العنوان الصمت الغربي أمام قمع الإسلاميين (٢من2)
الكاتب البروفيسور جون أسبوزيتو
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1994
مشاهدات 69
نشر في العدد 1097
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 26-أبريل-1994
● إسرائيل وتونس والجزائر ومصر يحذرون من المد الإسلامي لكسب تعاون
الغرب.
● إسرائيل تسعى لتقديم نفسها للغرب كخط دفاع أول
ضد الخطر الإسلامي.
● يجب على الولايات المتحدة ألا تعارض مشاركة
الإسلاميين في السلطة إذا تم انتخابهم.
بقلم: البروفيسور جون إسبوزيتو (*)
نشرت «المجتمع» في عددها السابق الجزء الأول من مقال البروفيسور
إسبوزيتو الذي يرد فيه على الادعاءات والتحريض على الصحوة الإسلامية ومحاولة إلصاق
التهم بها ونستكمل في هذا العدد عرض بقية المقال...
من الأطراف إلى المركز
استمر إلصاق تهمة الشر والعدوانية بالإسلام طيلة حقبة الثمانينات،
ولكن في أواخر الحقبة بدأت حقيقة أكثر توازناً عن عالم إسلامي واسع القاعدة
ومتنوع، فتحت المظهر الخارجي للتطرف، وبعيداً عن الجماعات الهامشية الصغيرة
المتطرفة هناك ثورة هادئة تحدث، وفي الوقت الذي سعت فيه الأقلية الرافضة إلى فرض
التغيير من قمة السلطة عن طريق الحروب، أكد كثيرون آخرون إيمانهم بضرورة العمل من
القاعدة إلى القمة، وابتغوا طريقة الأسلمة التدريجية للمجتمع من خلال النصح
والمواعظ والمناشط الاجتماعية والسياسية، وفي العديد من الدول الإسلامية أصبحت
الحركات الإسلامية نشطة في مجال الإصلاح الاجتماعي، فأنشأت العديد من المدارس
والمستشفيات والمصحات والمنظمات القانونية ومراكز الرعاية الأسرية والبنوك
الإسلامية وشركات التأمين، ودور النشر، وقدمت هذه المجموعات ذات التوجهات
الإسلامية خدمات اجتماعية قليلة التكلفة بحيث أصبحت تعتبر انتقاداً غير مباشر لفشل
الأنظمة الحاكمة في تلك الدول في توفير الخدمات المطلوبة للشعب.
وبجانب الخدمات الاجتماعية ازدادت عملية المشاركة السياسية، ففي أواخر
الثمانينات أدت الإخفاقات الاقتصادية إلى مظاهرات شعبية عارمة واحتجاجات من أجل
الخبز في مصر وتونس والجزائر والأردن، كما أن المطالبة بالديمقراطية والتي صاحبت
سقوط الاتحاد السوفيتي وتحرير شرق أوروبا من إسار الشيوعية قد انتقلت كذلك إلى
منطقة الشرق الأوسط، وخلال تلك الحقبة ظلت حكومات عديدة في العالم الإسلامي تدعي
بأن الناشطين الإسلاميين مجرد مجموعات عنف ثوري لا تستند إلى دعم وتأييد شعبي إن
أتيحت لهم الفرصة في عمليات انتخابية، ولكن حكومات قليلة أبدت استعدادها لإثبات
ادعاءاتها تلك. وعندما فتحت الأنظمة السياسية أبوابها واستطاعت الجماعات الإسلامية
أن تشارك في العمليات الانتخابية، كانت النتيجة مفاجأة أذهلت الكثيرين في العالم
الإسلامي والغربي، ورغم أن الإسلاميين لم يسمح لهم بإنشاء أحزاب سياسية مستقلة ومنفصلة
إلا أنهم برزوا إلى الواجهة في مصر وتونس كقادة للمعارضة السياسية، وفي انتخابات
نوفمبر 1989م فاز الإسلاميين في الأردن بـ 32 مقعداً من أصل 80 مقعداً في البرلمان
«مجلس النواب» وتولوا خمس حقائب بمرتبة وزارية ومنصب رئيس مجلس النواب، وكانت
الجزائر نقطة التحول.
لقد ظلت الجزائر ولعقود تحت هيمنة ديكتاتورية الحزب الواحد بقيادة حزب
جبهة التحرير الوطني الجزائري «FLN»
ولأن حزب جبهة التحرير الوطني كان حزباً اشتراكياً يسيطر عليه نخبة قوية من
العلمانيين وحركة نسوية نشطة فإن قليلين منهم انتبهوا وتعاملوا بجدية مع الحركة
الإسلامية، إضافة إلى أن الحركة الإسلامية الجزائرية كانت من بين أقل الحركات
أثراً ومعرفة خارج حدود الجزائر حتى بين الحركات الإسلامية في الخارج، لذلك فإن
الانتصار الساحق والمفاجئ للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات البلدية في عام
1990م كان بمثابة صدمة قوية للكثيرين في مختلف أنحاء العالم.
ورغم اعتقال قادة الجبهة عباس مدني وعلي بلحاج فإن قطع الدعم المادي
الحكومي عن المجالس البلدية، وتعويق عمل المسؤولين التابعين للجبهة الإسلامية
للإنقاذ، وشل قدراتهم على تقديم الخدمات، فإن الحزب الحاكم فشل في منع حدوث انتصار
كاسح آخر للجبهة الإسلامية للإنقاذ «FIS» في
الانتخابات البرلمانية في ديسمبر 1991م.
وفي الوقت الذي احتفل فيه الإسلاميون في الداخل وفي مختلف أنحاء
العالم الإسلامي بالانتصار، تدخل العسكريون وأجبر الرئيس الجزائري على الاستقالة
واعتقل قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ وسجن أكثر من 10,000 من الإسلاميين في
معسكرات في الصحراء وتم حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ وصودرت ممتلكاتها.
ووقف العالم صامتاً أمام القهر والبطش الذي يحدث في الجزائر، وغابت
الحكمة البسيطة وراء التعتيم، وفي الوقت الذي خشي فيه الكثيرون من ظهور إيرانات
أخرى فإن فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ «FIS» في الجزائر واحتمالات وصول حركة إسلامية إلى السلطة عبر
الانتخابات الديمقراطية وصناديق الاقتراع أثارت قلق وحفيظة عدد من زعماء العالم
أكثر من الرصاص.
وكان تبرير قبول الجيش الجزائري الاستيلاء على السلطة هو اتهام الجبهة
الإسلامية للإنقاذ بأنها تؤمن بمبدأ صوت واحد للرجل الواحد ولمرة واحدة "ONE MAN, ONE VOTE, ONE TIME".
وأدركوا أن الخطر الحقيقي من الإسلام الثوري قد ازداد بفعل خوفهم من أن ينقض على
السلطة من داخل التركيبة السياسية وبالوسائل الديمقراطية.
الصمت الغربي أمام قمع الإسلاميين
بالمقارنة مع بقية أجزاء العالم، فإن دعوات المطالبة بالمزيد من
المشاركة السياسية والديمقراطية في الشرق الأوسط قوبلت بالحماس الأجوف وبالقمع في
الداخل وبالصدود أو الصمت في دول الغرب. واستغلت الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط
الخطر الذي تشكله الأصولية الإسلامية ذريعة لإحكام قبضتها على السلطة وانتهاك حقوق
الإنسان والبطش بالمعارضة الإسلامية، والتزم الغرب الصمت حيال هذه الممارسات.
لقد وقفت تونس والجزائر ومصر وإسرائيل موقفاً واحداً محذرة من خطر
إسلامي وعالمي وذلك في محاولتهم لكسب العون الغربي ولتبرير قمعهم للإسلاميين.
وإسرائيل التي كسبت ولسنوات طويلة عطف وتأييد الغرب كقلعة لمقاومة انتشار الشيوعية
في الشرق الأوسط تسعى الآن إلى تقديم نفسها كخط دفاعي للغرب ضد التطرف الإسلامي،
وهي الحركة التي تصورها إسرائيل بأنها أخطر من الشيوعية، وبرر إسحق رابين رئيس
وزراء إسرائيل طرده لـ 415 فلسطينياً في ديسمبر 1992م بالقول: إن نضالنا ضد
الإرهاب الإسلامي المدمر يعني أيضاً تذكير العالم الذي يرقد في استرخاء.. إننا
ندعو كل الدول والشعوب لإيلاء المزيد من الاهتمام للخطر الداهم الذي يكمن في
الأصولية الإسلامية والذي يهدد السلام العالمي في السنوات القادمة.. إننا نقف على
خط النار أمام خطر الأصولية الإسلامية.
وحذرت إسرائيل وجاراتها من الدول العربية من إيران الثورية التي تصدر
الثورة إلى بقية أنحاء العالم الإسلامي كالسودان والضفة الغربية وقطاع غزة
والجزائر وآسيا الوسطى وأوروبا وأمريكا، وبالطبع طالب الرئيس المصري حسني مبارك
بإنشاء حلف دولي ضد هذا الخطر.
لا ديمقراطية بدون مخاطر
بالنسبة للزعماء الغربيين فإن الديمقراطية في الشرق الأوسط تثير
احتمالات تغيير أصدقائهم القدامى وعملائهم الذين يؤمن جانبهم وأكثر ما يثير قلق
الغرب هو أن طرق إمدادات النفط ستكون معرضة للخطر، لذلك فإن تعريف استقرار منطقة
الشرق الأوسط ظل مقصوراً في حدود المحافظة على الأوضاع الراهنة «Status quo».
إن عدم وجود الحماس لإحداث مزيد من الحريات السياسية في منطقة الشرق
الأوسط ظل خاضعاً لمنطق أن الثقافة العربية والإسلامية لا تقبل بالديمقراطية،
والدليل الذي كان يقدم دائماً هو عدم وجود إرث ديمقراطي وبتحديد أكبر الغياب
الكامل للديمقراطية في العالم الإسلامي.
إن تاريخ ذلك العالم لم يكن ملائماً لتطوير المفاهيم والمؤسسات
الديمقراطية. فالاستعمار الأوروبي والحكومات التي جاءت بعد الاستقلال وترأسها ضباط
عسكريون ورجال جيش سابقون وملوك قد ساهموا جميعاً في خلق مناخ لا يحظى فيه بناء
مؤسسات ديمقراطية قوية أو المشاركة السياسية بأي قدر من الاهتمام، إن الوحدة
الوطنية والاستقرار والشرعية السياسية للحكومات تعرضت للاهتزاز والتقويض بفعل
التكوينات الزائفة والهشة للدول الحديثة والتي رسمت حدودها السياسية بواسطة القوى
الاستعمارية، ثم تنصيب رؤسائها إما بواسطة المستعمرين الأوروبيين أو وصلوا إلى
السلطة عن طريق القوة المسلحة، كما أن الاقتصاديات الضعيفة وتفشي الجهل والأمية
والبطالة خاصة بين القطاعات الشابة قد زاد من تفاقم الأوضاع وعرض الثقة في
الحكومات إلى الاهتزاز وساعد في الاستجابة لنداءات الأصولية الإسلامية.
والخبراء وصناع القرارات السياسية الذين يبحثون فيما إذا كانت الحركات
الإسلامية ستستعمل الوسائل الانتخابية لاختطاف الديمقراطية، لا يبدون قلقاً كثيراً
لأن عدداً قليلاً من القادة في المنطقة قد تم انتخابهم بطريقة ديمقراطية، وأن
كثيرين من الذين يتحدثون عن الديمقراطية يؤمنون بالديمقراطية التي تخلو من المخاطر
أي المزيد من الليبرالية السياسية طالما لا توجد مخاطر من معارضة قوية «علمانية أو
دينية» تفضي إلى فقدان السلطة وبعدم إدراك هذه الحقيقة فإن مسألة اختطاف
الديمقراطية «Hijacking democracy»
طريق ذي اتجاهين وقد انعكس ذلك من خلال رد فعل الغرب من التدخل العسكري الجزائري
لإلغاء نتائج الانتخابات.
إن الأخذ بفكرة خطر إسلامي دولي يمكن أن يساهم في دعم الأنظمة القهرية
في العالم الإسلامي وبالتالي إلى خلق تنبؤات القناعة الزائفة «Self-fulfilling prophecy». إن إجهاض عمليات المشاركة السياسية وذلك
بإلغاء الانتخابات، يشجع نمو الحركات الراديكالية. فكثيرون من الإسلاميين ممن
تعرضوا للتعذيب والسجن والقمع من قبل الأنظمة سيصلون إلى قناعة تامة بأن البحث عن
الديمقراطية يقود إلى طريق مسدود ويقتنعون بأن استعمال القوة هو الطريق الوحيد
أمامهم، إن الصمت الرسمي أو الدعم السياسي والاقتصادي لتلك الأنظمة بواسطة
الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى يفسر على أنه مشاركة في هذه المؤامرة
ومؤشر على أن هناك معايير مزدوجة لتطبيق الديمقراطية.
ومثل هذا الموقف يمكن أن يخلق الظروف التي تقود إلى العنف السياسي
والذي يمكن أن يؤكد مقولة أن الحركات الإسلامية مجبولة على العنف ومعاداة
الديمقراطية وتهديد الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي.
إن هناك استراتيجيات ديمقراطية بناءة يمكن تطبيقها وإن قوة المنظمات
والأحزاب الإسلامية تعود إلى حقيقة أنها تمثل الصوت الحقيقي الوحيد والدافع
للمعارضة لأنظمة سياسية مغلقة نسبياً، والقوة الانتخابية لحزب النهضة التونسي
والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر وحركة الإخوان المسلمين في الأردن ليست
نابعة فقط من نقطة ارتكاز قوية من الأتباع المخلصين الذين وقفوا مؤيدين لطروحات
الجماعات الإسلامية، ولكن أيضاً من الكثيرين الذين أرادوا أن يعبروا بأصواتهم عن
عدم رضائهم عن النظام، إن فتح أبواب النظام السياسي على مصراعيه من شأنه أن يشجع
المنافسة بين القوى السياسية المختلفة وأن يؤدي بالتالي إلى إضعاف هيمنة الأحزاب
الإسلامية على الأصوات المعارضة للأنظمة «يجب أن نتذكر أن عضوية المنظمات
الإسلامية لا تشكل عموماً غالبية السكان».
وأخيراً فإن حقائق وجود أسواق سياسية مفتوحة، ووجود تنافس في الأصوات،
والفوز بالسلطة، والحكم من خلال مصالح متنوعة ومختلفة، من شأنه أن يدفع الإسلاميين
إلى تبني أو توسيع الإطار الأيديولوجي لبرامجهم السياسية.
إن على الولايات المتحدة من حيث المبدأ ألا تعارض مشاركة الإسلاميين
في السلطة في حالة ما تم انتخابهم، والسياسيون من ذوي الاتجاهات الإسلامية
والمنظمات الإسلامية يجب أن يتم تقييمهم بنفس المعايير التي يقيم بها القادة
الآخرون والأحزاب الأخرى، ورغم أن بعضهم رافضون للغرب فإن معظمهم سيصبحون منتقدين
وأكثر قدرة على الاختيار في علاقاتهم مع الولايات المتحدة، وسيعملون عموماً في
إطار المصلحة الوطنية ويبدون مرونة تعكس تفهمهم للأوضاع الوطنية المتداخلة
والمتشابكة، وعلى الولايات المتحدة أن تؤكد بالقول والعمل إيمانها بأن حق تقرير
المصير والمشاركة في السلطة السياسية تشمل الدول والمجتمعات ذات التوجهات
الإسلامية، إذا كان ذلك يعكس الإرادة والرغبة الشعبية ولا يمثل تهديداً مباشراً
لمصالح الولايات المتحدة، وعلى السياسة الأمريكية أن تقبل بالاختلافات
الأيديولوجية بين الغرب والإسلام إلى أبعد مدى ممكن، أو على الأقل أن تتحمل تلك
الاختلافات وعلى الجميع أن يعلموا بأن التحول الديمقراطي في العالم الإسلامي يتطور
من خلال التجربة، وأنه بالتالي يتضمن النجاح والإخفاق، إن تحول الأنظمة الملكية
الإقطاعية الغربية إلى أنظمة ديمقراطية أخذ كثيراً من الوقت والمحاولات والأخطاء،
وصاحب تلك العملية تحول ثوري فكري وسياسي هز الدولة والكنيسة معاً، لقد كانت عملية
تحول طويلة بين مختلف الآراء والتوجهات والأفكار المتصارعة والمصالح المتضاربة.
واليوم نشهد تحولاً تاريخياً في العالم الإسلامي فهناك مخاطر محسوبة،
إذ لا توجد ديمقراطية خالية من المخاطر، وأولئك الذين يخشون من المجهول ولا يعرفون
كيف ستتصرف جماعات إسلامية بعينها عندما تصل إلى سدة الحكم ربما يكون لديهم أسباب
مشروعة تدفعهم إلى التفكير بتلك الطريقة، وهكذا إذا أبدى أحدنا قلقه وتخوفه من
قيام هذه الحركات بقمع المعارضين وعدم التسامح، ورفض التعددية، وانتهاك حقوق
الإنسان، ويجب أن ينطبق نفس التخوف على محنة أولئك الإسلاميين الذين أبدوا رغبة في
المشاركة السياسية في تونس ومصر والجزائر.
إن الحكومات في الدول الإسلامية والتي تتبنى عملية التحول السياسي
الليبرالي والديمقراطي تواجه تحدياً لتطوير المجتمع المدني والمؤسسات والقيم
والثقافة التي تمثل الأساس لمشاركة سياسية حقيقية والحركات الإسلامية هي الأخرى
تواجه تحدياً للتحرك من وراء الشعارات إلى مرحلة التطبيق وعليها أن تنتقد
ممارساتها وأن تعلن بصراحة ليس فقط ضد انتهاكات النظام الحاكم، ولكن أيضاً ضد تلك
الأنظمة الإسلامية في إيران والسودان مثلاً إضافة إلى الممارسات الإرهابية
للمتطرفين وهي المطالبة بسرعة لتقديم النموذج الإسلامي والسياسة التي تستوعب معارضيها
والأقليات وتقبل مبادئ التعددية والمشاركة السياسية التي يطالبون بها الآن
لأنفسهم.
إن الصحوة الإسلامية سارت على النقيض من عدد من المسلمات الموجودة في
العلمانية الليبرالية الغربية ونظريتها للتطور ومن بينها الاعتقاد بأن الحداثة
تعني التطور العلماني للمجتمع على الطريقة الغربية ودائماً ما كانت التحليلات
وصناعة القرارات السياسية التي تصاغ من قبل الليبرالية العلمانية تفشل في إدراك
تلك الحقيقة وتعتبر أنها تمثل وجهة النظر العالمية، وليس النموذج المثالي للمجتمع
العصري، ومثل هذه النظرة يمكن أن تنزلق وتتحول إلى Secularist Fundamentalism، أصولية علمانية تعامل الأفكار المعارضة
والبديلة باعتبارها أفكاراً هدامة وإرهابية متقلبة.
إن النظرة إلى الأصولية الإسلامية كخطر عالمي قد قوت النزعة الغربية
التي تنادي بمساواة العنف بالإسلام، وفشلت في التمييز بين الاستغلال غير المشروع
للدين من قبل الأفراد وبين العقيدة وممارسة الأغلبية للشعائر الإسلامية في العالم
الإسلامي والذين كغيرهم من أتباع العقائد الأخرى يرغبون في العيش بسلام إن
المساواة بين الإسلام والأصولية الإسلامية بدون تقييم انتقادي بالتطرف تعتبر حكماً
صادراً ضد الإسلام فقط من أولئك الذين ينتهجون أسلوباً تخريبياً مدمراً وهو أسلوب
لم يطبقوه على اليهودية والمسيحية والخطورة تكمن في أن التصرفات العدوانية
والشريرة قد تلصق بالإسلام عوضاً عن إلصاقها بأفكار محرفة ومشوهة عن الإسلام،
وهكذا وبالرغم من سجل الدول الغربية والمسيحية في إعلان الحرب، وتطوير أسلحة
الدمار الشامل وفرض مخططاتهم الإمبريالية، فإن الإسلام والثقافة الإسلامية يتم
تصويرهما بطريقة شاذة وبأنها ذات نزعة توسعية وذات رغبة في العنف وإعلان الحرب.
وهناك دروس يجب الاستفادة منها من عبر الماضي حيث أعمى الخوف من الخطر
السوفيتي بصيرة الولايات المتحدة عن حقيقة التنوع الموجود داخل الكتلة السوفيتية
وجعلها تندفع مؤيدة، وبدون تقدير لخطواتها لتلك الدكتاتوريات «غير الشيوعية» وساعد
«العالم الحر» على تجاوز قمع المعارضة الشرعية والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان
بواسطة تلك الحكومات التي اعتبرت معارضيها شيوعيين أو اشتراكيين والخطر اليوم هو
أن تلك المخاطر المبالغ في تضخيمها سوف تقود إلى ازدواج في المواقف عند تطوير
الديمقراطية وممارسات حقوق الإنسان في العالم الإسلامي وذلك من خلال ممارسات
واهتمامات الغرب في تأييده للديمقراطية في الاتحاد السوفيتي سابقاً وشرق أوروبا
مقارنة مع الصمت أو الاستجابة السلبية إزاء تطوير الديمقراطية في الشرق الأوسط
والدفاع عن مسلمي البوسنة والهرسك إن تأييد الديمقراطية وحقوق الإنسان يكون ذا
جدوى إذا احتفظ بمعيار واحد في كل أنحاء العالم ومعاملة التجربة الإسلامية كحالة
استثنائية هي دعوة الصراع ومواجهة طويلة الأمد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل