; قراءة في التحديات والتداعيات.. الصومال: سقوط "كسمايو".. ماذا بعد؟ | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في التحديات والتداعيات.. الصومال: سقوط "كسمايو".. ماذا بعد؟

الكاتب أديب محمد

تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2012

مشاهدات 67

نشر في العدد 2023

نشر في الصفحة 32

السبت 13-أكتوبر-2012

  • "كسمايو" تتمتع بميناء استراتيجي ومطار إقليمي فضلا عن كونها حلقة وصل تجارية بين المدن الصومالية بجنوبها والمدن المطلة على الشريط الحدودي مع كينيا 
  • القيادة الصومالية فرضت على مقاتلي "رأس كمبوني" عدم القيام بمهام عسكرية في "كسمايو" دون تنسيق مع الحكومة الصومالية 
  • في ظل غياب دعم عربي سياسي للصومال تحاول الحكومة الكينية تحقيق مطامع استراتيجية على حساب المجتمع الصومالي 

في تحالف عسكري مشترك بين القوات الكينية والصومالية ومقاتلين من جماعة "رأس كمبوني" المسلحة، خرجت مدينة "كسمايو" الاستراتيجية (على بعد ٥٥٠ كلم جنوبي مقديشو) من يد حركة "الشباب المجاهدين" التي استولت عليها في نهاية عام ۲۰۰۸م، بعد أن تمكنت من طرد مليشيات قبلية كانت موالية لحكومة "عبد الله يوسف". 

وقد عاشت المدينة طوال تلك السنين الماضية تحت رحمة حركة "الشباب" التي امتد نفوذها إلى أقاليم متعددة في جنوب ووسط البلاد غير أن "الشباب المجاهدين" في الوضع الراهن بدت محصورة في مناطق قليلة معدودة. 

في صبيحة الـ ۲۸ من سبتمبر الماضي شنت القوات الكينية هجوما جويا وبريا وبحريا على "كسمايو"؛ لانتزاع سيطرة حركة "الشباب" منها، وقامت فرق عسكرية كينية عبر سفينتين رستا بسواحل "كسمايو" بالنزول إلى الأرض، ثم نفذت عمليات عسكرية على مشارف المدينة، ثم واصلت القوات الحكومية زحفها صوب "كسمايو"، حيث كانت القوات الصومالية تتواجد على بعد ٦٠ كلم شمال حاضرة إقليم جوبا السفلي، وما إن بدأت المقاتلات الكينية قصف المدينة شنت القوات الصومالية والتي يرافقها وحدات من القوات الكينية هجوما على المدينة، وصمدت حركة "الشباب" لساعات لم تستمر طويلا، حيث قررت الانسحاب من المدينة تحت جنح الظلام. 

وقد اعتبر مسؤولون لـ"الشباب المجاهدين" انسحابهم من البلدة أنه بمثابة خطة تكتيكية تفرضها الأدبيات العسكرية لحركة "الشباب"، وهي محاولة اضطرارية يراد منها الخروج من ساحات الوغى بأقل الخسائر. 

  • تحديات المرحلة 

سقوط المدينة بيد القوات الكينية والصومالية كان أمراً مفاجئاً بقدر ما كان محيرا لأذهان المراقبين الذين يتوقعون بأن تستميت حركة "الشباب" في السيطرة على "كسمايو"، فضلا عن خسارتها لأكبر مورد اقتصادي لها كانت تدر من ورائه أموالا تسدد عجزها في السنوات الماضية، وهذا ما يشكل عائقا كبيرا بالنسبة لها في المرحلة القادمة ويرى المحللون السياسيون أن التحديات التي تواجهها الحكومة الصومالية تتمثل في كيفية تشكيل إدارية توافقية للإقليم ترضى بها كافة الأطياف القبلية في "كسمايو"، هذا إلى جانب إمكانية إبعاد شبح الحرب الأهلية بين أهالي سكان المنطقة الذين يتنازعون في السيطرة على الموارد الاقتصادية للمدينة.

وتتمتع المدينة بميناء استراتيجي ومطار إقليمي، فضلاً عن كونها حلقة وصل تجارية بين المدن الصومالية الواقعة في جنوبي الصومال وتلك المدن المطلة على الشريط الحدودي بين الصومال وكينيا ، كما أنها كانت المدينة الثالثة في الصومال من حيث الأهمية الاستراتيجية والجيبولوتيكية. 

  • صراع مثلث 

تشكل جماعة "رأس كمبوني" التي يقودها أحمد إسلام واحدة من الجماعات المسلحة التي كانت في عداء مستمر مع حركة "الشباب المجاهدين" منذ عام ۲۰۱۰م، وتحاول الجماعة أن تجد نصيبها من تركة حركة "الشباب" الاقتصادية والتمتع بحيازة لقبها، وتبدو أنها قوة عسكرية غير منضوية تحت يافطة الحكومة الصومالية. 

وتشكلت جماعة "رأس كمبوني" بعد سنوات من الاحتلال الإثيوبي للصومال عام ۲۰۰۹م، وأصبحت جزءا من التيارات المسلحة التي تشكل فيها الحزب الإسلامي عام ۲۰۰۹م، والذي انضم إلى حركة "الشباب" الصومالية غير أن "رأس كمبوني" أعادت تشكيلتها بعد أشهر قليلة من هذا الاندماج، وأشهرت سلاحها في وجه حركة "الشباب". 

والقوات الحكومية التي تسيطر حالياً على أجزاء كبيرة من المدينة تقوم بعمليات تمشيط واسعة في المدينة تصدياً لهجمات أو قنابل يدوية تؤرق مضاجع الصوماليين، ومما يعجل نشوب تصادم عسكري بين مقاتلي "رأس كمبوني" والقوات الصومالية، هو الإجراء القانوني الذي فرضته القيادة الصومالية على المدينة القاضي بعدم السماح لمقاتلي "رأس كمبوني" على القيام بمهام عسكرية في المدينة دون تنسيق مع الحكومة الصومالية. 

أما الصراع الخفي بين زعماء القبائل والذي لم تتأجج ناره بعد في المدينة نظراً لتشابكاتها القبلية وأطيافا من الفيسفساء العسكري المتواجد في المدينة، إلى جانب قوة كينية تتمتع بقدرات عسكرية فائقة، يبدو أنه أمر محتمل الحدوث، غير أن تلك القوات الكينية لا يتوقع منها أن تخمد أي نار قبلية تدور بين الصوماليين من جهة، أو أن ينشب صدام مسلح بين القوات الصومالية ومقاتلي جماعة رأس كمبوني من جهة ثانية. 

  • التداعيات والتأثيرات 

لا تترك عملية سقوط "كسمايو" تمر مرور الكرام على المشهد السياسي في الصومال إلا وتخلف وراءها جملة من التداعيات والتساؤلات وخاصة حول الاهتمام الكيني المتزايد على بلدة "كسمايو" الاستراتيجية بغض النظر عن المدن الصومالية الأخرى القريبة من الحدود الكينية ناهيك عن تأثيراتها المستقبلية بالنسبة لحركة "الشباب"، إلى جانب تداعياتها على الحكومة الصومالية التي يتسع نطاق نفوذها يوما بعد الآخر. 

ويحدد المراقبون في البنود الآتية أبرز التداعيات الراهنة والمستقبلية على أعقاب سقوط "كسمايو" بيد القوات الكينية.

- نشوب حرب أهلية بين الصوماليين وخاصة بين القبائل الكبرى التي ظلت مهيمنة على البلدة قبل سقوطها بيد "الشباب المجاهدين"، حيث التنافس المرير بين تلك القبائل اليوم على أشدها. 

انحسار نفوذ حركة "الشباب" في جنوب الصومال بعد فقدانها لأكبر مورد اقتصادي وعسكري لها، حيث كانت "كسمايو" شريان الحياة الذي يضخ بها مزيدا من الدماء لمواصلة نهجها العسكري المسلح في الصومال.

- اتساع نطاق سيطرة القوات الصومالية في جنوب البلاد، واستمرار زحفها صوب بقية المدن الصومالية الجنوبية التي تخضع لحكم حركة "الشباب". 

- دخول كينيا في خطوط الأزمة الصومالية القائمة بجنوب الصومال، ومحاولتها لتشكيل إدارة إقليمية تابعة لها بحكم الفيدرالية التي أقرها الدستور الصومالي وطبق على الإقليم الصومالي الغربي الذي تحتله إثيوبيا.

- تجدد فصول أزمة نزاع سياسية بين حكومة الصومال والإدارة الكينية للتوصل إلى صيغة مشتركة في كيفية الإدارة على هذا الإقليم، وسبل تعزيز أمن المناطق الصومالية المحاذية لكينيا. 

  • ماذا بعد ؟ 

التساؤل المثير للأذهان هو: لمن الحكم في "كسمايو" في المرحلة المقبلة؟ وهل يحتكم الصوماليون لحكمة العقل لتحديد مصيرهم وتحقيق استقرار دائم يؤمنهم من خوف ويطعمهم من جوع؟ ولأن الإقليم (جوبا السفلي) الغني بثرواته الطبيعية يحتاج إلى إدارة صومالية ناجحة تضع اللبنات الأولى لحكم عادل يبعد شبح الحرب الأهلية ويبدد مطامع دول الجوار الإقليمي. 

السؤال البارز هنا: هل "الشباب الصومالية" تعيد الكرة من جديد وتطرد القوات المتحالفة من المنطقة؟ هو أمر - بحسب المراقبين بعيد المنال في الوضع الراهن نظرا للقوة العسكرية الضخمة التي تؤمن "كسمايو" تحت وطأتها، فضلا عن دعمٍ دولي لها، حيث كشفت تقارير دولية أن دولا أوروبية مثل فرنسا ساهمت في إزاحة حركة "الشباب" من هذا المعقل الاستراتيجي. 

أما بعد "كسمايو" الصومالية فإن الحكومة الصومالية على موعد جديد مع دخول حسم عسكري للاستيلاء على مدن جديدة خارجة عن نطاق سيطرتها، أما بالنسبة لحركة "الشباب" فتحسب حسابها على أن تستعيد هذه المدينة أو بالكاد أن تستميت على بقية المدن الأخرى وتحول دون أن تسقط في يد القوات الصومالية. 

إقليميا وخاصة بالنسبة لكينيا، فإن ما تهدف حملتها العسكرية في جنوب الصومال تتحدد في مدى ملائمة هذا الإقليم مع مصالح كينيا تجاه المنطقة، فضلا عن مآرب سياسية أخرى بعيدة المدى تحاول الحكومة الكينية من خلالها تحقيق مطامع استراتيجية على حساب المجتمع الصومالي الذي بقي يرزح تحت تجاذبات دولية وإقليمية لتقسيم كعكته في ظل غياب دعم عربي سياسي للصومال على مدى عقدين من الزمن. 

الرابط المختصر :