; الضرب ممنوع .. ولكن ! | مجلة المجتمع

العنوان الضرب ممنوع .. ولكن !

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر السبت 03-أكتوبر-2009

مشاهدات 59

نشر في العدد 1871

نشر في الصفحة 35

السبت 03-أكتوبر-2009

جدول الضرب.. صعب جداً، وستر الله الجيل اليوم بالحاسبات وإلا لتوقف ٧٠% من الطلبة العرب عند حاصل ضرب (۹۸) لكن الجمع أسهل وأيسر. والضرب للتلاميذ ممنوع بل هو جريمة كبرى.. إلى هنا وهذا مفهوم مقبول، وكأنما يشير إلى إنسانية راقية تحترم الإنسان غاية الاحترام والتقدير.

ولكن.. يضرب الشرطي في بلاد العرب المواطن ويركله بقدمه، ويشدخ رأسه، ويكسر عظامه، وقد يفقأ عينه، ومن يحاول الدفاع عنه فله المصير نفسه. يضرب السيد خادمته ويحتقرها بشتى أنواع الأذى..

وينزع الإنسان من بيته أمام أطفاله وزوجته في منتصف الليل، ويتعمد إشعار الجيران والأقارب لأخذ العبرة، أو المزيد من التحقير والإهانة.

يضرب الحكم في الملعب - بروح رياضية !! يضرب اللاعبون والمشجعون بعضهم بعضا . وتكون اللغة الدارجة بين الناس لغة الضرب، وهي وسيلة التفاهم في القضايا الوطنية الكبرى.

وتصبح هي الدواء من كل داء، والعلاج لكل موقف.

وأن يوظف قطاع كبير من عباد الله الضرب أبناء مجتمعاتهم بحيث لا يعرفون إلا الهراوات وكيفية استعمالها، والمناطق الأكثر إيلاما في الجسد دون ترك علامات واضحة ما أمكن لينالوا أعلى الدرجات في

علم التشريح.

ويضرب الزوج زوجته أمام أطفاله الخلاف لا قيمة له، كيف سيفهم الطفل أن الخلاف يحل بغير الصفع واللطم والضرب والإيذاء والقهر ؟! فإذا لم تقابل تصرفاته المشيئة المرغوبة لديه بالوسيلة الأبوية التي تعود عليها وهي الضرب، إذن فتصرفه طبيعي ومنطقي ولا شيء فيه حتى لو حاول معلمه نصحه وإرشاده؛ لأنه رضع اللغة الأخرى مع لبن أمه.

نعم، إننا أمة أحوج ما نكون إليه الآن هو إعادة النظر في لغة السوط الداخلي، بعد أن دفنا السيف الموجه للأعداء تحت الأرض بحيث لا يرى النور إلا على الأخ والصديق والجار والمواطن.

كتب والي خراسان إلى الخليفة عمر ابن عبد العزيز يستأذنه باستخدام بعض القوة والعنف مع أهل خراسان قائلا : إنهم لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فرد عليه عمر بن عبد العزيز: كذبت، بل لا يصلحهم إلا العدل والحق فابسط ذلك فيهم، واعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين، وقال لابنه يوما :

لا خير في خير لا يحيا إلا بالسيف.. هكذا، فالناس لا يصالحهم ويعالج أمراضهم الاجتماعية سوى إفشاء العدل بينهم، لا فرق بين كبير وصغير، وغني وفقير ورئيس ومرؤوس، أما السوط فمجرد أن تذهب لسعته التي تزرع الحقد الدائم والحنق المستفيض الذي ينتظر لحظة انتقام وإصرار على الفعل حتى من غير قناعة. إنه يقسم المجتمع إلى ضارب غليظ جواظ والى مضروب مقهور الإرادة، خائر العزيمة، محبط الإرادة مختزن الانتقام على المجتمع كله. مخطئون من يظنون أن المحبة والثقة تشترى بجوائز حملة العصي والمياه الملوثة وبالقدرة على شحنهم ضد الآخر، حتى لوكان الأقرب والأحرص والأصدق والأكثر مواطنة.

في الوقت الذي تتوافق فيه القوى المثقفة والحية في شتى الاتجاهات والمذاهب والأفكار على رفض العنف مع الطفل والمرأة والإنسان ( أحيانا)، حتى لو اختلف في الرأي مع صاحب السلطة كما في الغرب ترى بلادنا تغرق في قهر مواطنيها والهاب جلودهم بسياطها.

ترى ما أغنى سوط الحجاج وسيفه عن بني أمية؟ وهل وضع لهم القبول في الأرض؟ وكيف يذكر التاريخ من كان الحجاج مروض الناس في حكمهم بالسوط والسيف؟ وكيف ينظر لعمر بن عبد العزيز القائل:

كذبت بل يصلحهم العدل والحق الذي وقف في وجه الحجاج قبل أن يكون خليفة، ووقف أمام منهجه بعد أن ابتلي بالخلافة ليستقر احترام الإنسان.

لا يختلف اثنان في الترحم على عمر بينما لا تكاد تسمع من لا يشتم الحجاج ومن والاه.

نعم السوط لمن يتجاوز على حقوق الآخرين بعد النصح والإرشاد، والسوط مقيدلا منفلت حددته الشريعة المنزهة عن النقص بالعدد والشكل والطول والتوقيت، واعتبرته كالدواء يستخدم عند الحاجة الماسة وبقدر وهو كالكي تماما آخر العلاج، وانظروا سيرة من استخدموا السوط والسيف مع شعوبهم على مدى التاريخ البعيد والقريب، فمن قتل قتل ومن ضرب ضرب ولو بعد حين. في القديم قال عبد الملك بن عمير لسفيان: رأيت رأس الحسين ما بين يدي ابن زياد، ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار بن عبد الله الثقفي، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير، ثم رأيت رأس مصعب بن الزبير بين يدي عبد الملك بن مروان قال سفيان : فقلت له : كم كان بين أول الرؤوس وآخرها ؟ قال: اثنتي عشرة سنة، وأما في العصر الحديث، فالانقلابات في البلاد العربية الثورية لا تخفى على أحد ؛ فانقلب أحدهم على الآخر وهكذا دواليك، حتى انقلب المركب كله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. الدم يورث الدم، والسوط يورث الذل والجمود وترويع المسلم حتى في المزاح حرام ودمه معصوم، وكذا دم كل معاهد عهدا صحيحا وكل ذي ذمة وضرب الحيوانات وإيذاؤها وتحميلها فوق طاقتها حرام إنها دعوة لاحترام إنسانية الإنسان واحترام الرأي الآخر، واستخدام المنطق والحجة والبرهان بالحكمة والموعظة الحسنة ودعوة لهجر القهر والتسلط والتعالي، فالأمة في قارب واحد، والبحر خارج إرادتها بأمواجه العاتية، وقديما قيل:

أنفك منك وإن كان أجدع وساعدك منك وإن كان أقطع ولا تَنْسَوُا الفضل بينكم ولا خير في خير بين الناس لا يحيا إلا بالسوط والسيف واجعلوا السوط والسيف على أعداء الأمة فقط، والتحدي أن نزرع في كل نفس شرطيا رقيبا لا يغفل، لا أن نجهد الأوطان ومقدراتها واستقرارها بتوظيف شرطي على كل نفس أو على كل بيت، وهذا غير ممكن وإن أمكن فذلكم الدمار.

 

الرابط المختصر :