العنوان الصين تستجيب لنداء الفطرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1980
مشاهدات 77
نشر في العدد 488
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 08-يوليو-1980
رفع القيود من اختلاط الصينيين بالاجانب أتاح لهم التفكير فيما هو محرم عليهم
منذ أن استولى الشيوعيون بزعامة ماوتسي تونغ على السلطة في الصين وأقاموا جمهورية الصين الشعبية، فرضوا عليها ستارًا حديديًا من جنس فكرتهم ونفخوا في ماو حتى ألّهوه وهم لا يؤمنون بالله وأخذوا يطبعون حياة الشعب الصيني بكل ما يناقض الفطرة ويخالفها، والآن بعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا على حكم الشيوعيين هل استطاعوا تغيير فطرة الله؟
- الصين تتجه نحو الانفتاح على الرأسمالية والعالم الغربي.
- قامت الشيوعية على أساس مناقضة الفطرة البشرية.
- بعد ثلاثين عامًا من الحكم في الصين سمح للمسلمين وبقية الأديان ممارسة شعائرهم.
- الشيوعية منعت تداول المصاحف، وأغلقت المساجد في شنغهاي منذ عام ١٩٤٩ ولم تفتح إلا بعد القضاء على عصابة الأربعة.
ونحن إذ نقول فطرة الله، بقصد ما خلق الله في النفس البشرية من طبائع وغرائز ولعل أهم هذه الغرائز هما التدين وحب الملكية اللذين قامت الفكرة الشيوعية على أساس مناقض لهما، فالمعروف أن الفكرة الشيوعية والفكر العلماني الأوروبي الحديث إنما كانا رد فعل لانحراف في غريزة التدين فرضتها الكنيسة ورجالاتها في العصور الوسطى بغير علم من الله، وبدلًا من البحث في إصلاح الانحراف في غريزة التدين تطرفت الشيوعية فحاربت الغريزة نفسها وطالبت بإلغائها، ولكي يجدوا لها بديلًا قال فلاسفتهم وعلى رأسهم ماركس بأن المادة هي أصل الوجود ولا وجود لغيرها وبالتالي فإن الدافع المادي أو ما يسمونه بالمادية الديالكتيكية هي المفسر الوحيد والصادق لسلوك البشر على مدار التاريخ، وإذن فالله والدين والرسل وهم خرافة «وأفيون» لتخدير الشعوب على حد تخريصاتهم.
وقد جعلت الشيوعية العالمية معركتها الأساسية مع الدين والملكية، وكما فعلت الشيوعية في روسيا ودول أوروبا الشرقية من قتل وتشريد وإرهاب للمسلمين والنصارى، فقد فعلت مثل ذلك وأكثر في الصين.
- وإذا ظل الناس لا يعرفون شيئًا عن الأوضاع الصينية بسبب الستار الحديدي الذي فرضه ماو فقد أخذت تتدفق المعلومات مثل البركان على إثر مرضه وبعد وفاته.
ثورة الملصقات والجدران
- وكشف الصراع الذي وصفته أجهزة الاعلام الغربي بأنه صراع على السلطة بعد رحيل الرب المزعوم ماو، عن صراع دفين بين أنصار الاشتراكية وأنصار الملكية وتحسين مستوى الإنتاج لكي يصبح الاقتصاد الصيني مزدهرًا كالاقتصاد الرأسمالي، وتمضي الأيام لتتحالف الصين الشيوعية مع الولايات المتحدة الرأسمالية.
وتجري مطاردة لعصابة الأربعة الذين من بينهم زوجة ماو، وتتصاعد موجة الملصقات التي تنادي بالحرية والمعاملة العادلة لملاك الأرض والرأسماليين وطالب العمال بدراسة العلوم الاجتماعية وعدم حصرها في الحزب، وليس هذا فحسب، بل أشادت هذه الملصقات بالمظاهرة التي قام بها سكان «أوهان» في منتصف الستينات ضد التطرف الشيوعي خلال الثورة الثقافية.
ولم تجد القيادة الصينية الجديدة بدًا من الاستجابة لكثير من هذه المطالب كيف لا وبعضهم يشعر بنفسه كما تشعر الجماهير كنائب رئيس الوزراء بنغ هياو ينغ مهندس الاتفاق الصيني - الأمريكي «وخرتشوف» الصين كما أسمته بعض وسائل الإعلام الصينية.
وحرية دينية
وإذا كان الانفتاح على الغرب والتكنولوجيا المتقدمة والعلم الحديث هي من أبرز سمات الوضع السياسي الجديد في الصين، فإن شيئًا آخر أهم قد ارتبط بهذه المرحلة وهو السماح بممارسة الشعائر الدينية وإحياء الدين.
وتعتبر هذه الظاهرة أخطر من ظاهرة التوجه نحو الغرب والرأسمالية، وذلك لأن أصل الفكرة الشيوعية كما قلنا قائم على هدم الدين وإنكار غريزة التدين، فالمسلمون الذين تعرضوا لحركة قمع عنيفة منذ الثورة الثقافية في الستينيات أخذت الدولة الصينية الجديدة تسمح لهم بأداء شعائر الصلاة والذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج، كما تم إعادة فتح مسجد بكين والجدير بالذكر أن عدد المسلمين في الصين يبلغ حوالي ١٣ مليون نسمة ويقطنون في شنغهاي على الحدود السوفياتية وهم ينتمون إلى أصول عربية وتركية وفارسية، وبالرغم من الإجراءات التعسفية التي اتخذها الشيوعيون بحقهم كمنع تداول القرآن الكريم وإقفال المساجد الذي استمر حتى زوال عصابة الأربعة، إلا أنهم ظلوا محتفظين بمميزاتهم الخاصة، حتى أنه عندما قامت السلطة بتهجير عدد من الصينين إلى هذه المنطقة الإسلامية «لتثويرها» منعتهم في نفس الوقت من التزاوج مع المسلمين.
- وسمحت الحكومة كذلك لسبعمائة ألف بروتستانتي بإعادة فتح معابدهم في نان يانج وإعادة طبع الإنجيل لأول مرة منذ عام ١٩٦٠، كما أن حوالي مائتين من رجال الدين النصارى قد عقدوا برعاية رابطة الكاثوليك الوطنية أول إجتماع لهم كذلك منذ عام ١٩٦٠م.
وفيما يتعلق بالبوذيين فقد أعيد افتتاح عدد من معابدهم كمعبد نان برتو الذي يرجع تاريخه لألف عام ويقع على جبل درام بمدينة فوتسو الساحلية المقابلة لتايوان حيث عاد إليه خمسون راهبًا.
معارضة صحفية
وإعطاء مزيد من الحرية للأقليات الدينية لممارسة حقوقها وشعائرها التعبدية يبدو أنه لايزال هناك خلاف حوله بين الحكومة وبعض الشيوعيين المتطرفين الذين يسيطرون على بعض الصحف فبينما أبدت الحكومة تسامحها إزاء إعادة إحياء الأديان والعقائد والتقاليد الموروثة في الصين، فقد دعت الصحف إلى عدم التسامح تمامًا إزاء تلك المعتقدات، ولكن يبدو أن الصينيين من أصحاب هذه المعتقدات لم ينسوها. فقد ذكر الكاتب الأميركي وليام هنتون الذي شهد انتصار الشيوعية عام ١٩٤٧ وحركة القمع التي تعرضت لها الأديان في مقاطعة شان کش مما جعله يعتقد أن الكنائس مثلًا ستنقرض.
ذكر أنه وجد العديد من المزارعين يعلقون صور السيدة العذراء والمسيح إلى جوار صور ماركس وماوتسي تونغ وهو الأمر الذي يشير بوضوح لعودة إلى إحياء الدين.
ظاهرة ولها أسباب
ولكن ما هو السبب في ظاهرة إحياء الدين هذه في الصين؟
لا شك أن تسامح الحكومة مع الأديان هو أحد هذه العوامل ويرى بعض المراقبين الصينيين إلى أن السياسة التي اتبعتها الحكومة لحث الصينيين على دراسة العلم والتكنولوجيا، ورفع القيود على اختلاطهم بالأجانب، فتحت التيار أمام الناس للتفكير في كثير من الأشياء التي كانت مفروضة عليهم ومنها إنكار الدين، وهكذا فإن الفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها لابد وأن تظهر مهما حاول أعداؤها أن يغمسوها بركام من غلالهم وغيهم، وظاهرة التسامح مع الأديان وإعطاء شيء من الحرية في الصين ما هي إلا أمارة لنداء الفطرة، ولكن هل يستجيب الصينيون لهذا النداء؟ نحن نشك في ذلك في الوقت الراهن فلم يمضي وقت كاف ليزول الران الذي لحق بالقلوب من فساد الشيوعية وضلالها، ولكننا نؤمن كذلك أن هذه الظاهرة أمارة على طریق شرود البشرية من التيه إلى عقيدة الإسلام التي لابد يومًا أن تسود بإذن الله كما أخبر الصادق الصدوق محمد -صلى الله عليه وسلم-.