; الصومال - الأزمة الصومالية في عامها التاسع - 3 أسباب الاستمرار المشكلة.. وتصور جديد للحل | مجلة المجتمع

العنوان الصومال - الأزمة الصومالية في عامها التاسع - 3 أسباب الاستمرار المشكلة.. وتصور جديد للحل

الكاتب إبراهيم الدسوقي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1999

مشاهدات 66

نشر في العدد 1338

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 16-فبراير-1999

لا شَكَّ في أن الصومال يمر بمرحلة بالغة الخطورة، وفي غاية التعقيد، فعلي الرغم من مرور ثماني سنوات على انهيار الحكومة المركزية، وزوال هياكل الدولة ومؤسساتها المختلفة وانزلاق البلاد إلى مستنقع الحروب الأهلية والتناحر القبلي البغيض، وما صاحب ذلك من انتشار الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار وظهور مليشيات همجية مدججة بالسلاح تروع الأمنين، وإزهاق الأرواح ونهب الأموال وهتك الأعراض وأعمال السطو والقرصنة، الأمر الذي أودى بحياة مئات الآلاف من المواطنين وتسبب في نزوح وهجرة أكثر من مليون ونصف مليون مواطن إلى الدول المجاورة وإلى جميع أصقاع العالم، بالرغم من ذلك كله، فإن الأزمة الصومالية تراوح مكانها بل تتدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد بشكل ينذر بخطر داهم.

ويمضي حوالي عقد من الزمان والشعب الصومالي يعيش هملاً كالشاة الشاردة في الليلة الظلماء وسط الذئاب الجائعة بلا حكومة ترعى شؤونه وتسهر على راحته وأمنه، وتؤمن له أساسيات الحياة اللائقة بالإنسان أو الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم، فالخدمات الصحية مشلولة، وعليه فإن الأمراض والأوبئة الفتاكة تحصد الأرواح حصداً، وقطار التعليم شبه متوقف وفرص العمل معدومة سوى بعض الأعمال الحرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، والكوارث الطبيعية تتعاقب عليه من قحط وجفاف تارة وسيول وفيضانات تارة أخرى، الأمر الذي جعل حياة غالبية الشعب الصومالي مراً لا يذاق وجحيما لا يطاق.

فشل جهود المصالحة.. الأسباب

هرعت جهات محلية وإقليمية ودولية فور انفجار البركان لتصب الماء على هذا الحريق وشرعت في بذل المساعي الحميدة وإحلال السلام والمصالحة بين الأطراف المتصارعة والجبهات المتناحرة، وتشكل العديد من اللجان المكونة من العلماء والوجهاء والأعيان في جميع بؤر التوتر والاضطرابات لإنهاء الاقتتال ووضع حدٍّ لإراقة الدماء وإيقاف آلة الهدم والتخريب، ولا شك في أن هذه الجهود المخلصة انت ثماراً طيبة ونجحت في احتواء لهيب الحرب في كثير من المحافظات والولايات، إلا أن هذه الجهود المحلية لم ترتق إلى مستوى المصالحة السياسية والوفاق بين زعماء الفصائل المتناحرة والمتصارعة على خلافة زياد بري.

وإلى جانب هذه الجهود المحلية التي تعتبر بمثابة الإسعافات الأولية والتي تعتمد على منهجية خاصة تقوم على بناء المصالحة من القاعدة ونزع ستيل الحرب بين القبائل المتجاورة بالإضافة إلى فض النزاعات التي كثيراً ما تنشب داخل القبيلة الواحدة وبطونها وأفخاذها المختلفة إلى جانب ذلك عقدت العشرات من اللقاءات والمؤتمرات التي ضمت زعماء أجنحة الصراع، وبارونات الحرب ورؤساء الفصائل المتناحرة تحت سقف واحد وحول طاولة واحدة تحت إشراف الأمم المتحدة أو منظمة الوحدة الإفريقية أو المنظمة الحكومية للتنمية ومكافحة التصحر الإيجاد التي تضم في عضويتها دول إفريقيا الشرقية أو تحت إشراف بعض دول الجوار أو الدول العربية الشقيقة.

 وفي كل مؤتمر أو لقاء كان زعماء الفصائل المتناحرة يتوصلون إلى اتفاق ويوقعون وسط أجواء حافلة بالحماس على اتفاقات ومعاهدات تنص على إنهاء الاحتراب وتحقيق مصالحة شاملة، وتؤدي إلى تشكل حكومة الوحدة الوطنية المنشورة، بيد أن بارونات الحرب دأبوا على نقض العهود والمواثيق وخرق الاتفاقات التي وقعوا عليها ويمكن إرجاع أسباب الفشل والإخفاق الذي منيت به مبادرات السلام والمصالحة الإقليمية والدولية إلى عوامل ثلاثة رئيسة هي كالتالي:

1- حصر جهود المصالحة في دائرة الجبهات المسلحة والفصائل المتناحرة التي لم يلتزم يوماً زعماؤها بالاتفاقات والمعاهدات التي أبرموها ووقعوا عليها بل دأبوا على خرقها والتنصل من تنفيذ التزاماتهم الواردة فيها قبل أن يجف مدادها. وذلك لأن الكثير من هؤلاء يطمح إلى احتلال منصب رئيس البلاد، ولا يقتنع بأقل من ذلك، وهم دوماً على أهبة الاستعداد لنسف عملية المصالحة برمتها إذا ما شعر أحدهم أن الأمور تتجه لغير صالحه ولا تتماشى مع طموحاته السياسية ولا تحقق له أطماعه الشخصية والفئوية.

 ويعتبر هذا عاملاً رئيساً في إفشال عمليات المصالحة حتى أصيب المجتمع الدولي بخيبة أمل مريرة، وهناك قناعة عامة لدى الجهات الدولية والإقليمية المعنية بأن زعماء الفصائل الصومالية المتناحرة غير قادرين على التوصل إلى أي اتفاق بل أنهم اتفقوا على ألا يتفقوا الأمر الذي أفضى إلى طرح ما يسمى بالتصور الجديد حيال عملية المصالحة في الصومال والداعية إلى كسر احتكار قادة الفصائل المتناحرة لعملية المصالحة، وضرورة إعطاء دور أكبر للفاعليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الأخرى وإفساح المجال أمام فاعليات المجتمع المدني وزعماء العشائر بالإضافة إلى تشجيع تشكيل إدارات إقليمية على غرار ولاية أرض الصومال أو ولاية بونت لاند أو إدارة محافظة بنادر، تذوب في نسيجها العام وتنصهر في بوتقتها الجبهات والفصائل، ويخرج من أحشائها قيادات جديدة تتمتع بفاعلية ومصداقية تؤهلها لاتخاذ قرارات شجاعة.

۲- ضبابية الرؤية لدى المجتمع الدولي تجاه القضية الصومالية وتضارب وجهات النظر بين مختلف الدول والمنظمات الإقليمية والدولية المعنية الأمر الذي أدى إلى حدوث شرخ وانقسامات حادة بينها، وظهور محاور متناقضة يسعى كل منها إلى طرح مشروع معين ومحاولة حشد تأييد له باستقطاب بعض التحالفات والتكتلات السياسية الصومالية والاصطياد في الماء العكر باستمالة عناصر موالية لها، مما أدى إلى خلط الأوراق وتفاقم الأزمة المستفحلة أصلاً، والمصير المخزي والنهاية المشيئة التي انتهت بها عملية إعادة الأمل خير شاهد على سياسة المحاور المتضاربة التيواجه بها المجتمع الدولي الأزمة الاقتصادية.

أجواء موبوءة

هذه السياسة ألقت بظلال كثيفة على عمليات المصالحة؛ إذ خلقت أجواءً موبوءة أعطت فرصة لأصحاب الأهواء والنفوس الكليلة المتكالبة على لأن لكل ساقط في السلطة للحصول على سند يعتمدون عليه، وقاعدة خلفية يتلقون منها الدعم اللازم كي تؤمن لهم الإمكانات المادية والمعنوية التي تمكنهم من عرقلة جهود المصالحة، وهكذا فالقضية تراوح مكانها برغم دخولها في. عامها التاسع الداخل لاقطاً في الخارج يحتضنه ويمده بما يلزمه من مقومات ويضخ في شرايينه دماً جديداً لنسف عمليات المصالحة إذا ما هبت الرياح بما لا تشتهيه السفن.

3- ضعف المجتمع المدني من الواضح أن المناخ السياسي الذي كان سائداً إبان النظام الشمولي السابق لم يكن مواتياً لنمو فاعليات مجتمع مدني فعال كما لم تكن أجواء الأزمة الراهنة مشجعة على ظهور تنظيمات مدنية قوية قادرة على حماية الجماهير والدفاع عنها.

وبغض النظر عن العوامل والأسباب التي أفضت إلى عدم بروز فاعليات المجتمع المدني! دني إلا أنه يمكن القول إن ذلك فسح المجال أمام الفصائل المتناحرة للاستئثار بالقضية والانفراد بعمليات المصالحة الوطنية بل وتقرير مصير البلاد، مما لعب دوراً بارزاً في إفشال جهود المصالحة، لأن تهميش قوى الخير وإبراز العناصر المسلحة أدى إلى اختلال التوازن وفشل جهود المصالحة في نهاية المطاف.

هذه أبرز الأسباب والعلل للأزمة السياسية الراهنة، ولكن ما العلاج الناجع أو المخرج من هذا النفق المظلم؟

في عالم الطب يسهل العلاج في معظم الحالات بعد معرفة أسباب الأمراض والأوجاع وتشخيص العلل والأسقام، بيد أن هناك حالات يصعب فيها العلاج أو يتعذر حتى بعد التشخيص الدقيق مثل بعض الأورام الخبيثة. 

وهناك العديد من الوصفات المقترحة لعلاج الحالة المستعصية المتمثلة بالمعضلة السياسية في الصومال، وأكثر هذه الوصفات أو الأطروحات المعروضة رواجاً في الوقت الراهن وهو ما يسمى بـ التصور الجديد للمصالحة الصومالية أو New  وهذا Approach For Somali Reconcliationالتصور الجديد يتمحور حول عدة نقاط رئيسة:

 1- العمل على تحجيم دور الجبهات المسلحة والفصائل المتناحرة، ووضع حد لهيمنة زعمائها.

 2- تشجيع مشاركة فاعليات المجتمع المدني في عمليات المصالحة، وإعطاء دور أكبر لها في تقرير مصير البلاد. 

3- دعم وتشجيع الإدارات الإقليمية التي تتمتع بنوع من الشرعية المستمدة عن طريق مؤتمرات إقليمية يشارك فيها ممثلون من كافة المحافظات والمديريات في منطقة أو ولاية معينة على أن يقوم هؤلاء بانتخاب الهياكل الرئيسة لإدارة الإقليم: مثل: رئيس إدارة الإقليم أو الولاية، ومجلس نيابي برلماني يمثل المرجعية الدستورية لإدارة الإقليم. بالإضافة إلى تصديق الميثاق الوطني الخاص بإدارة الإقليم، مع استثناء المناطق التي تفشل في استعادة الأمن والاستقرار من المساعدات الإنسانية.

٤- تقديم الدعم اللازم لكل إدارة إقليمية بغض النظر عن شكلها طالما أنها تحرز تقدماً ملموساً في استعادة الأمن والاستقرار وإقامة مؤسسات الدولة.

5- السعي إلى عقد مؤتمر عام للمصالحة الوطنية يشارك فيه ممثلون من إدارات الأقاليم المختلفة والفاعليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومختلف فاعليات المجتمع المدني، ويتم فيه تشكيل حكومة الوحدة الوطنية المنشودة، ووضع الميثاق الوطني الذي يحدد شكل الحكومة القادمة أو الجمهورية الثالثة.

وهذه الوصفة يتبناها كل من منظمة الإيجاد بزعامة إثيوبيا، ومنظمة الوحدة الإفريقية ومعظم مجموعة الدول المانحة المكونة من الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا، بالإضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وفي مرحلة لاحقة ركبت هذا القطار الذي تقوده إثيوبيا، جامعة الدول العربية واليمن.

 وهذا الخليط الغريب عقد سلسلة من اللقاءات والمؤتمرات خلال عام ۱۹۹۸م تمخضت عن تشكيل ولجنة ،Standing Committee لجنة دائمة تقصى الحقائق قامت بزيارات إلى كل من ولاية أرض الصومال، وولاية بونت لاند في شهر ديسمبر الماضي، بينما فشلت في زيارة العاصمة مقديشو الأمر الذي أدى إلى فشل مهمتها ولو إلى حين، مما يعتبر نكسة قوية وضربة في الصميم لهذا الطرح الذي لقي زخماً كبيراً في النصف الأخير من العام المنصرم.

وهناك وصفة عربية شارك في صياغتها كل من مصر وليبيا بمساعدة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بالإضافة إلى اليمن، ومن أبرز ملامح هذه الوصفة ما يلي:

١- احترام وحماية قدسية وحدة الصومال إحباط أي محاولة للنيل منها أو المساس بها.

 ٢- العمل على إزالة بؤر التوتر، وكسح الألغام أمام المصالحة الشاملة، ورأب الصدع وذلك من خلال حل الخلافات بين زعماء الفصائل، وعلى هذا الطريق كانت اتفاقية صنعاء التي جمعت بين السيد عثمان حسن علي (عاتو)، والسيد حسين محمد عيديد والتي بموجبها توصل الرجلان إلى وفاق بينهما، وكذلك اتفاقية القاهرة التي تمخضت عن مصالحة وتفاهم بين السيد علي مهدي محمد زعيم التحالف الصومالي للإنقاذ، والسيد حسين محمد عيديد زعيم التحالف الوطني الصومالي، كما يعتبر مؤتمر القاهرة الذي جمع تحت سقف واحد جميع زعماء الفصائل الصومالية التي لم تجمع منذ فشل مؤتمر نيروبي عام ١٩٩٤ م من أكبر الإنجازات في سبيل تضييق هوة الخلاف، وبرغم أن هذا المؤتمر فشل في تحقيق المصالحة المنشودة إلا أنه خلق أجواء مناسبة لتشكيل إدارة محافظة بنادر.

3- إعطاء الأولوية لحل مشكلة مقديشو العاصمة باعتبارها مفتاحاً للحل النهائي.

٤- تفادي أي عمل أو موقف من شأنه أن يؤدي إلى نشوء سوء تفاهم بين الدبلوماسية العربية وبين أي مجموعة من المجموعات الصومالية، وذلك من خلال فتح قنوات اتصال مباشرة، وتمتين العلاقات الأخوية مع جميع الأطراف الصومالية، وتبديد المخاوف والهواجس التي تساور البعض بعدم حيادية الدبلوماسية العربية أو انحيازها إلى بعض الأطراف.

زيارة سفير

وكانت الزيارة التي قام بها السفير المصري السيد محمود مصطفى إلى ولاية بونت لاند في ديسمبر الماضي تصب في هذا الإطار، أما الجماهيرية الليبية فقد قطعت شوطاً أبعد من ذلك إذ أصبحت عاصمتها موئلاً لزعماء الكيانات والفاعليات السياسية الصومالية؛ حيث تزامنت زيارة العقيد عبد الله يوسف أحمد رئيس ولاية بونت لاند مع زيارة وفد كبير برئاسة كل من حسين عيديد وعلي مهدي، وعبد القادر محمد آدم (زوبي) وعدد كبير من زعامات إدارة إقليم بنادر، وعلى الرغم من فشل الزعماء الصوماليين في عقد لقاءات بينهم أثناء تواجدهم في العاصمة الليبية إلا أن ذلك لا يمثل قاصمة الظهر الجهود المصالحة كما أن الزيارة التي قام بها كل من حسين عيديد والعقيد عبد الله يوسف احمد لمصر تعطي دفعة قوية أخرى باتجاه إيجاد أرضية مشتركة وبناء جسور الثقة بين الدول العربية والزعماء الصوماليين مما سيكون له مردوده الإيجابي على سير الجهود التصالحية والوفاق الوطني

3- الوصفة الإثيوبية تتلخص في محاولة إنعاش مجموعة سودري في ثوب جديد بعد إجراء الترميمات اللازمة والتعديلات المطلوبة واستخدام القوة العسكرية المباشرة أو غير المباشرة لتمرير هذا المشروع إذا انتهت الأمور إلى طريق مسدود. 

ولعل الوصفة العربية هي أكثر الوصفات فرصة للنجاح شريطة تأمين الدعم الإثيوبي والتقارب الأخير بين موقفي مصر وإثيوبيا إزاء القضية الصومالية قد يضمن نجاح الوصفة العربية والدولية، ولكن الطريق مازال طويلاً ومحفوفاً بالعقبات والعراقيل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 360

98

الثلاثاء 26-يوليو-1977

ماذا في السودان؟

نشر في العدد 712

97

الثلاثاء 09-أبريل-1985

لماذا السودان الآن؟