العنوان الصهيونية المسيحية هي التي صنعت الصهيونية اليهودية و«إسرائيل»
الكاتب محمد رشاد خليل
تاريخ النشر السبت 01-مارس-2003
مشاهدات 48
نشر في العدد 1540
نشر في الصفحة 42
السبت 01-مارس-2003
محمد رشاد خلیل (*)
(*) رئيس الجمعية الإسلامية الأمريكية سابقًا، تكساس.
تكلمنا في مقالات سابقة (المجتمع ١٥١٦- ۱۹۱۹) عن الوثنية الصهيونية المسيحية ونشأتها وعقيدتها وتحالفها مع الصهيونية اليهودية، وعن خطرها على الإسلام والمسلمين وعلى أمريكا نفسها وعلى العالم، وفي هذا المقال نريد أن نبين أن الصهيونية المسيحية لم تتحالف فقط مع الصهيونية اليهودية، وإنما هي التي أنشاتها، ودفعتها في طريقها، واحتضنتها حتى أقامت بواسطتها دولة إسرائيل التي تعتبر شرطًا لمجيء المسيح حسب الخرافة التي صنعتها وصدقتها وجعلت منها عربتها المدرعة التي تحمل القنابل الذرية الأمريكية التي سوف تدمر العالم تمهيدًا لمجيء المسيح، ليرفع المؤمنين به معه إلى السماء، تاركًا بقية البشر لمصيرهم النووي المحتوم.
أقول هذا وأنا أعلم أن ذلك القول سوف يقابل من كثیرین باندهاش شدید، بل وربما برفض واستنكار شديدين، وذلك لأن هذا القول يصادم المقولة المستقرة التي ترى أن الصهيونية اليهودية هي التي صنعت الصهيونية المسيحية، وأنها هي التي تتحكم في الغرب المسيحي وتسخره لخدمة أهدافها.
ولأن الموضوع شديد الحساسية فلندع الباحثة الأمريكية جريس هالسل Grace Halse وهي للعلم مسيحية أمريكية متدينة - تبين لنا بالوثائق التاريخية حقيقة هذا الأمر، تلك الوثائق التي عرضت لها في كتابها: النبوة والسياسة :Prophecy and politics تحت عنوان: استكشاف الصهيونية غير اليهودية:
.Exploring P.131 /142 Non - Jewish Zionism
تبدأ جريس بحث هذا الموضوع بتقرير عدة حقائق على أكبر درجة من الأهمية وهي: أولًا: أنه قد وجد في الماضي كما يوجد اليوم يهود شديدو التدين يشيرون إلى أنفسهم على أنهم صهيونيون، كما وجد في الماضي ويوجد اليوم يهود علمانيون لا يؤمنون بالإله.
ثانيًا: أن تيودور هرتزل الذي دعا إلى أول مؤتمر يهودي عام ١٨٩٧م. والذي أطلق عليه اسم المؤتمر الصهيوني الأول، وقد عقد المؤتمر في نفس القاعة التي عقد فيها المؤتمر الصهيوني المسيحي عام ١٩٨٥م، هرتزل هذا كان يهوديًا علمانيًا، ولم يكن متدينًا، ومثله أيضًا ديفيد بن جوريون.
ثالثًا: أن غالبية اليهود الإسرائيليين اليوم لا يؤمنون بالإله وهم يعلنون أنهم علمانيون يهود، وفي تقرير نيوزويك ۳۰ نوفمبر ١٩٨٥م جاء أن 54% من الإسرائيليين يعتبرون أنفسهم علمانيون، كما أن مصدرًا آخر قد رفع هذه النسبة إلي ما بين 60% و65%
رابعًا: مع أن هرتزل يعتبر أبًا الصهيونية السياسية إلا أنه لم ينشئ حركة تشجع على هجرة اليهود إلى فلسطين، بل إن الذي دعا إلى ذلك هم المسيحيون البروتستانت الإنجليز قبل هرتزل بثلاثة قرون.
إذن فإن العمل على إنشاء «دولة إسرائيل» لم يبدأ مع هرتزل بل ولم يبدأ به اليهود، وإنما بدأ به البروتستانت، فما الدافع.
جذور التحرك البروتستانتي نحو الصهيونية
قرار الكنيسة الكاثوليكية حول تفسير نصوص «البايبل»
ترجع جريس هذا التحرك البروتستانتي إلى جذور تبدأ مع قرار الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تسيطر على كل أوروبا حول تفسير «البايبل» أي العهد القديم الخاص باليهود والعهد الجديد الخاص بالمسيحيين، فقد ذهب أوغسطين وآخرون إلى القول إن بعض نصوص البايبل يجب أن تفسر تفسيرًا مجازيًا وليس حرفيًا، ومن ذلك على سبيل المثال تفسير أورشليم، وصهيون لا على أنها أماكن يسكنها اليهود، وإنما على أنها أماكن في السماء لا في الأرض وبهذا فتحت الكنيسة الكاثوليكية باب التأويل لنصوص البايبل، وهو الباب الذي دخل منه مارتن لوثر مؤسس البروتستانتية لتبديل الدين الذي عرفته الكنيسة الكاثوليكية بصرف النظر عن صحة هذا الدين وفساده.. والإتيان بدين جديد بل بأدیان جديدة، والتي منها الصهيونية المسيحية، والتي نعرفها اليوم في أخطر صورها وأشدها تطرفًا وهي الصهيونية المسيحية النووية التي تبشر بتدمير العالم من خلال حرب نووية نسأل الله أن يقي العالم شرها.
الصهيونية المسيحية والتفسير المجازي للبايبل
وكما كان التفسير المجازي هو الباب الذي حاولت من خلاله الفرق الضالة أو الباطنية تبديل الإسلام، فكذلك كان التأويل المجازي للبايبل هو الباب الذي دخلت منه الصهيونية المسيحية وغيرها من الفرق الجديدة في تاريخ المسيحية مع الأخذ بعين الاعتبار الفارق الكبير بين القرآن المنزل والبايبل المصنوع في معظمه من وضع الأحبار والرهبان، ولذا فإن التبديل الجديد للبايبل هو في حقيقته تبديل للتبديل وليس تبديلًا للأصل الصحيح الذي جاءت به رسل بني إسرائيل عليهم السلام.
تقول جريس إنه في القرنين السادس عشر والسابع عشر بدأ المسيحيون للمرة الأولى يشترون البايبل ويفسرونه لأنفسهم، ومن خلال عملهم ذلك جاء الإعلاء من قدر مبدأ إسرائيل واليهود كمفتاح لتفسير نبوءات البايبل.
وقليل من العلماء هم الذين تبين لهم لماذا بدأ المسيحيون يؤيدون فجأة فكرة هجرة اليهود إلى فلسطين، تلك الفكرة التي لم يكن لها وجود فيها لعقيدة المسيحية الأرثوذوكسية، أو لماذا بدأ البروتستانت يكتبون كتبًا عن نبوءات البايبل والتي تعطي اليهود الذين يعتبرون في التراث المسيحي أعداء للكنيسة -موقفًا مختلفًا في العقيدة المسيحيةظ
لقد حدث ذلك التحول بعد عهد الإصلاح الكنسي حيث أصبح المسيحيون الأوروبيون أكثر اهتمامًا باليهود، كما أن موقفهم من اليهود قد تغير، ويرىبعض العلماء أن ذلك التحول في موقف المسيحيين من اليهود قد حدث بسبب نمو الاتجاه نحو القانون الدولي الأوروبي الذي أدى إلى تسامح كبير، وبعض العلماء يرى أن ذلك بسبب تزايد الدور الذي يلعبه اليهود في مجال الاقتصاد العالمي، ويرى آخرون أن اهتمامات عصر النهضة بالدراسات العبرية والإصلاح الكهنوتي مع التأكيد على العهد القديم من البايبل قد ركز الانتباه على اليهود والفرق اليهودية، أو على الفرق التي لها تأثير يهودي قوي والتي تجمعت من خلال الكنائس البروتستانتية الإنجليزية.
بعض العلماء يتصور حركة الإصلاح المسيحي على أنها حركة إحياء عبرانية أو يهودية بالإضافة إلى تقبل البروتستانت للاعتقاد اليهودي في انتظار المسيح، والألفية التي ترتبط به والتي تقول إن المسيح حين يأتي سوف يحكم الأرض ويحل فيها السلام مدة ألف عام.
ولقد تقبل البروتستانت خلال حركة الإصلاح «البايبل» كسلطة عليا للاعتقاد والعمل بدلًا من سلطة الكنيسة ذات العصمة كما تتمثل في بابا روما لقد تقبل البروتستانت البايبل كمصدر معصوم، ذلك البايبل الذي ترجم اليوم إلى اللغات المستعملة وبذلك تحول البروتستانت إلى العهد القديم أو إلى البايبل العبري يتعرفون من خلاله على التاريخ والقصص والأعراف، والقوانين الخاصة بالعبرانيين، وأرض فلسطين، لقد أصبحوا يتلون العهد القديم ويحفظون نصوصًا منه عن ظهر قلب، ومن هنا بدأ بعض البروتستانت يفكرون في فلسطين باعتبارها أرض اليهود.
لقد رجع البروتستانت إلى العهد القديم لا باعتباره فقط أدبهم المفضل، ولكن أيضًا باعتباره المصدر الوحيد لمعلوماتهم التاريخية، وأدى ذلك إلى تقليص كل تاريخ فلسطين قبل المسيحية في الفترات التي وجد فيها الحضور العبري فقط.
لقد أدى ذلك إلى أن عددًا كبيرًا من المسيحيين أصبحوا يعتقدون أنه لا شيء قد حدث في تاريخ فلسطين القديم سوى هذه الحوادث الغامضة، نصف المختفية في أساطير مظلمة، وفي الحوادث التاريخية المتناثرة والمسجلة في العهد القديم.
إن محبي البايبل المسيحيين أصبحوا يعتبرون العهد القديم التاريخ الوحيد المهم في الشرق الأوسط.
بدايات الصهيونية المسيحية
ظهرت بدايات الصهيونية المسيحية في منتصف القرن السادس عشر، حيث بدأ بعض البروتستانت يكتبون بحوثًا يعلنون فيها أن جميع اليهود فيأوروبا يجب أن يغادروها إلى فلسطين، فقد أعلن أوليفر كرومويل Oliver Cromwell باعتباره اللورد الحامي لكومنولث البيوريتان الذي كان قد تأسس حديثًا أن وجود اليهود في فلسطين سوف يكون مقدمة للمجيء الثاني للمسيح.
وفي عام ١٦٥٥م، زعم البروتستانتي الألماني بول فيلنهوفر -Poul Felegn houever أن اليهود في المجيء الثاني للمسيح سوف يعترفون به على أنه مسيحهم، وعلامة ذلك - كما كتب في مقاله: اخبار سارة بالنسبة لإسرائيل - عودة اليهود للإقامة الدائمة في البلد التي منحها الإله لهم من خلال وعد لا يتخلف لإبراهيم وإسحاق ويعقوب.
وفي عام ١٨٣٩م. ألح لورد أنتوني أشلي كوبر: Anthony Ashley Cooper على جميع اليهود كي يهاجروا إلى فلسطين، وفي مقال له تحت عنوان «دولة اليهود المنتظرة» عبر عن اهتمامه بالجنس العبري، لكنه عارض فكرة تحرير اليهود عن طريق الذوبان في المجتمعات الأخرى وذلك لأن اليهود سوف يبقون أغرابًا في جميع البلاد التي يسكنها غير اليهود، ويرى كورد شافتسبري أن اليهود يلعبون دورًا قطبيًا في العودة الثانية للمسيح، وفي تفسيره للبايبل قال: إن المجيء الثاني للمسيح سوف يحدث فقط عندما يصبح اليهود مقيمين في دولة إسرائيل، وقد جعل لورد شافتسبري واجبه أن يقنع زملاءه الإنجليز بأنه مع اقتناعه بأن اليهود هم قوم عنيدون قلوبهم سوداء ومنحطون أخلاقيًا إلى الدرك الأسفل. وجاهلون بالإنجيل - إلا أنهم على كل حال عامل مهم جدًا لخلاص المسيحيين.
الصهيونية المسيحية وفلسطين
مما سبق يتبين لنا أن «فلسطين هي أرض اليهود بحكم الوعد الإلهي» ليست مقولة الصهيونية اليهودية، بل إنها في الأساس مقولة الصهيونية المسيحية، والتي أصبحت أكثر إيمانًا بالعهد بالقديم الخاص باليهود من اليهود أنفسهم، فالثورة على الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا لم تكن فقط ثورة على سلطة الكنيسة الكاثوليكية ممثلة في البابا والسلطة البابوية، وإنما أصبحت دينًا جديدًا صنعت عقيدته من التفسير الشخصي للعهد القديم بصورة أعطت قصص هذا العهد وأساطيره ونبوءاته تفسيرات لم تخطر على أذهان اليهود أنفسهم، وإن أصبحت من بعد الأساس الذي قامت عليه الصهيونية اليهودية وذلك رغم مخالفة ذلك للاعتقاد الأرثوذكسي لليهود.
إن مقولة: فلسطين هي بلد بلا شعب لشعب بلا أرض هي من اختراع الصهيونية المسيحية والذي صك هذا الاصطلاح هو لورد شافتسبري، والذي تقول عنه جريس هالسل: إن اللورد الإنجليزي لم يكلف نفسه مشقة البحث عماإذا كان هناك فلسطينيون في فلسطين والذين كانوا بالفعل موجودين في فلسطين، كما أنه لم يكن يعنيه أن أهل فلسطين وأرضهم ليسوا ملكًا خاصًا له يمنحه لمن يشاء.
لقد أخذت الصهيونية اليهودية بعد ذلك مصطلح اللورد الإنجليزي وصاغته على النحو الآتي: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».
خطة إنشاء إسرائيل
ولم يقف جهد شافتسبري عند حد الدعوة والتحريض، بل إنه سعى إلى تنفيذ فكرته على أرض الواقع واستطاع أن يقنع زوج أمه السابق لورد بالمرستون، والذي كان وزيرًا للخارجية البريطانية - بافتتاح قنصلية بريطانية في القدس، وتعيين الإيفنجلست المتعصب وليم يونج W.Yong أول نائب قنصل بريطاني في المدينة عام ١٨٣٩م.
إعلان الحماية البريطانية لليهود في فلسطين
وفي ظروف ضعف الخلافة العثمانية، أعلن وزير الخارجية البريطاني الحماية لليهود في فلسطين، والتي كانت في ذلك الوقت جزءًا من دولة الخلافة العثمانية، وفي ذلك الوقت لم يكن عدد اليهود في فلسطين يزيد على ٩,٦٩٠ يهوديًا، وهذا العدد يشمل اليهود الأصليين منهم والأجانب.
وطبقًا لنصوص اتفاقية الحماية، فإن الحماية كانت تشمل اليهود الأجانب فقط أما اليهود الأصليون فقد كانوا لا يزالون خاضعين لسلطة الدولة العثمانية، وعلى أي حال، فإن نائب القنصل البريطاني من أجل أن يجعل العبرانيين في فلسطين يحمدون للحكومة البريطانية عطفها عليهم، فإنه قد وسع نطاق الحماية ليشمل اليهود الأصليين، ولم يكن حق بريطانيا في حماية اليهود في فلسطين بأكثر من حق فرنسا أو أسبانيا في حماية الكاثوليك، إن ما فعلته بريطانيا لم يكن فقط تدخلًا في شؤون بلد أجنبي، وإنما كان أيضًا وضعًا لحجر الأساس للصهيونية اليهودية، إن ذلك قد أرسى قواعد القومية اليهودية التي تشمل كل يهود العالم.
مخطط توطين اليهود
لم تقف جهود بريطانيا عند هذا الحد، وإنما بدأت في وضع الخطط لتوطين اليهود في فلسطين، ففي عام ١٨٤١م كتب تشارلز هنري تشرشل Charles Henry Churchill والذي كان يعمل في الشرق الأوسط - إلى موسى مونتيفيور Moses Montefiore رئيس المجلس اليهودي في لندن: إنني لا استطيع أن أخفي عنك رغبتي الملحة في أن أرى قومك يبذلون جهدهم لكي يعيشوا كبشر، إن ذلك أمر من الممكن تحقيقه، لكن ذلك يتوقف على تحقيق شرطين ضروريين:
أولهما: أن على اليهود أنفسهم أن يقوموا بهذا الأمر بصورة عالمية وجماعية.
ثانيهما: أن القوى الأوروبية يجب أن تقوم بمساعدتهم لتحقيق هذا الأمر.
وفي عام ١٨٤٥م، وضع إدوارد ميتفورد Edward Mitford في مكتب المستعمرات في لندن خطة لتوطين الشعب اليهودي في فلسطين تحت حماية بريطانيا العظمى ثم قال إنه بمجرد إعلان الحماية فإن اليهود يستطيعون أن يديروا شؤونهم بأنفسهم.
أهداف إقامة الدولة اليهودية في سياسة بريطانيا
على أنه من المهم أن نعرف أن هدف السياسة البريطانية في ذلك الوقت لم يكن إنشاء دولة لليهود في فلسطين لتحقيق حلم الصهيونية المسيحية، وإنما كان أيضًا -وربما الأهم - من أجل تمكين بريطانيا من إحكام قبضتها على فلسطين والعالم العربي والإسلامي، أو كما قال ميتفورد إنها سوف تضعنا في موقع قيادي متحكم في الشرق نستطيع منه متابعة خطة استلاب هذا العالم وردع الأعداء، وصد عدوانهم إذا حدث.
يهود أوروبا لم يكونوا يرغبون في الهجرة: ومما يؤكد على أن الدور الأساسي في تهجير اليهود وإقامة دولة إسرائيل هو دور الصهيونية المسيحية أن يهود أوروبا لم يكونوا راغبين في الهجرة إلى فلسطين، وأن الصهيونية ظلت مسيحية صرفة، تقول الباحثة جريس إنه ولمدة ١٥٠ عامًا كان المسيحيون - البريطانيون بصفة أساسية ومعهم أخرون في أجزاء أخرى وفي مرحلة تالية إلى درجة لافتة للنظر في أمريكا - هم وحدهم دعاة الصهيونية وأصحابها، لقد عمل البروتستانت بإصرار من جانبهم على أن تكون فلسطين لليهود، وعلى تحريض اليهود على أن يذهبوا إلى هناك وأن يعيشوا منفصلين عن الجنتايل «أي غير اليهود» لمدة قرن ونصف القرن لم يستطع القادة المسيحيون للغرب الإمبريالي كسب تأييد اليهود من أجل الصهيونية غير اليهودية.
الدوافع السياسية لحركة الصهيونية المسيحية
تقول جريس: إن المسيحيين الذين كانوا في مقدمة الحركة الصهيونية المسيحية كانوا بدون استثناء متدينين تابعين للكنيسة البروتستانتية، لكن مصطلح المسيحية الصهيونية أو الجنتايل الصهاينة قد يساء فهمه، إذ يظن أن معناه هو أن الصهيونية كانت تتحرك بوحي من البايبل، ذلك أنه كان وراء الحماء الديني - كما كتبت ريجنا شریف Regina Sharif في بحثها: الصهيونية غير اليهودية: إن الصهيونية المسيحية كانت لها دوافع سياسية، وأن هذه الدوافع - كما تؤكد - كانت منذ البداية أكثر أهمية من دافع المعتقد الديني.
اعتراف الصهاينة اليهود بفضل الصهيونية المسيحية
وتعقب جريس على ذلك قائلة إنه أيًا كانت دوافع الإصلاحيين البروتستانت من وراء تبني الفكرة البريطانية الأوروبية الخاصة بتحرير جميع اليهود، فإن الصهيونية اليهودية تعترف بالفضل لهؤلاء في تمكين الصهيونية اليهودية الحديثة من تحقيق هدفها. وتقول جريس: إن السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة تحدث في ٦ فبراير «۱۹۸٥م مخاطبًا المسيحيين الصيهونيين في اجتماع «للصلاة من أجل إسرائيل»: لقد كان هناك حلم قديم في تراثنا اليهودي بعودة اليهود إلى أرض إسرائيل. هذا الحلم ظل كامنًا لمدة ألفي عام حتى جاء البريطانيون كتابًا وقساوسة وصحفيين وفنانين ورجال دولة، جميعهم قد عملوا بحماس بالغ من أجل عودة اليهود إلى وطنهم المهجور.
ويستمر في حديثه المشحون بالغطرسة قائلًا: إن كتابات الصهيونيين المسيحيين البريطانيين والأمريكان قد أثرت تأثيرًا مباشرًا على القيادات الأساسية من أمثال: «رئيس وزراء بريطانيا» لويد جورج، ووزير خارجيتها أرثر بلفور، و «الرئيس الأمريكي الأسبق» وودرو ولسن في بداية هذا القرن.. لقد كان هناك رجال متضلعون في معرفة البايبل، لقد كان هناك رجال لديهم خيال ملتهب يحلم العودة، إن جميع هؤلاء الرجال هم الذين كان لهم دورهم الحاسم في وضع الأساس السياسي على المستوى العالمي لإقامة الدولة اليهودية، لقد كان ذلك بسبب تأثير الصهيونية المسيحية على رجال الدولة في الغرب، إن ذلك التأثير هو الذي مكن الصهيونية اليهودية المعاصرة من تحقيق هدف إعادة ولادة إسرائيل.
إن الحس التاريخي، والحس الشعري والحس الأخلاقي امتلأ به الصهيونيون المسيحيون الذين بدؤوا منذ أكثر من قرن يكتبون ويخططون وينظمون من أجل إقامة دولة إسرائيل، لذا فإن الذين تتملكهم الحيرة بإزاء ما يرونه من التأييد المسيحي لإسرائيل إنما يكشفون عن جهلهم... إننا نعلم تاريخ هذا التعاون والذي عمل بكفاءة من أجل تحقيق حلم الصهيونية....
أنقل هذه السطور المنتشية بالغطرسة وقلبي يعتصره الألم حين أقارن بين جهود الصهيونية المسيحية التي استمرت قرونًا في نشاط لا يلحقه ملل، وإصرار لا يصيبه فتور من أجل صناعة الصهيونية اليهودية وإقامة إسرائيل، في محاولة لتحقيق نبوءة كاذبة وتحقيقًا لأحلام استعمارية ظالمة، ثم اقارن جهود جمهور حكام محسوبين على المسلمين، وعلماء محسوبين على الإسلام عملت طول قرن على هد ما بناه الإسلام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل