العنوان الطاهر بن جلون.. يسب الدين في «ليلة القدر»!
الكاتب عبدالقادر عبار
تاريخ النشر الثلاثاء 14-مارس-1989
مشاهدات 59
نشر في العدد 908
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 14-مارس-1989
قرأت أخيرًا رواية -ليلة القدر- للكاتب المغربي المستغرب: الطاهر بن جلون في طبعتها العربية.... بعيدًا عن طقس الدعاية والإشهار. وما إن وصلت إلى نقطة النهاية فيها حتى همست لصاحبي الذي جاء يستعيرها مني: «لقد نجح هذا الفرنكفوني -في رصد مساحة لا بأس بها من روايته هذه لسب الدين!» الله5 ٥-اً متمثلا قول الشاعر:
وإن كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
وعلينا أن ندري بل يجب ويتحتم... ولنبدأ من الأول:
- التكريم الفرنسي.. ليس نظيفًا:
قال لي مرة الشاعر الفلسطيني الكبير -محمود مفلح- عندما طلبت منه تعليقًا على جائزة نوبل التي منحت هذا العام لنجيب محفوظ: «..إن الأيدي التي منحت الجائزة لهؤلاء... ليست نظيفة. وأنا بصراحة لا أطمئن كثيرًا للهدايا التي تأتينا من الغرب!»..
وعليه، فإننا لا نغالي إذا قلنا بأن اختيار: بن جلون لأكبر جائزة أدبية فرنسية -ليس نظيفًا، وإن التكريم الفرنسي -والغربي عمومًا- لا يمكن أن يكون أبدًا مجانيًا ولا إنسانيًا.. ذلك أنه جاء تنفيذًا ذكيًا وماكرًا للصيحة التي أطلقها الرئيس –ميتران- في أذان المهتمين بأمر اللغة الفرنسية وقال فيها بالحرف الواحد: «إن أحدًا لن يستمع إلى شعب بدأ يفقد مفرداته».
ذلك أن الفرنسية بدأ استعمالها عالميًا يشهد تقهقرًا وانحسارًا أمام الإنجليزية، وهذا أرق أولي الأمر في فرنسا، ورأوا فيه صفعة حضارية لا يمكن تأجيل ردهًا وتصحيحها... مما دفع بهم إلى استنفار الغيوريين لعقد «كومنولث لغوي» لتدارس الأمر بحزم وجد.
«ودعك من الحزم العربي»....
وكان أبرز المهتمين والمهمومين «الرئيس ميتران» الذي دأب على متابعة إحصائيات تعلم اللغة الفرنسية، ومدى انتشارها في العالم، والذي خصص جزءًا من كتاب صدر له عن السياسة الخارجية، للهجوم على الدبلوماسيين الفرنسيين الذين يتحدثون بالإنجليزية في الخارج مهملين لغة بلادهم!! (1) ومن هنا نفهم لماذا كان إسناد هذه الجائزة جائزة جونكورد لمواطن من العالم الثالث يكتب بالفرنسية ويتكلمها، إنه الطُّعْم في رأس صنَّارة الدعاية الفرنسية والغربية لمزيد الترغيب ومزيد الجلب للمتفرنسين والمستغربين من أبناء العالم الثالث- والعربي خصوصًا- وهي طريقة جديدة قديمة دأب عليها الغرب في صناعة المفكر المستغرب.
- لماذا «ليلة القدر؟»
وأما لماذا كان اختيار «ليلة القدر» بالذات لتكون موضوع الجائزة، فلهذا حكاية أخرى يجهلها الكثير من أبناء جلدتنا الذين صفقوا طويلًا للبادرة الفرنسية وأكبروا الشهامة الغربية... ويعلمها الذين ينفقون طوعًا من خزائنهم لخدمة لغتهم ونشر مبادئهم.... ويعلمها أيضًا كل من يتصفح هذه الرواية بعيدًا عن طقس الدعاية والإشهار.
إن وقفة واعية وتنقّلًا يقظًا بين تضاريسها، كفيلان بفضح الوجه النكد لصاحبها، وتعرية مواقفه التقدمية(!!) تجاه الدين عمومًا والصحوة الإسلامية خصوصًا.
وقبل أن نبدأ تصفح الرواية، نرى من الضروري الوقوف قليلًا حول ظاهرة «الإيمان الجديد» الذي بدأ يرفعه «المستغربون» من مثقفينا كشعار عقائدي بديل، لينفوا عن أنفسهم ظاهريًا أمام الجمهور، والرأي العام المسلم، تهمة الإلحاد والكفر، بضغط من المناخ الإيماني الذي أشاعته الصحوة الإسلامية التي أعادت فيه رد الاعتبار إلى «الدين».
- عقائد المثقفين:
أ - فقد جاء على لسان مدير مجلة أسبوعية عند تنصيبه لمشرف جديد على الركن الثقافي بالمجلة قوله: «..... فكرت برهة في الردود التي ربما قد توجّه من قبل قرائنا ذوي الحساسية الإسلامية، وذلك لما اشتهر به غلطًا وخطًا وبهتانًا –فلان- من معاداة الإسلام... بينما هو حسب رأيي: شاعر رباني ولم أقل إسلامي(!!)... لأن –فلان- اختزل مرحلة التدين والأديان ليسعى إلى الالتقاء بالمطلق مباشرة عن طريق الإبداع، عن طريق الإلهام، عن طريق الحب.. هو ليس ملحدًا. هو رباني! (۲)
ب - وجاء في الحوار حول عقيدة الشاعر المنتحر: -خليل حاوي -مع أحد مَعَارفه هذا السؤال:- ما حقيقة موقفه الديني، إذ إن البعض يؤكد إيمانه، والبعض الآخر يلمح إلى إلحاده؟ أجاب صديقه المقرب:-.. كان مؤمنًا، ولكن إيمانه كان خاصًا غير معهود ولا مألوف (!) ولذلك يصح القولان فيه، فلا يمكن تقريب إيمانه من أيّ من المعتقدات الشائعة وخاصة من أية المؤسسات الدينية القائمة بيد أنه كان مضطرًا للتعبير عنه بالأدوات المتاحة المتداولة، وحسب معرفتي، لم يكن ضد الإيمان بإله قد لا تكون له أية علاقة بالله الذي تقول به الأديان الموحدة المعروفة، ولكن لم يكن يطرح ذلك ولم يكن يدعو إليه.. (٣)
ج - وأما عن عقيدة صاحبنا موضوع الحال فقد صرّح بها لأحد الصحافيين بقوله: أطالب أن يبقى الإسلام كعقيدة وكإيمان، لكن في حدود الضمير الشخصي، ولكل مسلم أن يمارس إسلامه بدون أن يجعل من تلك الممارسة تعلّة لكي يرغم الآخرين أن يقوموا بنفس الأعمال... ولهذا أقول بكيفية واضحة إنه احترامًا للدين الإسلامي يجب أن نجعل هذا الدين في مستوى عالٍ ولا نستعمله لا أيديولوجيًا ولا سياسيًا، وهذا ما أنادي به كمسلم وكإنسان مؤمن بحرية التعبير وحرية السلوك والتفكير واحترام الرأي الآخر..» (4) وهذا الرأي «التقدمي الحضاري المتفتح المهزوم» نراه معروضًا ومسرودًا ضمن مواقف مختلفة بين صفحات رواية ليلة القدر، وموزعًا على أحد عشر موضعًا من الكتاب بتفاوت في اللهجة والمساحة والصيغة ونستطع أن نلمح ذلك في:
- سوء الأدب.. مع الله:
- لم يخجل بن جلون من سب الإسلام وأهله، ولن تنقذه الجائزة يوم التغابن. ولن ينصره الغرب يوم الحشر.
- بن جلون يعبر عن إلحاده بقوله «بما أن الإسلام هو أفضل الأديان، فلماذا انتظر الله طويلًا لكي ينشره؟!»
ويبدو ذلك جليًا في تعليق الأب المحتضر، على صوت المؤذن بقوله: «.... وكانت صيحاتهم تختلط بصوت المؤذن الذي كان يستعمل ميكروفونًا -لكي يسمعه الله على نحو أفضل» ويعلق الراوي: «..... ابتسم أبي كما لو كان يقول بأن ذلك المؤذن لم يكن سوى رجل بيئس» صفحة ۱۷ وبتشنج حانق وحقد صارخ يواصل الأب: «اسدلي الستائر قد ينخفض صوت هذا الغبي الذي ينهق».. ص ۱۹
فهو يقارن الأذان الذي يحتوي على أفضل وأشمل صيغ التوحيد بالنهيق الذي يجب أن ينتهي، والذي يرى في الإبقاء عليه وجهًا من وجوه التلوث الذي يفسد صفاء النفس ويلطخ مناخ المدينة.. في الوقت الذي يقول عنه الفيلسوف الفرنسي -المسلم: - إن عبارة- الله أكبر- التي يطلقها المسلم «المؤذن» للتعبير عن عقيدته تجعل من كل سلطان ومن كل ملك وفي كل علم أمرًا نسبيًا... إن هذا النداء هو تعبير عن الحرية الحقيقية لأنه تأكيد للبعد المتسامي للإنسان، أي تأكيد لقدرته على الخروج من حتمية طبيعته وغرائزه وعاداته وتجاوزها جميعًا. وهذه القدرة على التسامي هي المبدأ الأساسي لكل مجموعة إنسانية حقيقية» (٥) «نعتذر للطاهر بن جلون عن تعليمه هذا البعد الفلسفي للأذان» .
وعندما يتحدث عن المدينة الفاضلة يبدو إعجابه بها وبسكانها كبيرًا عندما يكتشف خصوصياتها التي تنفرد بها عن «الواقع» يقول على لسان البطلة الوجودية:
«...كان يقطنها حوالي مائة طفل ذكورًا وإناثًا كانوا يعيشون هناك في اكتفاء ذاتي بعيدًا عن المدينة، بعيدًا عن الطرق وبعيدًا عن الله نفسه!» ص ۳۳
ويتوسع أكثر في هذا المنحى في سوء توفير المولى سبحانه عندما يتكلف ذلك الدعاء الجنسي السخيف على لسان رجل الغابة وهو يلهث وراء المتعة الحرام:
« .... بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على آخر الأنبياء سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. بسم الله الأعلى. الحمد لله الذي جعل المتعة العارمة للرجل تكمن في الداخل الدافئ للمرأة. الحمد لله الذي جعل في طريقي هذا الجسد البالغ الذي يتقدم وفق ما تبتغي شهوتي، هذا دليل على نعمته ووجوده ورحمته. الحمد لله!» ص ٤٧.
إن هذا الإخلال بأدنى توفير وإجلال وتعظيم للمولى تعالى، لا ينم إلا عن نفس وجودية لئيمة، وهي محبوءة لا كما جاء في الرواية بين جنبي «رجل الغابة» وإنما هي قابعة بين جنبي «بن جلون» ذاته.
- نظرته للقرآن الكريم:
لقد كان موقف قريش من القرآن الكريم أكثر تقدمية وأصدق واقعية من نظرة بن جلون للقرآن. إن كان موقفهم مستمدًا من علمهم وتذوقهم وحذقهم للغة والبلاغة، أما بن جلون الفرنكفوني المستغرب فعلى أي اعتبار يبني نظرته للقرآن من أنه شعر رائع! فقد جاء على لسان شخصية الأعمى قوله: «ولابد أن أذهب فالأطفال رهيبون، إنني أحاول تعليمهم القرآن مثلما كنت سأفعل بشعر رائع!» ص ٥٩. وعلى لسان البطلة الوجودية برأس الصفحة الموالية ٦٠: «ولقد سبق أن فكرت في هذا، لكن كما ترى أنا مثلك أحب القرآن کشعر رائع». وهو قول سخيف، ورأي رجعي متخلف لم يعد يطرحه حتى من يحترم عقله..
ويبدو أن بن جلون تنقصه النزاهة والموضوعية والشجاعة في مثل هذه المواقف، وإلا كيف يطرح نظرته السخيفة هذه، ولا يخجل من إبداء هذا الرأي المتعفن «الجاهلي» أمام الآراء والمواقف الموضوعية الصريحة التي أخذ «علماء الغرب وعقلاؤه» يصدعون بها يومًا بعد يوم أمام الرأي العام: ويكفي أن نذكره بما استنتجه الدكتور: موريس بوكاي الطبيب الفرنسي في كتابه «الإنجيل والقرآن والعلم» وصدع به أمام الأكاديمية الفرنسية إذ قال: لقد دهشت لما ورد في القرآن من نظريات علمية. وإنه من المستحيل أن يكتب إنسان في القرن السابع ميلاديًا كل هذه الحقائق من المجهولة آنذاك.. وإن صحة المعطيات الفيزيولوجية والجنينية في القرآن، ومعطيات علمية غيرها لا يمكن حصرها... لدليل واضح على أن القرآن كتاب منزل ( 6).
«وبالمناسبة نذكر- بن جلون -بأن الدكتور: بوكاي - تعلم اللغة العربية ودرسها وهو في الخمسين من عمره... ولم يقرأه من خلال الترجمات الغربية!»
- موقفه من الدين... ومن الصحوة:
يتلخص موقف بن جلون من الدين في جملة أوردها على لسان الأب المحتضر بالصفحة ١٩: «يجب أن يعايش الدين في صمت وتأمل، وليس في هذه الجلبة التي تكدّر صفو ملائكة القدر».
ومن ثم فهو يمقت ويبغض ويعادي أبناء الحركة الإسلامية، لأنهم حريصون على نسف هذه المقولة الجامدة؛ لوعيهم بخطورتها ودورها الانهزامي السلبي على مستوى النفس والمجتمع، ووعيهم أيضًا بنية وقصد وهدف المروجين لها من أبناء أمتنا خاصة.
وبالتالي فهم يسعون إلى تفجير التعاليم والمبادئ الدينية وتحريكها في الساحة، والخروج بها من دائرة الضمير إلى دائرة السوق، والشارع والمعمل والسلطة.
وبكلمة: إلى دائرة المجتمع لإصلاحه وتحريره وتنميته وتغييره.
وهذا الإخراج الاجتماعي الحركي للدين الذي تعمل الصحوة على تعميقه وترشيده وتوسيعه، يؤرق «العملاء» ويقلق «المستغربين» فقد جاء بالصفحة ٦٠:
«..... وأمقت الذين يستغلونه في تشويشات ويحدون من حرية التفكير... إنهم منافقون (!) ... مؤمنون متعصبون أو منافقون، لا يهم، إنهم يتشابهون وليست لي أية رغبة في معاشرتهم أنا أعرفهم جيدًا. لقد تعاملت معهم من قبل. إنهم يستندون إلى الدين للسحق والهيمنة. وأنا أستند حاليًا إلى الحق في حرية التفكير وحرية الاعتقاد أو عدمه. هذا لا يعني سوى ضميري!.
وبالصفحة ١٣٥ يتحدث عن المرأة المسلمة الملتزمة المتحررة من أفكار الهدم والفساد، بقوله: «.... كن جميعا دميمات، وينبعث منهن الضيق: طائفة من الأخوات المسلمات المتعصبات الشرسات كن قد أتين لتنفيذ مخطط واضح جدًا يتلخص في إيذائي وربما تشويهي أو تهديدي وتخويفي».
ولا ينسى أن يقدم خدمة مجانية لأسياده، وذلك بتحريضهم ضد الحركة الإسلامية، بإثارته للنعرة الصليبية عندما يلفت نظرهم إلى موقف القرآن، والمسلمين من النصارى: «.... لابد أن أذهب فالأطفال رهيبون... لكنهم يطرحون أسئلة مُرْبكة من قبيل: «هل حقًا سيدخل جميع النصارى النار» ص ٥٩
ويفضح إلحاده وفسوقه ونفاقه بما جاء بالصفحة نفسها «بما أن الإسلام هو أفضل الأديان، فلماذا انتظر الله طويلًا لكي ينشره» و «لماذا وصل الإسلام متأخرًا جدًا»؟!
- فرنسا تختار بن جلون لجائرة «جونكورد» لأنه يسب الإسلام في روايته.
- بن جلون يصف الآذان بنهيق الحمار وصورة من صور التلوث.
- خاتمة:
وبعد، لقد توسع بن جلون في سب الإسلام وأهله، ولم يخجل من فضح مواقفه التقدمية المهزومة من الألوهية والقرآن والدين، وبالتالي يكون قد ظلم نفسه وخان أمته، ولن تنقذه الجائزة يوم التغابن، ولن ينصره الغرب يوم الحسرة.
ومن جهتنا، لا يكاد يمر يوم، إلا ونزداد يقينًا من أن الغرب الصليبي يعرف كيف ينتقي عملاءه، ويصطفي أجراءه من أبناء جلدتنا، ويعرف أن يضع جوائزه وأمواله خارج حدوده، ومتى يوسّم ومن يوسم، ومن هم الجديرون بالتكريم والتتويج وأي الأعمال تستحق الشهرة والتلميع... ومن ثم يصبح عاديًا جدًا أن تحتوي القائمة على أسماء: سلمان رشدي، ونجيب محفوظ، وطاهر بن جلون.. وغيرهم كثير.
فسب الدين، واستنقاص مبادئه وتعاليمه، والطعن في رجالات الإصلاح والدعوة والتشكيك في القيم والمثل.. أصبح علامة مميزة وبارزة لاستحقاق التوسيم الغربي، وتأشيرة الانتماء والولاء لمعسكرات العداء الصليبي والصهيوني للإسلام والمسلمين.