; الضوابط الشرعية لحماية البيئة (1) | مجلة المجتمع

العنوان الضوابط الشرعية لحماية البيئة (1)

الكاتب د. حسين شحاتة

تاريخ النشر السبت 15-سبتمبر-2012

مشاهدات 69

نشر في العدد 2019

نشر في الصفحة 48

السبت 15-سبتمبر-2012

وُضعت الأحكام الشرعية لحماية البيئة التي نعيش فيها ويقصد بالحماية التطهير من الفساد والنظافة من الخبائث وكل ما يضر الإنسان معنويًا وماديًا

القيم الإيمانية ذات تأثير قوي في المحافظة على البيئة حتى ربط الرسول ﷺ بين النظافة والإيمان

كل من يلوث البيئة يساهم في الاعتداء على النفس لذا يقول الفقهاء: إن المحافظة على البيئة محافظة على الإنسان وهذه ضرورة شرعية

من صور الفساد البيئي الاجتماعي انتشار الفاحشة.. وهذا يقود إلى أضرار جسيمة 

قال الله تبارك وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم:41)، وقال تعالى: ﴿ ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (الأعراف: 33)، وقال رسول الله ﷺ: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم» (رواه ابن ماجه والبزار)، «النظافة من الإيمان» (متفق عليه) «إماطة الأذى عن الطريق صدقة».

لقد جاء الإسلام من أجل تكريم الإنسان وحمايته، وسخر الله له ما في الأرض وما تحت الثرى، ليتمكن من عمارة الأرض وعبادة الله سبحانه، ويدخل في نطاق عمارة الأرض حماية البيئة ونظافتها من التلوث والفساد بكل صوره وأشكاله. 

ومن مقاصد الشريعة الإسلامية حماية الإنسان، ويتمثل ذلك في حفظ الدين والنفس، والعقل والعرض «النسل»، والمال كما وضعت الحدود والتعزيرات عند الاعتداء على الضروريات البشرية حتى يحيا الإنسان حياة كريمة ويفوز برضا الله في الآخرة ويتطلب ذلك أن يعيش في بيئة طاهرة من الفساد، نظيفة من التلوث، فهناك علاقة شرعية بين حماية البيئة وحفظ الحاجات الأصلية للإنسان.

ومن أجل ذلك وضعت الأحكام الشرعية الحماية البيئة التي نعيش فيها مثل: الحماية الصحية، وحماية الهواء والفضاء، وحماية المياه والأنهار والبحار، وحماية الأشجار والنباتات وحماية الطرق والمرافق العامة وحماية الأسواق، وغير ذلك، ويقصد بمصطلح الحماية بصفة عامة التطهير من الفساد والنظافة من الخبائث وكل ما يضر الإنسان معنويًا وماديًا. 

وفي حماية البيئة ونظافتها منافع اقتصادية، من أهمها: تيسير العمل وجودته، وزيادة الإنتاج، وترشيد استخدام الموارد الاقتصادية، والمحافظة على الوقت والمحافظة على صحة الناس من أمراض التلوث والفاحشة، وتوفير الطاقة وتدوير النفايات والمخلفات بما يحقق قيمة اقتصادية، وجذب السياح ونحو ذلك من العوائد الاقتصادية غير المنظورة.

حماية البيئة ومقاصد الشريعة

الإسلام دين الإنسانية، أتى من أجل الإنسان الذي كرمه الله سبحانه على سائر المخلوقات لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70).

والغاية من خلق الإنسان وتسخير له كل شيء هي عبادة الله عز وجل، وأساس ذلك قوله عز وجل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ () مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ () إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات:56-58).

وقد تضمنت قواعد ومبادئ الشريعة الإسلامية نصوصًا لحماية البيئة من الفساد والتلوث، وهذا من الموجبات الدينية، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

من مقاصد الشريعة.. حاجة الإنسان إلى بيئة نظيفة:

جاءت أحكام الشريعة الإسلامية لحماية الحاجات الأصلية الضرورية للإنسان كما قلنا، ووضعت العقوبات لمن يأتي بفعل فيه اعتداء على هذه الحاجات الأصلية، وعندما تطبق هذه العقوبات التعزيرية يتحقق في المجتمع الأمن والاستقرار، فيعيش الإنسان آمنا في سربه، معافي في بدنه، ضاربًا في الأرض من أجل السعي لطلب رزقه، ومن موجبات تحقيق ذلك وجود البيئة الطاهرة من الفساد النظيفة من التلوث.

وقد تحقق ذلك في عهد الرسول ﷺ بكل دقة، وكذلك في عهد الصحابة ومن اتبعوهم بإحسان، وكان من نتيجة ذلك وجود المجتمع الفاضل وتأسيس الحضارة الإسلامية التي حققت الخير للبشرية.

دور حفظ الدين في حماية البيئة ونظافتها:

الدين أساس المجتمع الآمن المستقر المتكافل، وهو الذي يحقق للإنسان الكرامة والعزة، ويحميه من الفساد والتلوث الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

وكلما ضعفت القيم الإيمانية والأخلاقية في المجتمع انتشرت الأمراض الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومنها: الزنا والسرقة والرشوة والاغتصاب والخمر والميسر، والخيانة والغدر، والظلم والبغي والبخل والشح واللهو والاعتداء، وسلب الحريات والقهر كما ينتشر التلوث البيئي بكل صوره.

وقد حرم الله عز وجل كل ما يؤدي إلى هذه الأمراض من باب سد الذرائع؛ ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ (الأعراف: ٣٣).

وأشار القرآن الكريم إلى أثر الدين على حياة الإنسان وعلى البيئة، فقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ () وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ (طه:123-124)، ويؤكد ذلك قوله ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدًا كتاب الله وسنتي» (متفق عليه).

وعندما يبتعد الإنسان عن الدين ويخالف تعاليم خالقه، نجده يفسد في الأرض، ويهلك الحرث والنسل، ويلوث البيئة بكافة أنواع الأذى والنجاسات والقاذورات وهذا ما نشاهده في زماننا، حيث إن سبب التلوث والفساد هو الإنسان غير المنضبط عقديًا وأخلاقيًا.

ونخلص من ذلك أن القيم الإيمانية ذات تأثير قوي على المحافظة على البيئة، ولقد ربط رسول الله ﷺ بين النظافة والإيمان فقال: «النظافة من الإيمان».

حماية النفس تستوجب بيئة طاهرة نظيفة:

حرمت الشريعة الإسلامية الاعتداء على النفس وأطرافها وعناصرها وموجبات حياتها، واعتبرت ذلك اعتداء على الناس جميعًا، بدليل قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: ۳۲)، ويقول ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (رواه مسلم).

وحماية النفس أساس المجتمع الآمن... والبيئة الطاهرة النظيفة من مقومات ذلك واعتبر الإسلام عقوبة القصاص من موجبات الحياة مصداقًا لقوله تبارك وتعالي: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:179)، ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه في الآخرة النار خالدًا مخلدًا فيها إلى ما شاء الله.

والبيئة الفاسدة والملوثة من أسباب الاعتداء على النفس، فهناك ربط مباشر بين البيئة والمحافظة على النفس، فكل من يلوث البيئة يساهم في الاعتداء على النفس وهو لا يدري، وتأسيسا على ذلك يقول الفقهاء: إن المحافظة على البيئة محافظة على الإنسان وهذه ضرورة شرعية.

حفظ العقل يستوجب بيئة طاهرة نظيفة:

العقل قوام إنسانية الإنسان، وأهليته وتكليفه بما شرع الله عز وجل، وفي كثير من الآيات يشير سبحانه وتعالى إلى العقل باعتباره القادر على فهم آيات الله وعبادته وقد حرمت الشريعة الإسلامية كل شيء فيه اعتداء على العقل مثل شرب الخمر وما في حكمها من المدمنات والمفترات وما يقود إلى تلويث العقل والبيئة ودليل هذا التحريم قول الله تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ () إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ (المائدة:90-91)، وجاءت السنة النبوية الشريفة لتفصل ذلك، ومما ورد عنه ﷺ: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» (أخرجه الستة).

فحفظ العقل حفظ للبيئة التي تساعد الإنسان على أداء رسالته والبيئة الفاسدة والملوثة بالموبقات تفسد العقل.

وحفظ العرض يستوجب بيئة طاهرة نظيفة:

يعتبر حفظ العرض من أساسيات الحياة الكريمة الموقرة المحترمة، وقوام المجتمع المكون من أسر قوية، والمجتمع الذي لا تصان فيه الأعراض لا يختلف عن مجتمع الغابات والأحراش الذي تعيش فيه الأنعام.

وقد حرمت الشريعة الإسلامية الاعتداء على العرض بالزنا والقذف وما في حكم ذلك من صور الفساد والفسوق، وفي عقوبة الزنا يقول تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ﴾ (النور: ٢)، ويقول ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك الدينه المفارق للجماعة» (متفق عليه).

وقد أثبت علماء الطب دور الزنا وما في حكمه في انتشار الأمراض التي لم تكن في أسلافنا، ومنها أمراض الجنس، وهذا ما تنبأ به رسول الله، فقال ﷺ: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم» (رواه ابن ماجه).

ويرى علماء الاجتماع أن من صور الفساد البيئي الاجتماعي انتشار الفاحشة وهذا يقود إلى أضرار جسيمة.

حفظ المال يستوجب بيئة طاهرة نظيفة:

المال قوام الحياة، ومصدره العمل الحلال الطيب، ومنه ما ينفق على الحاجيات الأصلية للإنسان لعبادة الله عز وجل، فالبدن غذاؤه المادة، والروح غذاؤها العبادات من ذكر ودعاء واستغفار.

وقد حرمت الشريعة الإسلامية كافة صور الاعتداء على المال لحماية المجتمع والمعاملات وانسياب الأرزاق، والدليل من القرآن الكريم قوله تعالي: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة)، وقوله ﷺ: «لعنة الله على الراشي والمرتشي» (رواه البخاري)، وقوله: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا فما أخذ بعد ذلك فهو غلول» (رواه أبو داود).

 إن حماية المجتمع من المعاملات التي فيها اعتداء على المال يعتبر حماية للناس جميعًا، ومن المعاملات المحرمة الربا والرشوة والميسر والتدليس والمقامرة والغش.. وكل ما يدخل في نطاق أكل أموال الناس بالباطل.

وهناك علاقة بين حفظ المال والبيئة حيث إن إنفاق المال في المفاسد والفسوق حرمان للمجتمع من المال في مجال التنمية التي تعود على الناس بالخير، كما أن تطهير البيئة من التلوث يكلف الأفراد والدولة نفقات عالية كان يمكن توفيرها لتنمية المجتمع. 

ونخلص إلى أن حماية الإنسان وتحقيق حاجاته من مقاصد الشريعة الإسلامية ومن موجبات ذلك وجود البيئة الطاهرة من الفساد والنظيفة من التلوث؛ وتأسيسًا على ذلك تعتبر حماية البيئة ضرورة شرعية وحاجة مجتمعية ومن الموجبات الدينية.

الرابط المختصر :