العنوان الصومال- حرب صليبية أخرى في القرن الإفريقي
الكاتب د. محمد يوسف عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 27-يناير-2007
مشاهدات 58
نشر في العدد 1736
نشر في الصفحة 23
السبت 27-يناير-2007
ما لا يعرفه الكثيرون من المسلمين من خارج منطقة القرن الإفريقي أنه جرت فصول من حروب صليبية في شرق إفريقيا على فترات مختلفة مماثلة لتلك التي جرت في الشام والأندلس.
وفي كل هذه الحروب -وإن كانت سجالاً- كانت القوة لصالح الإسلام الذي يمثله الشعب الصومالي إلا أن الحبشة التي كانت تمثل الجانب الآخر من المعركة كانت تستنجد بأوروبا النصرانية التي لم تتأخر يومًا عن نجدة هذه الدولة التي يعتبرونها قلعة المسيحية في القارة الإفريقية بحجة أنها تعيش في بحر من المسلمين.
ومن يقرأ كتاب فتوح الحبشة، لكاتبه الجيزاني يطلع على فصل مهم من فصول هذه الحروب بتفاصيله التي كان يقودها من الجانب الصومالي الإمام الغازي أحمد بن إبراهيم (جري) الذي هزم الحبشة وحكم بلادها لأكثر من خمسة عشر عامًا ما عدا جيبًا صغيرًا واقعًا على الحدود السودانية في القرن الخامس عشر الميلادي، وإلى هذه الفتوحات يرجع الفضل لاعتناق أعداد كبيرة من الشعب الإيثوبي للإسلام.
وكأن التاريخ يعيد نفسه في هذه الأيام، فمع أن كفة الحبشة راجحة في المعركة الحالية على خلاف العادة بسبب بعض الاختلالات الموجودة في الجانب الصومالي إلا أن أمريكا وبريطانيا - وهما دولتان نصرانیتان تخوضان حروبًا صليبية في مناطق أخرى من العالم الإسلامي كأفغانستان والعراق - انضمتا إلى قوات الحبشة، ليس للنجدة في هذه المرة، فقوات الحبشة احتلت بالفعل كامل التراب الصومالي وإنما لاستعراض القوة ومحاولة إدخال اليأس في قلوب الشعب الصومالي وإرهابه حتى يمتنع عن مقاومة قوات الاحتلال، وترك هذه القوات تحقق طموحاتها التوسعية القديمة في بقية الأراضي الصومالية وبحارها بعد أن احتلت في القرن الماضي جزءًا مهمًّا من الأراضي الصومالية بمساعدة بريطانيا.
ولم تترك القوات الأمريكية - أثناء ضربها الجوي للأراضي الصومالية - أي شيء على الأرض إلا أصابته، فهدمت البيوت على رؤوس ساكنيها وقتلت المواشي وأصحابها وأحرقت المزارع والأشجار وخربت الطبيعة.
علمًا بأن المنطقة المقصوفة التي تقع في أقصى الجنوب الصومالي فيها غابات كثيفة، وفي تلك الغابات تجمعات كثيرة للحيوانات البرية، مما ينبئ عن حقد دفين وغير عادي لدى الإدارة الأمريكية ضد الشعب الصومالي المسلم لأسباب منها على سبيل المثال:
- حربه قبل عشر سنوات ضد القوات الأمريكية في الصومال.
- ومنها: مواقفه المبدئية والتاريخية ضد إسرائيل، منذ قيامها.
ويحدث هذا في غيبة كاملة للعالم العربي والإسلامي عن مجريات الأوضاع في القرن الإفريقي، بل إن زعيم أكبر دولة عربية - كان الشعب الصومالي يعلق عليه وعلى بلاده آمالاً عريضة في نصرته، لما لهذا البلد من روابط ومصالح وإستراتيجيات مشتركة مع الصومال في القديم وفي الحديث، أعلن تفهمه للغزو الحبشي للصومال، ما أحدث شعورًا بالصدمة الكبرى وإحساسًا بالخذلان لدى الشعب الصومالي.
كما أن موقف الجامعة العربية من هذا الغزو تبعًا للموقف السابق كان خجولاً وباهتًا وغير معبر؛ ما قد يشجع الحكومة الحبشية على التمادي في احتلالها للأراضي الصومالية.
كما أن الغريب الذي تجدر الإشارة إليه أنه وسط الإدانة الدولية للضربات الجوية الإجرامية التي شملت الأمين العام للأمم المتحدة، فإن رئيس الحكومة الصومالية المؤقتة هو الوحيد الذي ساند الضربات الجوية الأمريكية وقدم لها المبررات التي لم يستسغها أحد ليس فقط من الشعب الصومالي بل ومن العالم كله، وهو الذي حرض الأمريكيين قبل ذلك عقب أحداث 11 سبتمبر على ضرب مواقع في أقصى الشرق الصومالي بحجة وجود مزعوم لتنظيم القاعدة تبين بعد زيارة وفد أمريكي للموقع أنها قرية صغيرة تقع على شاطئ بحر العرب يقطنها صيادون صوماليون لا يعرفون أمريكا ولم يسبق لهم أن سمعوا حتى عن اسم تنظيم القاعدة، فضلاً عن أن يكون لهم صلة بها.
إن من أبسط الحقوق التي تستحقها الشعوب على من يريد أن يحكمها هو الدفاع عنها وعن مصالحها ومكونات وجودها (الدين والوطن والمواطن)، أما أن يدعو الحاكم إلى احتلال الأرض والاعتداء على الحرمات فتلك مصيبة كبرى تصنفها الدول والأمم وحتى القوانين العالمية على أنها خيانة عظمى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل