العنوان العار الذي لحق بالأمة
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1993
مشاهدات 219
نشر في العدد 1034
نشر في الصفحة 27
الثلاثاء 19-يناير-1993
صرخات البوسنة: شهادات عن الاغتصاب المنظم في ظل الصمت الدولي
شهادات تهز الوجدان من البوسنة
إن ما رأيته في
البوسنة والهرسك لا يمكن أن أنساه أبدًا. لقد رأيت صورًا لم أرها على أية شاشات
تلفزيونية غربية أو شرقية، وأتحدى إن كانت عند هؤلاء الجرأة أو الشجاعة لبثها. لقد
رأيت الكثير ممن هُتكت أعراضهن من النساء المسلمات، ومنهن من تحمل العار في بطنها
ولم يبق على ولادته سوى أسابيع. لم تكن هذه شهادة رجل مسلم بوسني أو عربي يرويها
للمسلمين حتى يبين لهم حجم المأساة ومقدار العار الذي لحق بالأمة على يد مجرمي
الحرب حتى يستحث الهمم ويستجيش العواطف، ولكنها كانت شهادة السيد شفارتز عضو
البرلمان الألماني الاتحادي وأحد الأعضاء البارزين في الحزب الديمقراطي المسيحي
الحاكم في ألمانيا. وبالتالي، فهو رجل لا تربطه بمسلمي البوسنة أي رابطة سوى
الرابطة الإنسانية. وكان يتحدث بهذه الكلمات على شاشة التلفزيون الألماني بصوت
متحشرج ودموع تندفع من عينيه.
ثمار العار وهروب الناجيات
على الجانب
الآخر، كانت أربع نساء مسلمات بوسنيات يضعن في أحد مستشفيات زغرب أول ثمار العار
الذي لحق بالأمة على يد مجرمي الصرب، وكان هؤلاء من أوائل النساء المسلمات اللاتي
اغتصبن على أيدي مجرمي الحرب في أبريل الماضي. وأعلنَّ جميعًا عدم رغبتهن في
الاحتفاظ بما ولدن بعدما أُجبرن على حمل العار في أحشائهن طول هذه الفترة، ومن يستترن
ممن يعرفن وممن لا يعرفن من الناس. بل إن إحداهن وعمرها لم يتجاوز السادسة عشرة
(16) قد هربت من مستشفى بتروفا في زغرب عاصمة كرواتيا بعد ثلاثة أيام من ولادتها،
وخرجت هائمة على وجهها في مدينة لا تعرفها ولا يعرفها أحد فيها، لشعورها بالخزي
والعار والهوان الذي يلاحقها بعدما حملت بعد اغتصابها على أيدي مجموعة من المجرمين
الصرب.
إحصائيات مرعبة وصمت العالم
وقد نشرت منظمات
حقوق الإنسان والمجموعة الأوروبية ومجلس الكنائس العالمي ووسائل الإعلام الغربية
تقارير رهيبة موثقة ومؤكدة عن عمليات الاغتصاب المنظم التي يتعرض لها النساء
المسلمات في البوسنة والهرسك على أيدي مجرمي الصرب منذ أبريل الماضي، دون أن يتحرك
العالم الإسلامي لمحو هذا العار الذي لحق بالأمة. ولعل ما نشرته مجلة
"نيوزويك" الأمريكية في عددها الأخير وقبلها "نيويورك تايمز"
و**"الجارديان"** البريطانية، وغيرها من كبريات الصحف ووسائل الإعلام
العالمية من إحصائيات وأرقام وروايات عن حوادث الاغتصاب التي يتعرض لها المسلمات
في البوسنة يندى لها جبين كل مسلم. حيث وصل الأمر إلى حد اغتصاب فتيات لا تزيد
أعمارهن عن ست وسبع (6 و 7) سنوات.
تقول الصحفية
الأمريكية داركوليل في تقرير نشرته "نيويورك تايمز" الأمريكية في منتصف
ديسمبر الماضي أن عدد النساء المسلمات المغتصبات في البوسنة والهرسك يثير
القشعريرة، إذ تشير تقديرات وزارة الداخلية في البوسنة والهرسك إلى أن عدد النساء
المغتصبات يُقدر بخمسين ألف (50,000) امرأة وفتاة، أصبح عدد كبير منهن حوامل لأن
الصرب يتعمدون ذلك. وهناك مخاوف من أن أعداد النساء المسلمات المغتصبات قد تتزايد
كل يوم. وتشير تقارير مختلفة أخرى إلى أن الأرقام ربما تفوق ذلك، لأن نسبة عالية
من النساء المسلمات اللائي تعرضن للاغتصاب لم يتم حصرهن، إما لأن الجنود الصرب
كانوا يقتلونهن بعد الاعتداء عليهن، وإما لأن كثيرًا منهن يرفضن الكلام خوفًا من
الفضيحة والعار، ولا يتم اكتشاف حالات كثير منهن إلا بعد اضطرارهن لمراجعة
المستشفيات بعد ذلك، حيث يتضح أنهن قد حملن أو أصبن بتشنجات ومضاعفات نفسية بسبب
اغتصابهن.
السادية الصربية ونخوة ميرزا
وتشير
الدبلوماسية البريطانية آن ووبرتون في تقريرها الذي رفعته للمجموعة الأوروبية في
الأسبوع الماضي إلى أن جرائم الاغتصاب التي ارتكبت في حق النساء البوسنيات قد
اتسمت بالسادية لإحداث أكبر قدر من الإذلال للنساء المسلمات وإجبارهن على النزوح
عن موطنهن الأصلي، ومن ثم ملاحقة الذل والعار للمسلمين أينما كانوا. لذلك لم أتعجب
لمقولة رجل بوسني مسلم جاوز الستين (60) يدعى "ميرزا" وكان يعمل نجارًا،
وهو يقول لأحد الصحفيين الغربيين الذين زاروا مخيم اللاجئين الذي يقيم فيه في
كرواتيا: "إنني أتمنى لو لم أكن رجلًا.. إنني أستحي من كوني رجلًا أمام
الفتيات والنساء المسلمات اللاتي اغتصبهن الصربيون في البوسنة، وذلك كلما رأيت أو
مررت بواحدة منهن. لقد كنت وأنا في المعتقل أسمع صراخهن واستغاثتهن كل ليلة دون
انقطاع، وجنود الصرب يعبثون بهن لكني كنت مقيدًا ولا أقوى على الحراك".
نداءات مستغيثة وغياب نخوة المعتصم
أما أحد القادة
المسلمين فيقول مستغيثًا: "إذا أردتم تقديم مساعدة لنساء البوسنة فلترسلوا
السلاح لرجالها حتى يدافعوا عنهن وعن أعراضهن"، وأعتقد أن هذا الكلام موجه
للمسلمين قبل غيرهم. أما "ناسا" إحدى النساء المسلمات التي اغتصبت مع
ابنتها التي لا تتجاوز الأربعة عشر (14) ربيعًا، فقد قالت متسائلة بصوت كسير
لمندوبة صحيفة "الجارديان" البريطانية: "إذا كانت النساء المسلمات
في البوسنة يغتصبن على هذا النحو ألا تعتقدين أن أعراض المسلمين جميعًا قد
انتهكت؟".
إن استغاثة
امرأة مسلمة واحدة كشف أحد اليهود سوءتها ليضحك الناس عليها في سوق
"عمورية" جعلت الخليفة المعتصم يحرك جيشًا جحفلاً من المسلمين أوله عند
أسوار عمورية وآخره على أسوار دار الخلافة، ليرد عن الأمة الإسلامية أي عار يمكن
أن يلحق بها على صفحات التاريخ. أما أصوات صراخ واستغاثة نساء البوسنة المسلمات
فإنه يقرع آذان المسلمين في طول الدنيا وعرضها دون أن يصادف بعد نخوة تزيل العار
عن خير أمة أخرجت للناس، كما أزالته نخوة الخليفة المعتصم من قبل. وهم لا يريدون
جيشًا مثل الذي سيره المعتصم، وإنما يريدون السلاح فقط ليدافعوا به عن أعراضهم
وأنفسهم... فأين أنت.. أين أنت.. أين أنت يا نخوة المعتصم؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل