العنوان عبر الشراكات الواسعة والعلاقات المتينة.. الصين تسبق الجميع وتحاول التهام نفط إفريقيا
الكاتب علي حسين باكير
تاريخ النشر السبت 01-أبريل-2006
مشاهدات 62
نشر في العدد 1695
نشر في الصفحة 22
السبت 01-أبريل-2006
منذ أصبحت الصين ثاني مستهلك للنفط في العالم بعد طفرتها الاقتصادية تحاول تأمين احتياجاتها من إفريقيا.. بعيدًا عن الشرق الأوسط ومشاكله
التجارة بين الصين وإفريقيا تضاعفت إلى ١٨.٥ مليار دولار
بينما يزداد الطلب العالمي على النفط، وتواجه دول رئيسة عديدة مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا واليابان منافسة شديدة على موارد الطاقة من قبل وافد جديد يسعى إلى تأمين الإمدادات النفطية المستقبلية له، ألا وهو الصين.
لقد سخرت سياساتها الخارجية بهدف تأمين المواد الأولية والمصادر اللازمة للإبقاء على نموها الاقتصادي، وهي في طريقها الآن لحيازة معظم هذه الموارد النفطية والمواد الأولية المتوافرة على الصعيد العالمي.
البحث عن منتجين
تسعى الصين إلى الطلب المتزايد على النفط من أجل تغذية اقتصادها المزدهر والنامي بشكل متواصل، وهو الأمر الذي يدفعها للبحث بشكل مستمر عن دول منتجة للنفط من قارة إفريقيا ومن بينها السودان تشاد نيجيريا أنجولا الجزائر الجابون وغينيا الاستوائية.
وبحسب وكالة معلومات الطاقة الأمريكية فإن نمو الاقتصاد الصيني قد اعتمد في ٤٠% منه على الطلب العالمي على النفط في السنوات الأربع الأخيرة في عام ۲۰۰۳ تجاوزت الصين نظيرتها اليابان واحتلت محلها كثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية. ووفقاً لمصادر رسمية صينية، فإن الصين- عبر شركاتها- أنفقت خلال الأشهر العشر الأوائل من سنة ۲۰۰٥ مبلغ ۱۷٥ مليون دولار على مشاريع التنقيب عن النفط والبنى التحتية في البلدان الإفريقية.
وفي ٩ يناير ٢٠٠٦ أعلنت شركة الطاقة.CNOOC Lud المملوكة للصين أنها ستشتري حصة بحجم ٤٥% وتساوي مبلغ ۲.۲٥ مليار دولار من حقل نفطي داخلي في نيجيريا، والصين لديها تواجد فعلي ومهم في العديد من الدول الإفريقية خاصة في السودان، فقد اشترت الصين حوالي ٥٠ ٪ من صادرات السودان النفطية في العام ٢٠٠٥ والتي تغطي حوالي ٥% من حاجات الصين النفطية.
المنتجون الرئيسون
نيجيريا كما هو معروف عضو في منظمة أوبك النفطية وهي المنتج الأكبر للنفط في إفريقيا، والمنتج رقم ۱۱ في العالم. وتعتبر نيجيريا موردًا رئيسًا ومهمًا للنفط لكل من أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية وهي تنتج حوالي ٢.٥ مليون برميل يوميًا. أما الاحتياطي المؤكد من النفط في نيجيريا فيبلغ حوالي ٣٥.٢ مليار برميل مع وجود خطط حكومية نيجيرية للتوسع في الاكتشاف ليصل الرقم إلى قرابة الـ ٤٠ مليار برميل في العام ۲۰۱۰ ويعتمد الاقتصاد النيجيري بشكل رئيس وكبير على الإيرادات النفطية التي يحصل عليها والتي تشكل حوالي ٨٠ ٪ من الإيرادات الحكومية وعلى الرغم من هذا الغنى إلا أن ۷۰ ٪ من شعبها يعاني من الفقر.
أنجولا ثاني أكبر منتج للنفط في إفريقيا، ومن المتوقع أن يصل إنتاجها إلى مليوني برميل يوميًا بحلول عام ٢٠٠٨ وبالإضافة إلى النفط، تمتلك أنجولا العديد من حقول الغاز في الداخل، ويعتبر قطاع النفط والغاز لديها قطاعًا واعدًا، فقد اجتذب حوالي ٢٠ مليار دولار كاستثمارات أجنبية مباشرة منذ العام ٢٠٠٣.
وكنيجيريا، يعتمد الاقتصاد الأنجولي بشكل كبير على القطاع النفطي الذي يشكل أكثر من ٤٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي وحوالي٩٠ ٪ من العائدات الحكومية.
السودان ينتج ويصدر الخام الخفيف وهو عليه طلب بشكل كبير جدًا؛ ذلك أن تصفيته سهلة وهو مرغوب أكثر من غيره وقد زاد إنتاجه بشكل ملحوظ في السودان في السنوات الأخيرة. وبحسب وزارة الطاقة السودانية، فقد تم إنتاج حوالي ٥٠٠.٠٠0 ألف برميل يومياً في العام ٢٠٠٥ على الرغم من المشاكل والاضطرابات الداخلية التي تعاني منها في مناطق عديدة ومن ضمنها دارفور ويبلغ الاحتياطي المثبت من النفط في السودان حوالي ٥٦٣ مليون برميل من النفط. وتجدر الإشارة إلى أنه يوجد احتياطي أكبر من ذلك بكثير لم يكشف عنه بعد في الأرياف والمناطق الصعبة الوصول بسبب النزاعات والمشاكل.
عبر استراتيجية فريدة.. استطاعت الولوج إلى مصادر المواد الأولية حول العالم بسهولة.. ذهب بوليفيا وفحم الفلبين ونحاس تشيلي وغاز أستراليا.. ونفط إفريقيا
غينيا الاستوائية تفيد الأرقام المتوافرة عنها أنها كانت تنتج حوالي 371.300 برميل يومياً في العام ٢٠٠٤ م، إلا أن الاحتياطي المثبت في البلاد يبلغ في هذه البلد الصغير حوالي ۱.۲۸ مليار برميل، وقد شكل النفط حوالي ٩٠ ٪ من صادراته في العام ۲۰۰۳م وفي أكتوبر من العام ٢٠٠٤م طلبت الدولة من شركات النفط التي تعمل فيها ألا تزيد إنتاجها عن ٣٥٠,٠٠٠ برميل يومياً خوفاً من أن من تؤدي المداخيل المتزايدة من عائدات النفط وإيراداته إلى زعزعة اقتصاد البلاد.
الجابون تنتج حوالي ۲۳۰,۰۰۰ برميل يوميًا، وتبلغ احتياطات البلاد المؤكدة قرابة ٢.٥ مليار برميل، وقد حققت الجابون أعلى إنتاج نفطي لها في العام ۱۹۹۷، بينما يشهد إنتاجها النفطي الآن هبوطاً بنسبة 3٧% عما كان عليه آنذاك. فيما تشكل صادرات الجابون من النفط الخام حوالي ٦٠ ٪ من الميزانية الحكومية وأكثر من ٤٠٪ من الناتج الإجمالي المحلي للبلاد.
إن النمو الاقتصادي الصيني الهائل والمستمر بمعدل ٩٪ منذ حوالي العقدين يحتاج إلى كميات هائلة من المواد الأولية للمحافظة على هذا النمو. ومنذ أن أصبحت الصين أكبر مستهلك للنفط في آسيا، كانت قد بدأت الاستيراد النفطي في العام ۱۹۹۳م ويتوقع بحلول العام ٢٠٤٥م أن تقوم الصين باستيراد حوالي ٤٥% من حاجاتها النفطية من الخارج. لذلك فهي تحاول منذ الآن حجز وتأمين الاحتياطات النفطية خوفًا من فقدانها لاحقًا أو ارتفاع أسعارها بشكل أكبر ولذلك فإنها تعمل على تنويع مصادر الاستيراد النفطية أيضًا وتريد الاعتماد على إفريقيا في هذا المجال كبديل لمنطقة الشرق الأوسط التي تعاني من الكثير من المشاكل.
سياسة الصين
تبني علاقاتها بإفريقيا عبر صناديق المساعدات والتجارة الفعالة
باعت تجهيزات عسكرية بقيمة ١٤٢ مليون دولار إلى الدول الإفريقية بين عامي۱۹٥٥ و۱۹۷۷
الاستهلاك الصيني الضخم للمواد الأولية اللازمة لتحريك الاقتصاد ومنها بطبيعة الحال النفط، دفع الحكومة الصينية لتبني استراتيجية تقوم بموجبها بتشجيع شركاتها الرسمية على الاستيراد من الخارج وتوقيع عقود بهذا الخصوص حول المواد الأولية وبالمقابل تقوم الصين بمعاملة الدول التي تستورد منها هذه المواد الأولية بدبلوماسية شديدة، من خلال صفقات تجارية وإعفاء ديون وبرامج مساعدات.
وقد أتت هذه الاستراتيجية أكلها، واستطاعت الصين الولوج إلى المصادر الأولية العالمية بشكل سلس من الذهب في بوليفيا والفحم في الفليبين إلى النحاس في تشيلي والغاز في أستراليا، وبالطبع النفط من إفريقيا، والشيء المثير كما يبدو أن السياسة الصينية أصبحت معقدة ومتطورة بما فيه الكفاية لإنجاز مثل هذه الأهداف والسياسات.
وتتميز العلاقات الصينية الإفريقية بالتجارة الفعالة والنشاط الاقتصادي المتزايد فقد نمت التجارة الصينية- الإفريقية بنسبة ۷۰۰% خلال فترة التسعينيات. وقد وضع المنتدى الصيني- الإفريقي ۲۰۰۰ المنعقد في بكين أسسًا لانطلاقة حقبة جديدة من التعاون التجاري والاقتصادي الفعال بين الطرفين على أن يأتي بنتائج بارزة.
لقد تضاعفت التجارة بين الصين وإفريقيا من عام ٢٠٠٣/ ٢٠٠٢ م لتصل إلى ۱۸.٥ مليار دولار، ثم تضاعفت فيما بعد في الأشهر العشر الأوائل من عام ٢٠٠٥ م بنسبة ٣٩% لتصل إلى 32.17 مليار دولار، ومعظم هذا الارتفاع يعود إلى مستوردات الصين النفطية من السودان ودول القارة الإفريقية. وقد بلغت استثمارات الصين الخارجية في إفريقيا ٩٠٠ مليون دولار من أصل مجموع ١٥ مليار في العام ٢٠٠٤م، والصين هي ثالث أكبر شريك تجاري مع القارة الإفريقية بعد الولايات المتحدة وفرنسا وقبل بريطانيا.
وتبني الصين علاقاتها بالقارة الإفريقية عبر صناديق المساعدات التي تفتح الطريق أمام الشركات الصينية لإنجاز صفقات تجارية، وإحدى إيجابيات التجارة مع الصين أنها تستطيع تجهيز الدولة بكل شيء.
في أنجولا التي تصدر حوالي ٢٥ ٪ من إنتاجها النفطي إلى الصين، استطاعت بكین أن تحجز لنفسها حصة رئيسة كبيرة في إنتاج هذه الدولة من النفط وذلك عبر ملياري دولار كصناديق قروض ومساعدات تتضمن تمويل الشركات الصينية لبناء سكك حديد مدارس طرق مواصلات مستشفيات جسور ومكاتب تمديد شبكة اتصالات سريعة وتدريب العاملين في شركة الاتصالات الأنجولية.
ونستطيع أن نرى من خلال هذا المثال أن الصين تتبع طريقة تقليدية كانت كل من أمريكا، أوروبا واليابان قد سبقتها إليها ألا وهي عرض صفقات ضخمة ومغرية على البلدان الفقيرة التي تحتاج إلى موادها الأولية على أن ترفق هذه العروض ببرنامج مساعدات ومنح وقروض فقد قامت اليابان- على سبيل المثال- بعد الحرب العالمية الثانية بدفع حوالي ٥ مليارات دولار كتعويضات عن الحرب إلى كوريا الجنوبية تايوان والصين وكان ذلك على شكل صادرات من السلع والقروض.
النفط والأسلحة
إن قيام الصين ببيع أسلحة إلى دول القارة الإفريقية يساعد على توطيد علاقاتها مع الزعماء الأفارقة، كما على تخفيض سعر المنتجات النفطية منها، والصين ليس لها سجل من التدخل في شؤون الآخرين كما ساعد هو الحال بالنسبة لأمريكا وأوروبا وهي لا تستغل مسألة حقوق الإنسان التي تشكل ذريعة ممتازة للطرفين السابق ذكرهم للتدخل في شؤون الدول وفرض عقوبات عليها. لذلك فالصين ليس لديها قيود في البيع إلى أي دولة. كما أن ازدياد مصالح الصين النفطية في إفريقيا يقودها إلى ضرورة تأمين الوضع وطرق المواصلات هناك. لذلك فإن بيع أسلحة صينية إلى هذه الدول وإرسال خبراء عسكريين ومدربين إليها قد يصب في هذا الاتجاه. وبالمقابل تقوم الصين بدعم العديد من الحلفاء الإفريقيين في الأمم المتحدة السودان، أنجولا نيجيريا، وتستغل علاقاتها هذه أيضاً لمنع أي من الدول التي تتعامل معها من الاعتراف بتايوان سياسيًا.
لذلك فمبيعات الأسلحة مهمة بالنسبة للصين وللأطراف المتلقية لهذا السلاح، وقد ذكر تقرير بعنوان مبيعات الأسلحة الصينية الدوافع والانعكاسات أعده كل من دانييل بايمن وروجر كليف ونشره مرکز راند للأبحاث أن الحكومة الصينية تمارس سيطرة مركزية قوية على صادراتها من السلاح وتستغلها في أهداف سياسية لصالحها في السياسة الخارجية.
وقد ذكر تقرير لصحيفة اللوموند الفرنسية بين سنة ۱۹٥٥ و۱۹۷۷ باعت الصين تجهيزات عسكرية بقيمة ١٤٢مليون دولار إلى الدول الإفريقية ومنذ ذلك الحين ارتفعت مبيعات السلاح الصيني إلى الدول الإفريقية بشكل كبير.
فوفقًا لأحد التقارير الصادرة عن خدمة أبحاث الكونجرس، فإن صادرات السلاح الصينية إلى القارة قد شكلت حوالي ١٠٪ من كل عمليات مبيع الأسلحة إلى القارة بين العام ١٩٩٦ و٢٠٠٣م.
السودان ينتج ويصدر الخام الخفيف الذي يشهد طلبًا متزايدًا لسهولة تصفيته
الاقتصاد النيجيري يعتمد على النفط الذي يشكل حوالي ۸۰٪ من الإيرادات الحكومية
حقوق الإنسان: سياسة الصين الرسمية تنص على عدم التدخل في شؤون الآخرين الداخلية. فالمسؤولون الصينيون يعتبرون أن مسألة حقوق الإنسان هي مسالة نسبية، وأنه يعود لكل دولة الحق في وضع تعريف خاص بها وجدول وقتي لتطبيقها والوصول إليها. فالصين وعلى عكس الولايات المتحدة لا تخلط السياسة بالتجارة. بل إن الصين تعتبر أن أي محاولة من قبل الغربيين لمناقشة موضوع الحريات وحقوق الإنسان هو انتهاك لسيادة الدولة.
يقول البعض إن أسلوب الصين لا يختلف عن أسلوب أمريكا فيما يخص التعامل مع الدول التي تنتهك حقوق الإنسان والدافع الأول هو المصلحة، والقدر التي تحققه هذه الدول من المصالح لها.
فالولايات المتحدة- كما يقول أحد الخبراء الصينيين- انتقائية جدًا وتكيل بعدة مكاییل فيما يتعلّق بحقوق الإنسان فهي تغض الطرف عن العديد من الدول التي تنتهك حقوق الإنسان إذا كانت هذه الدول تؤمن مصالحها وتدعمها وتدور في فلكها.
وعلى عكس ذلك يرى العديد من الاقتصاديين أن الصين ساهمت بشكل كبير في التقدم الاقتصادي الإفريقي ، فقد حققت إفريقيا نمواً في العام ٢٠٠٥ بنسبة ٥.٢% وهو أعلى معدل حققته على الإطلاق ويعود الفضل الأول في هذا للصين واستثماراتها الطلب الصيني المتزايد على النفط قد أمن دخلاً مرتفعاً لهذه الدول الإفريقية، كما أن الصين قامت بناء الجسور والطرق والسدود المتينة والجيدة وبأسعار منخفضة، وقد شجع مجلس الأعمال الصيني- الإفريقي ومركزه في الصين بإشراف الأمم المتحدة على زيادة حجم التجارة والتنمية مع القارة.
ولا شك أن هذه الأعمال الصينية تعطي مؤشرًا جيدًا عن حسن النية في التعامل كما وتسهل الطريق أمام علاقات ثنائية قوية مع هذه الدول الإفريقية ويزيد من حجم التجارة والأعمال معها مستقبلًا.
(*) هذا المقال يستند في أغلبه إلى معلومات مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل