; الضجة حول الحجاب مفتعلة ومبالغ فيها ولها خلفيات سياسية | مجلة المجتمع

العنوان الضجة حول الحجاب مفتعلة ومبالغ فيها ولها خلفيات سياسية

الكاتب د. محمد الغمقي

تاريخ النشر السبت 13-ديسمبر-2003

مشاهدات 54

نشر في العدد 1580

نشر في الصفحة 34

السبت 13-ديسمبر-2003

التهامي إبريز رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا:

يجب أن يصدر في فرنسا قانون للسماح بالحجاب وليس لمنعه

المخدرات.. الانحرافات والتفكك الاجتماعي قضايا خطيرة ولم يفتح فيها حوار.. المجتمع يعيش حالة من الفراغ

كيف تنشغل دولة بمؤسساتها ورجالاتها وإعلامها ومثقفيها بقضية لا تحرج المجتمع في شيء ولا تهدد أمنه؟! وكيف تضيق صدورهم بغطاء يوضع على الرأس وقد سمحوا بما هو أكبر من ذلك؟!

الحملة ضد الإسلام لا تزيد المسلمين إلا اندفاعًا نحو دينهم

منذ أشهر عدة تشهد فرنسا ضجة كبرى حول الحجاب، لم تهدأ وتيرتها بل تتصاعد بهدف إقناع الرأي العام بضرورة إصدار قانون يمنع كل مظاهر وعلامات التدين البارزة، ولكنه في الواقع يستهدف أساسًا الحجاب الإسلامي.

وللوقوف عند تفاعلات هذا الحدث وخلفياته وأبعاده، حاورت المجتمع الحاج التهامي إبريز رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا ورئيس المجلس الجهوي للديانة المسلمة المشرف على منطقة باريس وضواحيها، وذلك بحكم مسؤولياته، فهو مطلع على الملف وحيثياته، وكل الأنظار موجهة إلى مؤسسة الاتحاد والمجلس الممثل للمسلمين وإلى أسلوب تعاملهما مع هذا الملف الدقيق، وإليكم نص الحوار:

  • ما تفسيركم للضجة الكبرى المثارة حاليًا حول الحجاب في فرنسا؟ 

  • الضجة مفتعلة ومبالغ فيها وتكتسي الآن صبغة سياسية لتصفية حسابات سياسية، حيث يحاول الطرف المخالف والمعادي لوزير الداخلية ساركوزي بما في ذلك أعضاء حزب الأغلبية الحاكم ورئيس الحزب نفسه ألان جوبيه تصفية حساباته مع وزير الداخلية؛ لأن هذا الأخير أبدى في تعامله مع الملف الإسلامي ذكاء كبيرًا وواقعية كبيرة؛ إذ انفتح على الجالية المسلمة بمختلف مكوناتها، مما أكسبه تعاطف المسلمين، واعترف بالتعددية داخل هذه الجالية وتعامل مع الاتحاد تعاملًا إيجابيًّا، وصرح في العديد من المرات بأنه لا يتصور تمثيلًا للمسلمين في فرنسا خارج الاتحاد. كما صرح بأنه ضد منع الحجاب بقانون، ودعا إلى التوصل إلى صيغة توفيقية، واقترح يوم 11/10 لبس غطاء جزئي للرأس، لكنه بدأ يتراجع تحت الضغط. 

فالمخالفون يريدون أن يحرجوا ساركوزي، فهم يعتقدون أنه اتفق مع المسلمين وأن هؤلاء سيقولون لساركوزي عندما يصدر قانون لمنع الحجاب «لم يكن لك أي تأثير أو وزن وخالفت الاتفاق الذي تم بيننا».

الأمر الثاني أن الجهات المعادية محرجة من موجة التدين لدى المسلمين وإقبال شبابهم خاصة على المساجد، ومحرجة أكثر من نجاح المؤسسات الإسلامية من مساجد ومنظمات وهيئات في ترشيد هذه الصحوة الدينية نحو الاعتدال والوسطية في الفهم والتطبيق والعلاقة مع المجتمع، والاندماج دون ذوبان؛ إذ أن دورنا كبير في الترشيد؛ لأن في القانون الفرنسي مجالًا كبيرًا يكفي لحماية المسلمين ولدينا ثقة كبيرة في عدالة هذه البلاد؛ فتريد هذه الجهات المعادية دفع المسلمين إلى التهور وإلى القيام بأعمال غير مسؤولة، فدورهم استفزازي لأنهم لم يستسيغوا حتى الآن موضوع الاعتراف بالإسلام. 

  • ما علاقة الضجة حول الحجاب بموضوع الاعتراف بهيئة تمثل المسلمين في فرنسا؟

  • أعتقد أن موضوع الحجاب استغل بعد الاعتراف بالإسلام، فمن الأمور التي يريد أن يحققها المغرضون بعد استفزاز المسلمين أن يوقعوا خلافات بين أعضاء الهيئة التنفيذية لـ«المجلس الفرنسي للديانة المسلمة».

لكن الحمد لله، فقد أصدر المجلس موقفًا موحدًا وقمنا بجهد كبير حتى نتوصل إليه.

ورضينا بالاتفاق مع إخواننا على أدنى شيء وهو أن الحجاب من الإسلام، وبعد ذلك فإن المسلمة حرة أن تلبس أو لا تلبس، وكلهن عندنا مسلمات ولا نخرج من الملة إلا من اعترف بنفسه أنه غير مسلم. وهذا ليس شغلنا فنحن ندعو الناس ولا نحكم عليهم.

  • ولكن ألم تتسبب تصريحات ساركوزي خلال مؤتمر الاتحاد في هذه الضجة؟

قد يكون ذلك، ولكن الاحتجاج الذي حصل خلال هذا المؤتمر كان ردًّا على تصريح ساركوزي بأن المسلمات يخضعن مثل بقية الفرنسيات لنفس التعامل والشروط بالنسبة لبطاقات الهوية، أي أن يكن كاشفات الرأس في الصور الخاصة بهذه البطاقات، ولم يكن حول موضوع الحجاب. وفي الواقع، فإن الأصوات المرتفعة بالاحتجاج قادمة من الحاضرين ولسان حالهم يقول: «كفانا تذكيرًا بالقوانين في كل مرة تزوروننا، فنحن أبناء هذا البلد، فلماذا تنظرون إلينا دائما نظرة الريب». أما ساركوزي فقد استعمل هذا الاحتجاج لإقناع الآخرين بعدم إصدار قانون لمنع علامات التدين، وهو يتخوف من أن يتم تأويله بأنه اضطهاد للمسلمين.

  • ألا تعتبرون أن هناك ازدواجية في مواقف وزير الداخلية لأسباب تدخل فيها حسابات ومصالح معقدة، فيصرح بكلام ضد قانون يمنع الحجاب ويمنع إظهار علامات التدين، ويصرح بكلام آخر يفهم منه العكس؟

هو دائمًا يصرح بأنه ضد إصدار قانون في هذا الشأن، ولكن لا يعني ذلك أنه مع لبس الحجاب. ومن خلال حوارنا معه اقتنع بضرورة إيجاد حل وسط، ولكن منذ أن اقترح هذا الحل لم يصدر تعليق عليه، ولم تتم متابعة هذا الاقتراح، ويبدو أنه متراجع الآن عن هذا الحل خوفًا من ردة الفعل الإعلامية العنيفة. 

  • ألا تعتقدون أن الضجة حول الحجاب هي-علاوة على ما ذكرتم- وسيلة لتغطية مشكلات اجتماعية ساخنة؟

  • أتأسف جدًّا كيف أن دولة بمؤسساتها ورجالاتها وإعلامها ومثقفيها تنشغل بقضية لا تحرج المجتمع في شيء ولا تهدد أمنه، فكيف تضيق صدورهم بغطاء يوضع على الرأس وقد سمحوا بما هو أكبر من ذلك، أي بناء المساجد. أعتقد أن السبب في ذلك يعود إلى أن المجتمع يعيش فراغًا. وكما كتب أحدهم في صحيفة لوموند ديبلوماتيك، فإننا في مرحلة، المجتمع فيها بلا مشروع والفكر فيها بلا موضوع. 

ومع الأسف، هناك العديد من القضايا التي تهدد فرنسا مثل المخدرات والانحرافات، وتفكك الروابط الاجتماعية حيث مات في الصيف الماضي حوالي خمسين ألفًا من المسنين بسبب الحر الشديد ودفن بعضهم دون أن يسأل عنه قريب أو صديق، علاوة على موضوع المحطات النووية الخطير الذي لم يفتح بشأنه حوار ليشارك الرأي العام برأيه.

• ماذا سيكون موقفكم في حال صدور قانون يمنع علامات التدين ويستهدف الحجاب أساسًا؟

  • يجب أن لا يجرنا موضوع الحجاب إلى متاهات تحجب عنا المكاسب التي حققناها مع الدولة وعلى رأسها تطبيع العلاقة مع الدولة وطمأنتها. فلا نضحي بهذه المكاسب، ولكن سنبقى ندافع عن الحجاب في إطار القانون ولا نخرج عن إطار القانون بتنظيم مظاهرات مثلًا، وإنما سنقوم باتصالات مع المعنيين لشرح موضوع الحجاب لهم، باعتباره جزءًا من الدين وليس مظهرًا من مظاهر التعصب أو الالتزام السياسي أو التبشير كما يجري تصويره.

  • ولكن المظاهرات أسلوب من أساليب التعبير والاحتجاج الذي يسمح به القانون.

لا نريد أن نلجأ إلى هذا الأسلوب؛ لأننا نخاف أن تستغل المظاهرات وتقع فيها تجاوزات، فنعطي بذلك فرصة جديدة للرأي العام للنيل من الإسلام.

ولدينا أساليب أخرى للاحتجاج مثل الكتابة والحوار والمحاضرات والندوات ومساءلة ممثلي البرلمان وإرسال الرسائل إلى مسؤولي الدولة والاتصال برؤساء البلديات في إطار من الصراحة واللياقة بعيدًا عن العنف والتوتر؛ لأننا في مرحلة يجب أن لا تنسينا المكاسب الكبرى فهناك ملفات أخرى أكبر من الحجاب.

  • ما تعليقكم على تصريحات رئيس الدولة التي يقول فيها إن العلمانية ليست محل تفاوض، وأن الأفكار المفروضة من الخارج لضرب هذا المبدأ مرفوضة؟

لم يطلب أحد مناقشة العلمانية، ونحن نقول بأن العلمانية لا تتعارض مع علامات التدين مثل الحجاب، لا نقول ذلك استنادًا لآرائنا الشخصية، ولكن استنادًا إلى مرجعيات الجمهورية الفرنسية مثل مجلس الدولة الذي هو مؤسسة دولة وليس مؤسسة خاصة ولا مؤسسة تجارية، فقد طرح عليه الموضوع فأجاب بكل وضوح وردد بأن لبس الحجاب في حد ذاته لا يتعارض مع مبدأ العلمانية، وبالتالي يجب أن يسن في فرنسا قانون للسماح بالحجاب وليس لمنعه إذا أرادوا أن يكونوا منسجمين مع قوانين الجمهورية ومع مبدأ العلمانية، ومع توجهات مؤسسات الدولة.

طبعًا، وضع رئيس الدولة شروطًا مثل أن لا يصاحب لبس الحجاب التبشير بالفكرة وضرورة الحفاظ على الأمن العام داخل المدرسة، وعدم الغياب عن الدروس مثل البيولوجيا والرياضة، ونحن متفقون معه، فلبس الحجاب هو امتثال لله سبحانه وتعالى وليس للتظاهر، ونحن مع الحفاظ على النظام في المدارس وخارجها، ومع الحضور في الدروس وفي كل المواد، بل إننا نقول للفتيات يجب أن يكون حجابكن متكيفًا مع الواقع ومع الثقافة، وأن لا يستوردن أشكالاً تتناسب مع البلاد الإسلامية ولا تتناسب مع البيئة الغربية التي نعيشها.

  • بعد الضجة حول الحجاب قام رئيس الدولة بتكليف لجنة مهمتها التفكير حول العلمانية وتقديم تقرير في نهاية هذه السنة يعتمد لاتخاذ تدابير فيما يتعلق بعلامات التدين البارزة، وصرح برنارد ستازي رئيس اللجنة بأن «الحجاب علامة تبعية المرأة المسلمة وأن الفتيات يلبسنه تحت إكراه أسرهن والمجموعات الدينية». ما رأيكم في مثل هذه التصريحات؟

  • لقد عبرنا عن موقفنا بخصوص هذا الموضوع. فموقف السيد برنار ستازي يعتبر خروجًا عن الصواب والحياد؛ فالمفروض أنه رئيس لجنة فلا يصرح بشيء حتى تنتهي أعمال اللجنة وتقدم تقريرها إلى رئيس الدولة. ونحن نعرف أنهم كلهم ضد لبس الحجاب، ولكنهم يخافون من العواقب ومن بين هذه العواقب، أن المسلمين يشعرون بأن صدور قانون يمنع الحجاب يمثل اضطهادًا لهم، وسيدفع بهم إلى المدارس الحرة، ومن حقنا أن تكون لنا مدارسنا الخاصة، ولكن هذا الأمر يتناقض مع الخطاب الرسمي حول مسألة الاندماج.

  • كيف تقيمون موقف اليسار في موضوع الحجاب، هل استغل تورط اليمين في هذه القضية لتوظيفه لأغراضه الانتخابية؟

  • اليسار منقسم كما أن اليمين منقسم، فهم في وضع حرج حيال هذا الموضوع.

  • بعض السياسيين صرحوا بأن القانون سيصدر لا محالة لأن المسؤولين يعلمون أن المسلمين بطبعهم سيخضعون للقانون.

  • لا يمكن أن نقول إن المسلمين إذا صدر قانون سيتمردون عليه، ومن جهتنا كمؤسسة إسلامية، نعتبر هذا القانون جائرًا ويجب أن لا نستسلم، وسنرى الإمكانات التي يخولها لنا الدستور للطعن في القانون أمام المحافل القانونية الفرنسية والأوروبية، ولكن دائمًا في إطار القانونية والشرعية. فإذا استنفدنا كل الأشكال القانونية ولم نصل إلى نتيجة نقول للمسلمات أنتن في وضع إكراه، وفي حالة الاضطرار يجب أن نأخذ بالقاعدة الشرعية (الضرورات تبيح المحظورات).

  • ما توقعاتكم للمستقبل في ظل الحملة الشديدة والواسعة على الحجاب وعلى الصحوة الإسلامية عمومًا؟

  • كل شيء وارد، وأتصور أن التوجه الرسمي يسير نحو إصدار قانون لمنع الحجاب. ولكن رغم هذه الضجة حول الحجاب، فإن الإسلام يتقدم والحمد لله وأصبح جزءًا من المجتمع بعد الاعتراف بالمجلس الممثل للمسلمين في هذه البلاد. ونحن نقوم بكل جهودنا في مساندة رئيس المجلس دليل بوبكر حتى تنجح هذه المؤسسة لأنها مكسب كبير.

وتأكدوا بأن الحملات ضد الإسلام لا تزيد المسلمين إلا اندفاعًا وعودة لدينهم، ومن شاهد المساجد خلال شهر رمضان يندهش لهذا الإقبال الذي يفوق كل التوقعات. وهذا الإقبال الواسع على التدين يطرح علينا واجبًا كبيرًا وهو أن نحصن شبابنا في هذه البلاد بالفهم الصحيح، فنقول لهم يجب أن تكونوا أوفياء لدينكم وأوفياء لبلدكم بعيدًا عن الغلو وعن التهور وعن العنف وكل ما من شأنه أن ينال من الاسلام.

الرابط المختصر :