج إلى مناقشات وجلسات مطولة بين مختلف ممثلي الحركات الإسلامية، إضافة إلى منظري الفكر الإسلامي ممن لهم إسهامات واضحة في هذا المجال، ونجاح المناقشات أو على الأقل وصولها إلى نتيجة ملموسة ورؤية موضوعية مرهونة بمدى استيعاب رموز الحركات الإسلامية ومنظريها لأبعاد هذه النظريات ليس فقط على مستواها السياسي، وإنما على مستواها الاقتصادي أيضًا، وهذا يتطلب فهمًا لميكانيكية طرح وترويج الأفكار الثقافية والسياسية في العالم الغربي والآليات المشتركة في ذلك من إعلام وأكاديميين واقتصاديين... إلخ،إضافة إلى فهم الخيوط المتشابكة والمعقدة التي تجمع بين كل المستفيدين من رواج نظرية سياسية ما على حساب أخرى، ومتابعة كل خيط حتى نهايته حتى لو وصل بنا إلى مدير مصنع لإنتاج الأسلحة النووية مثلًا.

في الدول الرأسمالية تعامل النظريات السياسية كبضاعة اقتصادية بمفاهيم السوق ومقاييس الربح والخسارة، وتقوم الماكينة الإعلامية الضخمة بترويج النظريات التي يجدها الرأي العام جذابة ومستعد لتبنيها ومتابعة تطوراتها، ويترتب على ذلك «خلق» مناخ ثقافي معين كي يصاحب عملية الترويج هذه كعمل أفلام وبرامج، وحوارات تليفزيونية تؤدي في النهاية إلى تعميق الفكرة وتحويلها إلى قناعة يصعب تغييرها، وتستنفر في آلية اللوبيات المتنوعة لترويج الفكرة جميع «الخلفيات الشرعية» مندين، وتراث، وعادات، وتقاليد، فيبعث من جديد الحديث عن الحروب الصليبية والعداء التاريخي المتأصل في الكتب المقدسة بين الإسلام والمسيحية، ويعاد الكلام عن حقوق غير المسلمين في الدولة الإسلامية، ومعاملة أهل الذمة في التاريخ الإسلامي وبالأخص أيام الدولة العثمانية... إلخ، كل هذا وغيره مما يصعب حصره يتم لترويج نظريةصراع الحضارات «المربحة إعلاميًّا واقتصاديًّا كما سنرى» على حساب الحديث عن حوار الحضارات «الضارب في المثالية وغير الجذاب أو مربح إعلاميًّا».

والماكينة الإعلامية لا تستطيع في الدول الرأسمالية، وفي ظلتشابك المصالح أن تعمل وحدها، وإنما لا بد من ضوء أخضر أو اتفاق مسبق يتم بينها وبين المستفيدين من رواج النظرية وعلى استعداد لتمويلها بملايين الدولارات، وهذا لا يكون إلا بعد أن تكون هناك فائدة - تقدر بالبلايين هذه المرة- من رواج هذه الأفكار، وبالنسبة لأطروحات صراع الحضارات أشار هاليداي في كتابه «الإسلام وأسطورة المواجهة» بأن هناك جهات منتفعةيهما ترويج فكرة صراع الحضارات؛لأن الحديث عن أي شيء فيه «صراع» سيتضمن استمرار عمل مصانع لأسلحة «خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، واستمرار تدفق البلايين من الدولارات من دول شتى تريد حماية نفسها من هذا الجو المرتقب: الإسلاميين، الهندوس، اليابانيين... إلخ«.

فقدان الثقة بالآخرين

إن هذه النظريات مربحه اقتصاديًّا «على عكس الحديث عن الحوار» لأنها تزيد من الخوف والشعور بفقدان الثقة بالآخرين، ومن ثم أخذ كل التدابير اللازمة من أجل الإحساس بالأمن، من هنا فليس بمستبعد أن تقوم بعض الشركات الأمريكية مثلًا لإنتاج السلاح والصواريخ بتمويل عقد مؤتمر عن أمن الخليج يدعى له الخبراء والمختصون، ويصبغ بصيغة ثقافية وسياسية بحتة من أجل الخروج بفكرة؛ وهي أن أمن الخليج في خطر، وأنعلى الدول الخليجية تحصن نفسها وشراء أحدث الأسلحة والصواريخ. إن الحديث عن صراع الحضارات -وهانتنتون يدرك ذلك- حديثًا ينعش السوق الإعلامية والاقتصادية والسياسية في الغرب أكثر من حديث الحوار.

