; الطمع في رمضان | مجلة المجتمع

العنوان الطمع في رمضان

الكاتب تيسير الزايد

تاريخ النشر السبت 29-أغسطس-2009

مشاهدات 62

نشر في العدد 1867

نشر في الصفحة 38

السبت 29-أغسطس-2009

رجاء رحمة الله ومغفرته وتوقع الخير.. من مظاهر الطمع المحمود في شهر الصيام.

الذكر والتسبيح والإحسان والاستغفار مطمع كل صائم حريص على استثمار رمضان.

الإخلاص في كل الأعمال الخاصة بالعبادة والعمل والأسرة والمجتمع.. من صور الطمع المرغوب فيه.

«طمع»، و«طماع»، و«يطمع»، كلمات سمعناها كثيرًا منذ الصغر، وكثيرًا ما ارتبطت في ذهننا بشيء مذموم علينا ألا نتصف به، ولكننا في رمضان هذا العام سنرفع شعار الطمع أسوة بنبي الله إبراهيم عليه السلام الذي قال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (الشعراء:82).

الطمع: الرغبة في الشيء واشتهاؤه، والطمع أكثر ما يستعمل في كلام العرب في الأمر المحتمل حصوله، وقد يستعمل بمعنى الأمل، ولهذا يقولون لمن أمل أمرًا بعيد الوقوع: «طمع في غير مطمع».

وهناك طمع محمود، وهو رجاء رحمة الله وتوقع الخير، وطمع مذموم، وهو الرغبة في الزيادة في كل شيء مع مراقبة الغير وإنهاك النفس بالسعي وراء زينة الدنيا والغفلة عن الآخرة مما يسبب القلق والتوتر.

شعارنا هذا العام هو الطمع المحمود، الطمع مع العمل الطمع في مغفرة الله والطمع فيما يقربنا إلى مغفرة الله ومحبته والبحث عن الأعمال التي تدعم هذا الطمع.

في السطور القليلة القادمة سنذكر بعض المجالات التي سنعاهد النفس أن نزيد من قوة العمل بها، مع الرجاء بقبول الله لها ومغفرته لنا.

التأهيل المبدئي

أمور يفضل أن نبدأ بها:

1- نظرة سريعة إلى الوراء، بالطبع نحن لا نشجع الوقوف وإطالة النظر إلى الخلف مما قد يعيق تقدمنا إلى الأمام، ويمنع مضينا قدما في هذه الحياة، ولكن ما نقصده هنا هو مراجعة سريعة لرمضان الماضي، والبحث عن الشيء الذي مضى رمضان دون أن ننجزه، وشعرنا بالحزن والغضب بعدها؛ كوننا لم نقم بهذا العمل وعندما نعرفه علينا العودة سريعًا إلى «الآن» والتخطيط للقيام به، بل العكس صحيح أيضًا، وهو البحث عن عمل شعرنا أنه غير فينا الكثير، وأفاد من حولنا ونحاول أن نكرر العمل أو نطوره، المهم هو سرعة التقييم للماضي وسرعة العودة إلى الحاضر والعمل على إنجاز ما نراه مناسبًا.

۲ – النية: بعد نظرة سريعة على الماضي والتخطيط في الحاضر والعمل للمستقبل؛ علينا أن نعاهد الله وأنفسنا على المضي قدمًا نحو الصراط المستقيم، وأن ننوي أن تكون أعمالنا كلها لله وإلى الله، وأن نتعاهد لفعل عادات إيجابية جديدة، ونتخلص من نواقص قديمة، وننوي إخلاصًا في كل عمل: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (البينة: ٥).

ويقول الرسول : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه».

3- حسن الاختيار: «الصلاة خير من النوم، لا أدري لماذا عندما أسمع تلك العبارة في صلاة الفجر أشعر بأن الحياة تقدم لنا الكثير من العروض والمنح، وعلينا أن نقيم هذه العروض ونختار الأفضل لحياتنا وآخرتنا؟ فمثلا هناك صلاة فجر ﴿... وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (الإسراء:78)، ونوم لا يشوبه استيقاظ في منتصف الليل، وهناك الكثير من الاختيارات المختلفة، فمثلًا هناك برنامج ديني ومسلسل تلفزيوني، هناك صلاة في مسجد وصلاة في بيت هناك قيام ليل ونوم مريح هناك تراويح وراحة بعد الإفطار، وهناك ذكر ونميمة والكثير من الأشياء التي ستجد نفسك أمامها وعليك أن تختار من بينها، والعاقل من تذكر ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿7﴾ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ﴿8﴾ (الزلزلة).

٤- التطبيق العملي: عندما كنا على مقاعد الدراسة كان لأية مادة علمية كتابان كتاب نظري وكتاب عملي، ونحن في رمضان هذا سنفتح الكتاب العملي لنحاول تطبيق أغلب المواد التي قرأناها طوال الفترة السابقة فالذكر لن نفصله كمعنى ولكن كعمل، وكذلك التسبيح والإحسان والإخلاص.

مجالات للطمع

١ - الذكر: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ ﴿124﴾ ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ ﴿125﴾ ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ ﴿126﴾ (طه).

الذكر هو نشاط دائم يقوم به المسلم طوال يومه، فالتسبيح ذكر، والاستغفار ذكر والنصيحة ذكر وقراءة القرآن ذكر والتفكر في السنوات والأرض ذكر، والصلاة ذكر، ومدارسة العلم ذكر.

يقول ابن القيم يرحمه الله تعالى: «ليس المراد بالذكر ذكر اللسان، بل الذكر القلبي اللساني».

وما نريد أن نستزيد منه هنا الذكر القلبي اللساني، الذكر المقرون بالعمل والذي تصدقه الجوارح، الذكر الذي نشكر الله من خلاله على نعمه علينا ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ (البقرة:152).

٢ – التسبيح:

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (الكهف:46).

وقد فسر بعض المفسرين الباقيات الصالحات فقال: هي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، فنحن من خلال تسبيحنا الله وتحميدنا له سنعرفه، وإذا عرفناه أطعناه وعبدناه حق عبادته لنحقق الهدف من وجودنا، لتنال رضا الله وجنته.

ولسنا نحن فقط من يسبح لله ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (الإسراء:44).

وملخص التسبيح كما عرفه د. محمد راتب النابلسي وهو يفسر سورة التغابن هو: تنزيه لله عما لا يليق به، ووصفه بكمالاته التي تليق به، ومن ثم الخضوع له.

«كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» (متفق عليه).

3- الإحسان:

للإحسان مفهوم واسع ومجاله كبير، ويشمل الكثير من الأمور فمن قوله تعالى: ﴿۞ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ (يونس:٢٦).

حتى قوله : «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَل كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقَتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحد أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ».

والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

وللإحسان أشكال كثيرة: كالإحسان بالمال، وقضاء حوائج الناس، أو تعلم العلم وتعليمه وعيادة المريض، وإرشاد الناس للصواب والوقوف مع المحتاج والمهموم والإحسان إلى الأبناء وحسن تربيتهم وحسن التعامل معهم، والإحسان إلى شريك الحياة الزوجية والوالدين والجيران والإحسان إلى كل مخلوقات الله تعالى.

إحسانك أيضًا يشمل جوارحك؛ فتحسن لعينك بغض البصر، وتحسن للسانك بعدم الغيبة وبقول الكلمة الطيبة، وتحسن ليدك بتقديم الصدقات وهكذا ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (القصص: ۷۷).

٤- السجود:

﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ ﴿97﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾ ﴿98﴾ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ﴿99﴾ (الحجر).

وصفة أهداها الله لنبيه عندما ضاق صدره، وهي التسبيح والسجود، هل لنا أن نتبعها؟

أليس غاية أمانينا أن ندخل الجنة ونرافق نبينا؟ كما في حديث ربيعة بن كعب الأسلمي حين قال: يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أغير ذلك»، قال: لا أسألك غير ذلك، قال: «أعني على نفسك بكثرة السجود»، يعني كثرة الصلاة.

وهذا، لأن «ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه بها درجة وحط بها عنه خطيئة» كما جاء على لسان رسولنا القدوة .

فالسجود يمكن أن يكون صلاة نوافل وتراويح وقيامًا وسجود شكر؛ لأننا مسلمون.

٥- الإخلاص:

الإخلاص أن يكون قصد الإنسان في حركاته وسكناته وعباداته الظاهرة والباطنة خالصة لوجه الله تعالى لا يريد بها شيئًا من حطام الدنيا أو ثناء الناس.

والصيام عبادة الإخلاص، فأنت وحدك الذي يراقب نفسك، ولا يوجد أحد يمكن أن يجبرك على عدم الأكل، وعندما تخلص في صيامك فهذا يُترجم إلى محبة الله والطمع في مغفرته وثوابه «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» (متفق عليه).

قال ابن القيم رحمه الله: فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين، واحدة وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض.

والإخلاص يشمل كل الأعمال سواء الخاصة بالعبادة، أو العمل، أو الأسرة، أو الأبناء، أو علاقاتك مع الآخرين.

اسأل نفسك قبل أداء أي عمل: لماذا ستقوم به؟ وماذا تقصد من ورائه؟ فإذا كان لغير وجه الله؛ فوفّر مجهودك لشيء آخر ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ (الزمر:2).

6 - الاستغفار:

رمضان فرصة لأن نكثر من الاستغفار والندم على كل تقصير قمنا به، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران:135).

وروى الخطيب البغدادي عن أنس قال: كنا مع رسول الله في مسير فقال: «استغفروا» فاستغفرنا فقال: «أتموها سبعين مرة»، قال: «فأتممناها سبعين مرة»، فقال رسول الله : «ما من عبد ولا أمة استغفر في كل يوم سبعين مرة إلا غفر الله له سبعمائة ذنب وقد خاب عبد أو أمة عمل في اليوم والليلة أكثر من سبعمائة ذنب».

رمضان فرصة للقيام بين يديه سبحانه وتعالى؛ نصلي القيام وندعوه، قال رسول الله : «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له» (رواه مسلم).

رمضان فرصة لزيادة الرزق والشعور بزوال الهم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : «من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب».

ولندعو الله بدعاء سيد الخلق: «اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا» (أخرجه أحمد وابن ماجه).

(*) كاتبة كويتية

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

222

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!

نشر في العدد 4

118

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الوحدة وصلاة الجماعة في المدارس

نشر في العدد 3

135

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة