العنوان شاهد عيان يروي للمجتمع هول المأساة الصومالية: الصومال تدمرها الحرب والجوع والخوف والمرض
الكاتب عبد العزيز محمد الجبرين
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أغسطس-1992
مشاهدات 66
نشر في العدد 1010
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 04-أغسطس-1992
تحدث للمجتمع شاهد عيان عن حجم المأساة الصومالية، وعما رآه على تلك الساحة التي كانت تنعم بالاستقرار يومًا ما، وفجأة
أصبح أهالي المدن فيها والواحات والبدو يعانون الجوع والخوف والمرض والتشرد.. وقد
كان الأستاذ أحمد بن عبدالرحمن الصويان وهو أحد المتابعين باهتمام لقضايا المسلمين
ومعاناتهم في العديد من مواقع المعاناة في العالم الإسلامي حيث كان في زيارة
للصومال بغرض التفقد والدراسة لأحوالهم ومحاولة تقديم صور تساعد في رسم خطط
لإغاثتهم.
فقال واصفًا حجم تلك المأساة: «إن الشعب
الصومالي يعيش مأساة عريضة واسعة النطاق حيث تستمر الهجرة الجماعية منذ أشهر عديدة
هروبًا من رحى الحرب القبلية الدائرة هناك».
وقد قدر عدد اللاجئين الصوماليين في
الأراضي الكينية بحوالي أربعمائة ألف نسمة (400.000) وفي الإحصاءات الكينية
الرسمية الصادرة في يونية 1992 قد
بلغ عدد اللاجئين المتوقعين يوميًّا 500 لاجئ.
شعب تختزله الحرب
وقد شملت زيارة الأستاذ «الصويان» عددًا
من مواقع اللاجئين في الأراضي الكينية مثل: (مندير، وعيلواق، وبانسيا، وإيفو،
وليبوي) كما زار في الأراضي الأثيوبية مخيمي (صوفتو، ودولو) بالإضافة إلى زياراته
إلى المخيمات داخل الأراضي الصومالية نفسها مثل مدينة (خوا) مما أعطى زيارته تلك
صفة الشمولية والمسح المتكامل وشاهد خلال ذلك التطواف والتفقد ما يجل عن الوصف-كما
يقول- حيث عشرات من الأطفال يتساقطون يوميًّا بسبب الجوع وسوء التغذية.. وعشرات
النساء والعجزة أنهكهم الحزن والمرض، إذ إن كل أسرة تحمل معها صورة للمأساة.. فما إن
تصيخ بأذنك لأحد اللاجئين حتى يبدأ في سرد حكاية طويلة من العنت والأسى، حتى لقد
روى لي أحد هؤلاء أن أسرته كانت قبل شهرين عشرة أفراد والآن صاروا أربعة فحسب! إذ
نهشت تلك المأساة الستة الباقين! وطفل آخر لم يبلغ العاشرة من عمره رأيته ملقى على
الأرض ينتظر منيته، وهو يحفظ جزأين من القرآن ولم يبقَ من أفراد أسرته أحد سواه!
كل مخيم بجواره مقبرة
وذكر شاهد العيان أن الإحصاءات التي
أعدتها إحدى المنظمات الدولية بلغت فيها نسبة الوفيات 1×1000، إي أن عدد الوفيات
يوميًّا يزيد عن 40 حالة!
|
* أربعون شخصًا من كل
ألف يموتون يوميًّا و80% من النساء الحوامل يمتن أثناء الولادة |
ففي مدينة (منديرا) توفى في يوم واحد
وأثناء تواجدي فيها أكثر من ثلاثين طفلًا، ورأيت عددًا غير قليل من النساء والعجزة
والأطفال في حالة الاحتضار!
ويضيف: ومن المحزن أن 80% تقريبًا من
النساء الحوامل يمتن أثناء الولادة لعدم وجود الرعاية والعناية بهن!
ولهذا استحدث بجوار كل مخيم مقبرة جديدة
بل إننا في أكثر من موقع ذهبنا إليه كنا نواجه من الناس من يقول لنا لا نريد منكم
طعامًا ولا شرابًا، ولكن نريد منكم أكفانًا نكرم موتانا!
يلبسون بطائن الخيام
بل حتى الأحياء- كما قال الأستاذ الصويان-
لا يتوفر لكثير منهم اللباس، فالعري أصبح ظاهرة طبيعية خاصة بين الأطفال، وكم من
امرأة لا تستطيع الخروج من كوخها لأنها لا تجد ما تستتر به!
وقد رأيت في مخيم «إيفوا» وهو أحد
المخيمات القليلة التي وزعت فيها الخيام رأيتهم ينزعون البطانة الداخلية للخيام،
ويلقونها على النساء والأطفال لعدم توفر الكساء.
|
* يمشي بعض الناس
أكثر من خمسين كيلو متر بحثًا عن الماء وآخرون لا يجدون أكفانا لدفن موتاهم |
الجفاف
ويؤكد أن مما زاد الأمر سوءًا وقسوة
الجفاف الشديد الذي أصاب الأراضي الكينية خاصة، مما أدى إلى موت المئات من المواشي
والحيوانات التي كان يعتمد عليها الكثيرون- بعد الله- في معاشهم؛ مما أدى إلى هجرة
جماعية لأهالي البادية الكينية، حتى إنه وفي مخيم واحد من مخيمات هؤلاء البدو في
مدينة (وجير) الكينية توفى 20% من الأطفال تحت سن الخمس سنوات خلال شهر إبريل
1992م فقط وجميعهم مسلمون!
ومن هنا أكد الصويان على أن المياه إحدى
المشكلات الأساسية التي تعاني منها المنطقة، حيث لا تتوفر الآبار بشكل كافٍ، وعلى
سبيل المثال مدينة (وجير) الكينية يوجد بها سبع وأربعون بئرًا ارتوازية لا يعمل
منها الآن إلا سبع عشرة بئرًا فقط، حتى لقد وصل ببعض الناس الحال أن يسيروا أكثر
من خمسين كيلو مترًا بحثًا عن الماء.
وفي بعض مواقع اللاجئين رأيت الناس يصطفون
إلى منتصف النهار؛ كي يحصلوا على إناء من الماء لا يكفيهم ليوم واحد.
وانتشرت الأمراض
أما بالنسبة للحالة الصحية فقد أشار إليها
الأستاذ بقوله:
بسبب انعدام أبسط المتطلبات البشرية
انتشرت الأمراض انتشارًا سريعًا في أوساط المهاجرين في الداخل والخارج، ومن أبرز
الأمراض التي لمست انتشارها بينهم:
- أمراض سوء التغذية، حتى إنك لا ترى إلا
هياكل عظمية لا تقوى على الوقوف والحركة من شدة الإعياء.
- أمراض «نقص البروتينات» وخاصة بين الأطفال،
حتى إنك تراهم وقد انتفخت بطونهم وورمت وجوههم بشكل عجيب يتفطر له الفؤاد وقد
انتشر ذلك في مخيم (علواق).
- الأمراض الجلدية بأنواعها المختلفة حتى
إنني رأيت أشكالًا عجيبة في مخيم (بولو) الأثيوبي من تقرح الجلود وتغير الملامح
والأشباه.
- بالإضافة إلى انتشار أمراض السل والملاريا
والحصبة والإسهال.
يأكلون الجلود!
أما الأحوال في داخل الصومال فهي أشد
مرارة، حيث مارست القبائل المتناحرة دورها بكل صلف وفوضوية.. تغير وتقتل وتسلب
وتحرق الأخضر واليابس، حتى إن الرعب بلغ بالناس مبلغه فيفرون من أرض إلى أرض بحثًا
عن الأمن، وفي مدن (جلب ومركة وقربولي) بدأوا يأكلون جلود الحيوانات بعد طبخها؛
لأنهم لا يجدون سواها.
المنصرون يحتكرون
وعلى الرغم من أن اللاجئين الصوماليين في
كينيا مسلمون 100% كما يقول الأستاذ «الصويان» إلا أن المنظمات التنصيرية غزت
الساحة بصورة مذهلة فالنشرات التنصيرية بأيدي الجميع، وقد رأيت بيد أحد الأطفال
قصة مصورة باللغة الصومالية محتواها أن المسيح هو المخلص والمنقذ، ورأيت في مخيم
(وجير) منصرة بريطانية تقدم المساعدات الإغاثية للمتضررين وتساعدهم في بناء
منازلهم من القش، محاولة اختراق بيئتهم وأشاعت لنفسها اسمًا جديدًا هو عائشة.
ومن أبرز المنظمات التنصيرية العاملة في
الميدان:
1- الصليب الأحمر.
2- منظمة كير
care الكاثوليكية
البريطانية.
3- منظمة أطباء بلا حدود MSFالهولندية.
4- منظمة أوكسفام الإغاثية البريطانية.
5- منظمة العون الأمريكي.
6- منظمة الرؤيا العالمية.
7- منظمة GTZ وغيرها.
والعجيب أن هذه المنظمات تحاول احتكار
العمل والميدان، وتضيق على بعض المنظمات الإسلامية العاملة أو التي تحاول العمل،
فبالتنسيق مع منظمة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة(UNHCR) احتكرت منظمة
MSF الفرنسية
الأعمال الطبية وتحاول هذه المنظمات أن تعيق أعمال الهيئات الإسلامية وتعرقلها،
ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
فعلى الرغم من هذا الزخم التنصيري المتلبس
بلباس الإغاثة إلا أن الناس بحمد الله تعالى مازالوا يشعرون بهويتهم الإسلامية
ويفرحون فرحًا شديدًا مع رؤية الشخصية الإسلامية، ومن المواقف التي شرحت صدري في
مخيم (علواق) أن الناس اجتمعوا حولنا، ولما أردت الخروج من بينهم دفع أحد الأطفال
أخته الصغيرة قائلًا: «ابتعدي عن طريقه.. أتظنين أنه نصراني؟ إنه مسلم!» فأظهرت
استبشاري بذلك لأحد العامة، فقال لي والأسى يعصر قلبه: «لقد كنا في بادية الصومال
نسأل الله ألّا يرينا كافرًا، وكان الناس لا يشربون من الإناء الذي شرب فيه الكافر
إلا بعد غسله بالتراب! ثم قال: أما الآن فأصبحنا نفرح بمشاهدتهم، ونجري وراءهم
بحثًا عن لقمة للعيش لم نجدها إلا منهم، ثم ذرفت عيناه، وقال: فأين أنتم أيها
المسلمون؟».
نداء
وأجمل الأستاذ الصويان- شاهد عيان
المأساة- حاجات اللاجئين العاجلة في التالي:
1- المواد
الغذائية بمختلف أنواعها، وخاصة حليب الأطفال المجفف الذي لا يتوفر في كينيا.
2- توفير
المياه النقية، وذلك يتطلب حفر العديد من الآبار الارتوازية.
3- توفير
الأطباء والأدوية.
4- توفير
الملابس والخيام.
ووجه نداء إلى كل مؤمن يؤمن بالله يهمه
أمر المسلمين أن يعمل شيئًا لإنقاذ إخوته في العقيدة.. نداء باسم ثكالى أنهكهن
المرض، وشيوخ أسقطهم الجوع، ويتامى لا تسمع منهم إلا الصراخ والأنين، باسم شعب
يموت على مدار الساحة ولا مجيب!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل