; الطريق.. إلى حج مبرور.. رؤية جديدة.. لفريضة الحج | مجلة المجتمع

العنوان الطريق.. إلى حج مبرور.. رؤية جديدة.. لفريضة الحج

الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

تاريخ النشر الاثنين 17-ديسمبر-1973

مشاهدات 100

نشر في العدد 180

نشر في الصفحة 22

الاثنين 17-ديسمبر-1973

مضمون المحاضرة التي ألقاها الأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق بجمعية الإصلاح الاجتماعي مساء الأربعاء 13 من ذي القعدة سنة 1393 الموافق 5-12-1973.

الطريق.. إلى حج مبرور

رؤية جديدة.. لفريضة الحج

للأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق

كان المسلمون وما زالوا يفاضلون بين أعمال الإسلام، فقد سأل الصحابة- رضوان الله عليهم- رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن أفضل الأعمال، وذلك لحرصهم على الخير، وتنافسهم فيه، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة وآيات عديدة يستخلص منها أن الحج أعظم عبادة في الإسلام بلا منافس، وقد يكون هذا عجيبًا لأول وهلة، ولكن تعالوا نشاهد النصوص في ذلك:

1- جاء في الحديث المتفق عليه أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- سئل: أي العمل أفضل يا رسول الله؟ قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم أي؟ قال: «جهاد في سبيل الله»، قيل: ثم أي؟ قال: «حج مبرور»، ويظهر للنظر البادئ أن الحج في هذا الحديث بعد الجهاد في سبيل الله، ولكن جاء بيان هذا الأمر في الحديث الآتي:

2- روى البخاري بإسناده إلى السيدة عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: «لا، ولكن أفضل الجهاد حج مبرور»، وهنا يجعل الرسول- صلى الله عليه وسلم- الحج من جنس الجهاد، ويفضله على سائر أنواعه، وبهذا يعلم أن الحديث الأول الذي جعل الرسول- صلى الله عليه وسلم- الحج بعد الجهاد إنما هو من عطف الخاص على العام، وليس من عطف المتغايرات، فالجهاد لفظ جامع لكل جهد يبذل في سبيل الله قتالًا أو غيره يقصد به إعلاء كلمة الله، والحج في الذروة من ذلك لقوله- صلى الله عليه وسلم-: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور»، وهذا نص لا يترك في الحق شبهة ولا لبسًا.

3- هذا وقد ورد في شأن الحج أحاديث وآيات تبين أنه مكفر لكل الذنوب السالفة كقوله- صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»، «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

ولكن لا يختص الحج بهذا فقد جاء هذا في شأن عبادات كثيرة، كالصوم وقيام رمضان، وقيام ليلة القدر، بل وصلاة ركعتين لا يحدث المسلم فيها نفسه كما جاء في الحديث الصحيح: «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه»، وجاء أيضًا فيمن يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثًا وثلاثين ويكمل تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير أنه تغفر ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، بل وجاء على عمل دون ذلك وهو سقاية كلب كاد أن يأكل الثرى من العطش، فقد جاء في الحديث أن الله غفر بذلك لبغي من بغايا بني إسرائيل ، ولرجل آخر. بل إن ندمًا على ما فات من المسلم، وشعورًا بقرب الله ومراقبته، وعبرة تذرف خوفًا منه، لهي عند الله كافية في غفران الذنوب.

فما الذي إذن اختص به الحج حتى أصبح في ذروة سنام أعمال الإسلام وجعله الرسول- صلى الله عليه وسلم- أفضل الجهاد؟

في الحج منافع عامة للأمة بأسرها، ومنافع خاصة لكل حاج أخلص النية لله لا توجد في عبادة أخرى، وإليك بيان لهذا الإجمال:

1- أما المنافع العامة فكثيرة لا تحصى وقد دل الله على وجودها بأدلة كثيرة في كتابه عز وجل، نكتفي منها بآيتين الأولى قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: 97).

أما قوله تعالى ﴿قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ ففي هذا معان كثيرة إليك بعضها:

أولًا: القيام الدنيوي، وكان هذا ظاهرًا تمامًا منذ بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فكانت مثابة للناس وأمنًا ومصدر رزق لأهلها كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (القصص: 57)، وما زال هذا بحمد الله ظاهرًا إلى يومنا، وقد جاء في القرآن القيام بهذا المعنى الدنيوي كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء: 5).

وثانيًا: القيام الديني للأمة بأسرها.

فالكعبة والحج رمز لوجود الأمة وحياتها ووحدتها، ومظهر جلي واضح لأبرز شيء في عقيدتها ألا وهو التوحيد، فالإحرام والتلبية والطواف والوقوف والسعي مظهرًا ودعاء عملًا وقولًا تدل على شيء واحد وهو أن عقيدة هذه الأمة هي التوحيد الخالص لله رب العالمين. وهذا الذي فسر به ابن عباس- رضي الله عنهما- الآية وقال: «قيامًا للدين».

وثالثًا: القيام الفردي، وهذا يختص به الحجاج وحدهم، فأي عبادة في الإسلام قصد بها أولًا وقبل كل شيء آخر ربط قلبك بالله، وإشعارك بعظمته، وتعليمك خوفه وخشيته، فالصلاة كذلك والصوم كذلك، ولكن ليس هناك ما يهز مشاعرك ويحرك وجدانك ويهزك هزًا، ويشدك إلى الله شدًا، كهذه العبادة!

إن المسلم فيها ليلمس رهبة الله لمسًا ويشاهد عظمته عيانًا، ويحس قربه إحساسًا، وإني لأتكلم هنا من واقع التجربة، لا من أفق الخيال، وليست التجربة هنا ذوقًا ووجدًا، ولكنه شعور حقيقي يستند إلى الدليل الشرعي، والنص الجلي: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ (المائدة: 97).

فالحج نقلة هائلة في حياة المؤمن، وحد فاصل بين ما سبقه وما يليه، ومفرق طريق بين حياة سبقته وحياة تليه. والله يقول سبحانه لإبراهيم عند أول إعلام بافتتاحه: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج: 27 -28).

وهذه هي الآية الثانية، فأول هذه المنافع هذه النقلة الهائلة، وهذا التغيير المفاجئ ، وهذا التحول العجيب بين حياة تسبق الحج، وحياة تعقبه.

عقبات في طريق فهم الناس الحج واستفادتهم به

ولكن يحول دون هذه المنافع العظيمة عقبات ثلاث:

الأولى: جهل الناس بواقع الحج في الجاهلية، والذي جاء الإسلام، ونزل القرآن فأقر منه الأصيل، وحذف عنه الدخيل، والآيات التي نزلت تصحح هذا الواقع، لا يفهم منها في النظر البادئ ودون معرفة بما سيقت له، وما نزلت في شأنه، أقول: لا يفهم المقصود منها بالقراءة فقط، ومعلوم أن القرآن هو أصل الإسلام ومادته، وروح الإسلام وحياته، وأخذ معالم العبادة من غيره- عدا السنة- أخذ للجسم بلا روح وفهم لرسوم العبادة دون غاياتها وأهدافها.

فما معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (البقرة: 158)؟

فينفي- تبارك وتعالى- الحرج عمن فعل هذا، ومعلوم أن نفي الحرج لا يأتي إلا في شأن فعل أمر مباح أو مكروه، كيف والسعي بين الصفا والمروة ركن عند بعض الفقهاء ينهدم الحج بتركه، وواجب فرض عند البعض الآخر؟

وما المقصود بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (البقرة: 200)؟ فالله- سبحانه وتعالى- يأمرنا هنا أن نذكره بعد تمام المناسك كما نذكر الآباء وأشد من ذلك، ومعلوم في فطرنا أن الحاج يكون أكثر اشتياقًا لزوجته وأولاده منه لوالديه ولو كان بارًا بهما، فلماذا هنا؟

وما المراد من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ ﴾ (البقرة: 203)؟

فينفي سبحانه جل ذكره الإثم عن المتأخر، والإثم عن المتعجل وليسا سواء. وفي نظرنا البادئ: إذا اختلف أمران فإننا ننفي الإثم عن أحدهما فقط، فلماذا نفى الإثم عن الاثنين؟!

هذا وآيات أخرى في شأن الحج تحتاج من قارئ كتاب الله ودارسه أن يفهم الظروف والملابسات التي نزلت الآيات بشأنها، وإلا لم يفهم مراد الله- تبارك وتعالى- من كلامه.

وأما العقبة الثانية فهي هذا الاختلاف الكبير في شأن الحج وأعماله، فالحاج يذهب لأول مرة وقد تكون هي فرصة عمره، لا تسمح له ظروفه بغيرها، وقد قرأ قراءة سطحية عن الحج، أو سمع عنه شيئًا، ثم يدخل عندما يشرع في أعماله في دوامة وطوفان، طوفان من الآراء والأقوال المتضاربة.

فيسمع بأن هذا الفعل جائز، ويفتيه آخر بأنه لا يجوز، ويفتى أحيانًا بأن هذا الأمر بدعة، ويقول له آخر: بل هو سنة لا بد من فعلها، ويسمع هذه الألفاظ: التمتع، والقران، والإفراد، فمن قائل يقول له: اختر ما شئت منها والكل جائز، وقائل آخر يقول له: لا، بل لا يجوز لك إلا التمتع، وثالث يقول: بل الإفراد أفضل، ورابع يقول: بل القران هو الأولى والأحرى، وتصطرع كل هذه الأقوال في شأن واحد، فكيف ببقية أعمال الحج وهي كثيرة؟ أقول: تصطرع هذه الأقوال والآراء المتضاربة، ويكون المسكين غالبًا لم يفهم من دينه إلا القليل، فيقع في الدوامة التي تعصره، وبفقدانه هذا التفكر في مقصود الحج الأكبر تضيع عليه الفائدة أولًا، ثم يتشكك في دينه ثانيًا، وخاصة إذا أفتي بأنه قد بطل حجه؛ لأنه فعل كذا، أو أن عليه دمًا؛ لأنه قلع شعرة وهو محرم، ومثل هذه الفتاوى الباطلة يتطوع كثير من الجهال بتوزيعها وإشاعتها، فيعود المسكين وهو يرى أن ما أنفقه من وقت وجهد ومال قد ذهب مع الريح!

ويزداد الناس حيرة عندما يسمعون أن هناك خلافًا في شأن المناسك بين الصحابة- رضوان الله عليهم-، فيعلمون أن عثمان- رضي الله عنه- نهى عن المتعة في الحج، وأن عليًا- رضي الله عنه- قابله بعسفان، وعاتبه على نهيه هذا، ثم أعلن علي في الناس أنه مهل بحج وعمرة، وكذلك عندما يعلمون مثل هذا الخلاف بين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- الذي أراد أن يحمل الناس على إفراد الحج، وبين عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- وابن عباس اللذين كانا يأمران الناس بالتمتع في الحج.

وجهل عامة الناس بالمنهج السليم في أخذ الصحيح من هذه الأقوال ومعرفة طريق التوفيق بين ما اختلف منها هو العقبة الثانية في طريق أدائهم لحج مبرور، وفقدان هذا المنهج ليس على مستوى العامة فقط، بل وعند كثير ممن ينسبون إلى العلم، فما المنهج للخروج من هذا الخلاف ومعرفة الصحيح من الأقوال والآراء والاجتهادات؟ هل الكل صواب ولو كان هناك تناقض ولم يمكن الجمع؟! أم أن هناك طريقًا لمعرفة الحق والصحيح وترك غيره؟! هذا من الأمور التي حررت هذه الرسالة لبيانها وإيضاحها إن شاء الله تعالى..

وأما العقبة الثالثة فهي جهل عموم الناس بأسرار التشريع لهذه العبادة العظيمة؛ فأصبحت عندهم رسومًا لا يفقه معناها، وظواهر ميتة لا روح لها، وطريقًا مسدودًا بلا هدف ولا غاية، وقد ساعد على هذا الجهل أمران:

1- الأمر الأول: رجوع الناس في فهم هذه العبادة إلى الكتب المؤلفة في المناسك، هذه الكتب التي اهتمت- غالبًا- بإظهار ظاهر العبادة دون الالتفات إلى غاياتها وأهدافها، وحكمتها، أو أنها قد صورت غايات العبادة وأهدافها تصويرًا ساذجًا لا يستند إلى دليل شرعي ثابت، وإنما هي أحاديث موضوعة أو ضعيفة، فالحجر الأسود- يزعمون- أنه يمين الله في الأرض، والالتقاء في عرفات لأن آدم التقى بحواء فيها... ولذلك سأل الناس أنفسهم: ما الحكمة من الطواف والسعي والزحام في رمي الجمار ومبيت ليلة في مكان ما؟ ولما لم يجدوا الجواب الصحيح غالبًا أعياهم الفهم، ولم يبلغوا حب هذه العبادة والشوق إليها، بل لم يستطيعوا استساغتها وهضمها، وخاصة بعد فساد فكر المسلمين بما دس عليهم من شكوك وما جابههم من أباطيل، فما هي الحكمة من هذه المناسك العظيمة، وما الأهداف التي نصبت من أجلها؟!

وأما الأمر الثاني الذي ساعد على جهل الناس بحكمة التشريع فهو هذا الفساد العام في خلق الناس وتفكيرهم وممارستهم لمناسك الحج، فرؤية واحدة لمنظر الحيوانات المذبوحة التالفة والفقراء حولها يتضورون جوعًا تكفي لأن تقزز أكثر النفوس تجلدًا وصبرًا، ورؤية أخرى للجمرات وهي ترمى بكل شيء من السباب والشتائم والنعال تجعل الذي لا يعرف حقيقة الأمر يحكم جازمًا بأن المسلمين جماعات من الهمج، وأن عباداتهم ضرب من الشعوذة والتأخر والانحطاط.

وناهيك حول الكعبة من تصرفات تشوش عليك جمال العبادة، وحلاوة المناجاة.

فما السر في هذه المناسك؟ وما هو روحها الخفية التي يجب أن يحيا المسلم فيها ليبلغ الحج أثره؟ أو لتكون هذه النقلة في حياة الإنسان ؟ هذا ما أرجو أن أجلو شيئًا منه بتوفيق الله وعونه.

الحج في الجاهلية:

أعلى إبراهيم وإسماعيل بناء الكعبة بأمر ربهما- جل وعلا-، ودعوا الله ربهما أن يريهما مناسك الحج، فكان تشريع هذه المناسك وحيًا من الله- تبارك وتعالى- قال تعالى عن إبراهيم في دعائه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 128).

فتكفل الله بهذا البيان وشرع لهما- سبحانه- وللناس بعدهما مناسك هذه العبادة العظيمة، ولم يكن شيء من ذلك باجتهاد إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام-؛ لأنه لا اجتهاد في العبادة والقرب، وقد ورث العرب هذا الميراث الضخم وهو القيام على شؤون هذه العبادة واستقبال وفود المؤمنين من غيرهم لحج بيت الله، فقد حج موسى بن عمران- عليه السلام- ويونس وأنبياء كثيرون، وقطعوا فيافي الجزيرة صوب هذا البيت العظيم. ولكن بتقادم العهد، وطول الأمد ابتدأ التحريف في عقلية العرب واقتحمت البدعة عبادة الحج، وكان أول هذا الشأن من فعل عمرو بن لحي الخزاعي- عليه لعنة الله- الذي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عنه: «أول من بدل دين العرب عمرو بن لحي الخزاعي، ولقد رأيته يجر قصبه في النار»، يعني يجر أمعاءه. وذلك أنه كما ذكرت بعض الروايات سافر إلى أرض البلقاء «الشام» مستشفيًا من مرض ألم به في «الحمة» فشفى، ولكنه وجد أن أهلها ينصبون أصنامًا على عين الماء هناك فسألهم عنها فأخبروه أنهم يستمطرون، ويستشفون بها. فحمل منهم شيئًا من هذه الأصنام، ودعا لها بمكة ثم زاد في إدخال البدع ففرض لهذه الأصنام- بعد أن انتشرت عبادتها في العرب- القرابين من الأنعام وهي ما جاء ذكره في القرآن من البحيرة، والوصيلة، والحامي والسائبة. ولم تأخذ العرب هذه الأصنام على أنها بديل عن خالق السماوات والأرض الذي كانوا يؤمنون به سبحانه، بل على أنها وسائط تقرب إليه، ويستشفع بها عنده كما قال- تعالى- عنهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ (الزمر: 3)، وتعدت هذه الوساطة من الأصنام إلى الملائكة الذين زعموا فيما بعد أنها بنات الله وذلك بعد فساد عقيدتهم وتحولها.

وتبع هذا التحول العقائدي في فكر العرب تحريف عبادة التوحيد العظمى ألا وهي الحج فتلبس بها الشرك من كل جانب، فبعد أن كانت التلبية وهي شعار الحج هي التوحيد الخالص: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك»، زاد العرب على ذلك: «إلا شريكًا تملكه وما ملك»، ويعنون بذلك الملائكة الذين زعموا أنهم بنات الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا. وقد جاء الرسول- صلى الله عليه وسلم- ليرد الأمر إلى التوحيد الخالص بحذف هذه العبارة الشركية التي أضافها العرب إلى التلبية.

واندفع العرب في ابتداعهم في شأن عبادة الحج عبادة التوحيد لله رب العالمين، العبادة التي تعلم الناس أنهم لآدم لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى حيث يتجرد الملوك فيها من لباسهم ويلبسون لباس السوقة والعامة، ويتجرد فيها أصحاب السلطان من سلطانهم ويطوف الجميع طواف الذليل المحتاج حول بيت سيده الغني. أقول: عمدت قريش إلى نفي هذه المساواة أمام الله- سبحانه وتعالى- فجعلت لنفسها امتيازات خاصة ترفعت بها عن بقية العرب والحجاج، كان من هذه الامتيازات الطواف في ثوب!! فقد عمد الشياطين من قريش إلى إيهام الناس أن الثوب الذي يعصى الله فيه لا يجوز أن يطاف به، بل لا يجوز أصلًا أن يطوف ساترًا عورته حول الكعبة إلا قرشي، وأما الباقون فيجب أن يطوفوا حول بيت الله عرايا رجالًا ونساء، وإن كانوا قد سمحوا للمرأة أن تلبس درعًا «يعني ثوبًا لاصقًا بالبدن» ويجب أن يشق من الأمام أو الخلف!! ومن أراد أن يتكرم من العرب فيطوف بثيابه ولا يظهر عورته فيجب عليه أن يلقي ثوبه بعد أن يخلص من الطواف؛ لأنه يكون عندئذ من أنجس النجاسات، وكانت العرب تسمى هذه الثياب اللقى ولا يقربها أحد أبدًا.

والعجب أن هذه البدعة المنكرة لم ينته أمرها إلا في السنة التاسعة من الهجرة أي قبل حجة الوداع بعام واحد، حيث أرسل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبا بكر الصديق وعلي بن أبي طالب في بعث المسلمين للحج، وأمرهما أن يعلنا في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.

وأما الامتياز الآخر الذي اتخذته قريش لنفسها فهو أن لا تقف مع عموم الناس بعرفة لأن عرفات خارج الحرم، وقالوا: نحن أهل حرم الله وسكانه، وزعموا أنه لا ينبغي لهم أن يخرجوا منه ليقفوا في عرفات، وجاء القرآن ليبطل هذا الامتياز في شأن هذه العبادة وليعلن قول الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (البقرة: 199).

ولم تبطل هذه البدعة المنكرة إلا في حجة الوداع عندما دفع الرسول- صلى الله عليه وسلم- بناقته إلى عرفات بعد أن صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا في مسجد نمرة على حدود عرفة، فشدَه الناس لهذا، ولكنه- صلى الله عليه وسلم- أعلن في الناس ليقطع دهشتهم وحيرتهم: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف»، «خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا»، وفي قوله- صلى الله عليه وسلم- «خذوا عني مناسككم» تجميع لسلطة التشريع كلها في يده في شأن هذه العبادة التي ورثها العرب عن آبائهم وكانت لهم آراء فيه. يروي البخاري بإسناده عن جبير بن مطعم قال: أضللت بعيرًا لي فذهبت أطلبه يوم عرفة، فرأيت النبي- صلى الله عليه وسلم- واقفًا بعرفة فقلت: هذا والله من الحمس فما شأنه هنا. وأما الحمس فهو الاسم الذي كانت قريش تطلقه على نفسها أي أهل الحماسة والجد في طاعة الله.

استمرت بدعة عبادة الأصنام التي ابتدأها عمرو بن لحي الخزاعي حتى دخلت جوف الكعبة وعلت بناءها وغزت كل بيت من بيوت مكة، وتروي الروايات أن رجلًا وامرأة من أهل اليمن دخلا الكعبة ووجدا غفلة من الناس ففجرا فيها فمسخهما الله حجرين، فأخرجا للعظة والاعتبار ووضعا خارج الكعبة، ثم نصب إساف عند الصفا، ونائلة عند المروة، ثم تقادم العهد فتمسح بهما المتمسحون في الطواف بين الصفا والمروة وأصبح التمسح بهذين الحجرين جزءًا من العبادة الأولى التي شرعت أصلًا لتوحيد الله- سبحانه وتعالى- وإظهار الخضوع له، وجاء الإسلام فتحرج الصحابة من السعي بين الصفا والمروة ظنًا أن هذا من تشريع الجاهلية ومن تعظيمها للأصنام، فأنزل تبارك وتعالى قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (البقرة: 158)، فأخبر تبارك وتعالى أن السعي من المشاعر التي شرعها هو- سبحانه وتعالى- وأنه لا حرج ولا إثم على الطائف بهما، وكان نفي الحرج هنا على ما كرهه الأصحاب مما تلبس بهذه الشعيرة في الجاهلية، ولم يأت نفي الحرج على أصل الفعل وذاته وهو السعي، فالسعي من أركان الحج وأعمدته.

ولقد كان هناك جدل في الجاهلية حول أعمال كثيرة من الحج منها: أيام منى، فمن قائل إنها ثلاثة وإن التأخر أفضل، والتعجل إثم، ومن قائل إنها يومان وإن التأخر إثم والتعجل أفضل، فنزل النص ليبين أن لا إثم على المتأخر ولا إثم على المتعجل، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ (البقرة: 203).

وليعلن أيضًا أن من فعل هذا أو هذا- أعني التأخر أو التعجل- فقد تم حجه ورفعت آثامه ورجع كيوم ولدته أمه بشرط واحد وهو التقوى: ﴿لِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ (البقرة: 203).

وكان العرب في جاهليتهم ينتهون من أعمال الحج فيقيمون الأسواق للتجارة والشعر والمفاخرة، وتقوم حلبة التنافس للبحث عن أشعر شعراء الموسم كل عام، وكان جل شعر العرب مفاخرة بالأنساب والأحساب وفخرًا بالآباء، فأراد الله توجيههم إلى ما هو أعظم من ذلك فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (البقرة: 200).

وكانوا أيضًا في طوفان هذه الجاهلية قد نسوا الآخرة واستبعدوا قيام الأجساد من قبورها واستكثروا على الله قدرته على ذلك كما قال تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ (النمل: 66).

أي تدارك هذا العلم الذي خلفه إبراهيم وإسماعيل باليوم الآخر أي تناقص شيئًا فشيئًا، ثم وصلوا إلى مرحلة الشك وهي أدنى مراحل العلم، ثم وصلوا إلى العماية التامة من شأن الآخرة، وبعث الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهم على ذلك فجابهوه بالإنكار الشديد والتكذيب البليغ، ومع ذلك كانوا يحجون بيت الله، ولكن أحدهم بعد أن يقف تلك المواقف كلها ويطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ويرمي الجمار يرفع بصره إلى السماء ويقول: أي رب، لقد حججت بيتك، وقطعت الفيافي في سبيلك، فوقفت بعرفة، وبات بالمزدلفة، ورميت الجمار فهب لي إبلًا وغنمًا، وزوجة جميلة، وأولادًا كثرًا، واجعلني في خير ومنعة. ثم يعود إلى بلدته وموطنه، ولم يطلب من الله نجاة من النار ولا فوزًا بالجنة، ولذلك قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (البقرة: 200 - 201).

فأرشد- تبارك وتعالى- المؤمن في ختام الحج أن يطلب الدنيا والآخرة، ولذلك كان هذا دعاء النبي- صلى الله عليه وسلم- في الطواف بين الركنين اليمانيين.

ولذلك أيضًا سألت السيدة عائشة- رضي الله عنها- رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن عبد الله بن جدعان وكان من أثرياء مكة، فقد كان يذبح للحجاج كل يوم مائة من الإبل ويطعمهم إياها حسبة لله: أينفعه ذلك عند الله؟ قال- صلى الله عليه وسلم-: «لا، إنه لم يقل يومًا رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»، أي أنه كان مكذبًا بالبعث فلا ينفعه ذلك عند ربه تبارك وتعالى.

هذا آخر شيء من سالف هذه العبادة في الجاهلية وبيان لتقويم الله تبارك وتعالى لشأنها وشأن أهلها، وبذلك تستطيع- إن شاء الله- أن تفهم كلام ربك- تبارك وتعالى- في شأن الحج، وتنحل عندك أولى العقبات في سبيل فهمك لهذا المنسك العظيم.

(الحلقة الثانية في العدد القادم).

الرابط المختصر :