الغريب أن الحالة تختلف تمامًا عند الحديث عن «السلام» مع «إسرائيل»، فهذا الكلام عن «حوار الحضارات» فيه إنعاش للسوق «الإسرائيلية» تحت مسمى «السوق الشرق أوسطية»، وتحريك لعجلة السياحة والتصدير.. إلخ، العجيب في كلا الحالتين أن الغرب أو «إسرائيل» في الرابحة وأن العرب أو المسلمين هم الخاسرون من كلا الصفقتين صراع الحضارات وسلام الشرق الأوسط، ولهذا تشير الكاتبة منى ياسين بأن "هانتنتون" «لم يطرح اليهودية إلا كديانة، بينما استبعدها من سلسلة الحضارات التي وضعها، وهو فيما يبدو يميل إلى تضمينها في الحضارة الغربية، وإن لم يشر إلى أنها تمثل وستظل أحد أسباب الصراع بين الحضارتين العربية والإسلامية نتيجة الصراع العربي الإسرائيلي» «2».

ولا يدعي هذا الربط بين النظرية السياسية وبين رواجها أنه يحصر العلاقة بين الاثنين بشكل شمولي، كما أنه لا يزعم بالضرورة غياب قناعة البعض– "هانتنتون" أو غيره- بنظرية صراع الحضارات بصرف النظر عن مردودها الإعلامي وأرباحها الاقتصادية، كما أن الهدف من الربط ليس إحياء نظرية «المؤامرة »الشائعة في الخطاب الإسلامي في مقابل نظرية «الصراع» ولكن الهدف الأساسي من هذه الإشارة هو التنبيه إلى ظاهرة الترابط المؤسسي في الغرب بين الاقتصاد والسياسة والإعلام بشكل نسبي يهدف في النهاية إلى خدمة المصالح العامة للبلد، وهذا التنبيه مهم لأولئك الإسلاميين سواء ممن يريدون الحوار فيما بينهم أو ممن يريدون الحوار مع الغرب.

معالم الحوار مع الغرب

وبالنسبة للإسلاميين الذين يريدون الحوار مع الغرب فإن عليهم أن يحددوا «الغرب» الذي يريدون الحوار معه؟ هل هو الغرب الجغرافي أم هو الغرب الحضاري؟ وإذا كان المقصود الغرب الحضاري، فلماذا لا تدخل دولة مثل "اليابان" مثلًا إلى داخل أجندة الإسلاميين في الحوار؟ كما أن على الإسلاميين أن يحددوا الجهة التي سيحاورونها في الغرب: مع الأنظمة السياسية،أم جماعات الضغط والمهمشين في المجتمع «السود، والمنظمات النسائية... إلخ»؟ أم القطاع الأكاديمي؟ أم مع الصرح الإعلامي الضخم بصحفييه ومنتجيه ومخرجيه... إلخ؟ ويحددوا الهدف من الحوار، والنتائج المرجوة منه.

فالدكتور "صلاح الصاوي" يقول: «قضية الحوار مع الغرب تفهم في إطار الدعوة إلى الله والبلاغ الواجب لدينه وإزالة ما علق بالعقلية الغربية والحس الغربي عمومًا من مفاهيم مغلوطة تجاه الإسلام...» وأن يفهم الإسلاميون أيضًا النتائج التي يرجوها الغرب «بعد تحديد قطاعه» من الحوار.

لقد تحدث البعض في الغرب عن الهدف من الحوار مع الحركة الإسلامية، فكان أهمها:

١- عدم تكرار خطأ مقاطعتنا لرموز الثورة الإيرانية.

٢- التأثير على الإسلاميين وجذبهم إلى الاعتدال.

٣- معرفة نواياهم ورسم الخطط المستقبلية للتعامل معهم.

الملاحظ أن معظم الأهداف فيها النية المسبقة على السيطرة والتوجيه أكثر من التفاهم للوصول إلى صيغة مشتركة في مقابل ذلك، فإن على الإسلاميين أن يثبتوا للغرب بأنهم جديرون بالحوار وطرح الأفكار والتأثير على مجريات الساحة «من دون الدعم الحكومي» فهناك أصوات غربية تزعم بأن الحركات الإسلامية ضعيفة ومنقسمة على نفسها، بحيث إن الغرب «القوي» لا يحتاج إلى حوارها أصلًا.

الغرب المتعاطف مع الإسلاميين

يجنح الإسلاميون في وسط الغزو الثقافي- الغربي إلى رصد الكتابات الغربية عن الحركات الإسلامية وتقييمها، وتقسيم كتابها إلى «معاديين» و«متعاطفين» مع الحركة الإسلامية والتقييم بحد ذاته يكون في الغالب عاطفيًّا، وغير قائم علىالموضوعية والدراسة الموثقة، وبالتالي مضلل في نتائجه، فالملاحظ أن التيار العام في الغرب -بما في ذلك ممن نطلق عليهم المتعاطفين- لا يحبذ تناميالتيار الإسلامي على حساب القيم الغربية، ولكنه يختلف بعد ذلك في استراتيجية تحقيق ذلك، فغالب «المتعاطفين» يعتقدون بأن الكلام عن صراع الحضارات لا ينبغي الإشارة إليه لأنه «يثير الإسلاميين على القيم الغربية» ويطالبون أنظمتهم السياسية تحسين المستوى الاقتصادي في العالم العربي «كي لا تزيد شعبية الإسلاميين بين الفقراء» وعدم إعاقة الديمقراطية ومساهمة الإسلاميين في الانتخابات «حتى لا يؤدي قمعهم إلى زيادة شعبيتهم»، وهكذا حتى تحيد الحركة الإسلامية وتهمش تحت ستار الكتابة الموضوعية والمتعاطفة مع قضايا المسلمين، لهذا ينبغي الانتباه للخلط بين الاثنين.

ولكن قبل كل ما سبق ذكره عن شروط «الحوار» مع الغرب لابد أن نسأل: هل التيار الإسلامي يريد «الحوار» مع الغرب فعلًا؟ أم أن خيار الحوار جاء كردة فعل لخيار «صراع الحضارات»؟ إن المتتبع لمكتسبات الحركة الإسلامية يجد أن نسبة كبيرة منها قد تحقق بسبب ترويج الغرب لنظرية الصراع «التغطية الإعلامية لحرب الخليج، قضية سلمان رشدي... إلخ»، بمعنى أن الحركة الإسلامية قد كسبت أنصارًا كثيرين لمجرد وقوعها ضحية لهذا «الصراع» بينها وبين الغرب، وما كان لها أن تحقق نفس النجاح لو بقيت في خانة السلم أو الحوار، وهذا يجعل بعضًا من رموز الحركة الإسلامية الذين نجحوا في الماضي في «استثمار» كراهية الغرب للإسلام في تكثير أنصاره، مترددًا اليوم في دعوة الغرب إلى الحوار؛ لأن هذا يعني أنه يلغي أهم عامل منعوامل كسب التعاطف الشعبي لحركته.

إن غالبية مفردات الخطاب الإسلامي التعبوي لا تزال قائمة على مناهضة الغرب بسبب سياسته الجائرة، ولكن أيضًا لإشباع حاجة سيكولوجية عند العوام وهي الشعور بوجود «عدو» خارجي يريد القضاء على الإسلام، فإلى أي مدى يستطيع التيار الإسلامي الذي ينادي بالحوار تطوير خطابه «بنفس قوته السابقة» من دون الاستناد على «عدو» خارجي، وضمان نفس النجاح -إن لم أكثر- مع الأنصار والمؤيدين؟

وتحد آخر يواجه بعض الإسلاميين ممن يتحدثون عن الحوار مع الغرب وهو مدى قدرتهم على التخلي عن «ازدواجية الخطاب» بحسب اختلاف الجماهير، بمعنى أن لا يكون الخطاب عن حتمية «الصراع» بين الغرب كقوى صليبية حاقدة أو إمبريالية أو حتى حضارة ذات قيم منحلة عندما تكون الجماهير إسلامية، ثم يكون عن أهمية «الحوار» مع الغرب الديمقراطي الحضاري... إلخ، عندما يكون الجمهور غربيًّا في الكونجرس أو رواق الجامعة أو غيره، لا بد إذًا من تحديد طبيعة الحوار من منطلق قناعات ومبادئ ثابتة بعيدًا عن المناورات والتكتيكات المضللة.

إن الحديث عن صراع الحوار مع الغرب ليس حديثًا سهلًا، والغرب يعرف ذلك تمامًا، ولهذا فهو منشغل بعقد المؤتمرات، وعمل الدراسات حول الموضوع، ولكن التحدي الحقيقي يواجه الإسلاميين أيضًا في المشاركة -بعيدًا عن ردود الأفعال- في صياغة مواقف مماثلة تحدد طبيعة العلاقة بينهم وبين الآخرين، فهل ينجحون؟

«1» «الإندبندنت» اليومية 19 مارس 1994م.

«2» «الغرب والإسلام» تقديم وتحليل: "منى ياسين"، عن دار "جهاد" للنشر 1994م.

الرابط المختصر :