; العالم الفقيه .. والداعية المجاهد | مجلة المجتمع

العنوان العالم الفقيه .. والداعية المجاهد

الكاتب صلاح عبدالمقصود

تاريخ النشر السبت 24-يناير-2004

مشاهدات 92

نشر في العدد 1586

نشر في الصفحة 43

السبت 24-يناير-2004

كثيرا ما يحتاج الدعاة إلى مدارسة سير العلماء المجددين، والدعاة المجاهدين، والمصلحين الصادقين ليأخذوا منها الزاد ويشحذوا الهمم للسعي في طريق الله.

 تذكرت هذا المعنى وأنا أشارك في جنازة الفقيد الكبير، والعالم الجليل فضيلة المستشار محمد المأمون الهضيبي.

 شعرت أن من علامات القبول عند الله لهذا الداعية - نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا - تلك الحشود الهائلة التي تدافعت لتشييع جنازته وسارت خلف جثمانه لعشرات الكيلو مترات حتى وارته الثرى ودعت له بخير، ثم العزاء الذي شارك فيه الآلاف من مختلف طبقات الأمة، وتلك الوفود التي جاءت من خارج مصر لتقديم العزاء. إنه تكريم عظيم للدعوة والدعاة يدل على تقدير الأمة لدعاتها الصادقين المخلصين وهو استفتاء على مكانة العلماء في قلوب الناس، استفتاء حقيقي لا تزوير فيه ولا تضخيم، وصورة طبيعية لا تحسين فيها ولا تجميل، وواقع رآه الناس بصورة ملموسة لا وهم فيها ولا خيال.

كان المستشار المأمون الهضيبي - يرحمه الله - نموذجًا للدعاة الصادقين، قضى حياته في خدمة دينه ودعوته، وتعرض في سبيل ذلك للعديد من الابتلاءات والمحن، فما غير ولا بدل، بل ظل ثابتًا على دعوته قابضًا على دينه حتى لقي ربه راضيًا.

الهضيبي... القاضي الفقيه، والعالم الموسوعي، والمصلح الاجتماعي الذي يقتحم كل المنتديات بلا خوف ولا وجل ويخالطها بسمت الداعية المعتز بدينه الواثق بشريعته.

رأيناه يقود أكبر فريق برلماني في مجلس الشعب المصري ۱۹۸۷م منافحًا عن الشريعة مدافعًا عن القيم رأيناه فقيهًا شرعيًا ودستوريًا وقانونيًا، ورأيناه سياسيًا محنكًا. ورأيناه داعية إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ورأيناه مجادلًا لمخالفيه بالتي هي أحسن.

تحدث عنه من رافقوه وعايشوه، فوصفوه بأنه كان قوامًا بالليل، صوامًا بالنهار، له مع ربه كل ليلة ساعتين قائمًا مستغفرًا متبتلًا.

اتخذ المشاركة في العمل العام سبيلًا للدعوة إلى الله، فكنا نراه مرتادًا للنوادي محاضرًا، والمقاهي - في جولاته الانتخابية. واعظًا ومذكرًا، والمقرات الأحزاب مشاركًا للتيارات السياسية والحزبية، معبرًا عن دعوة الإسلام ورؤيتها لمختلف القضايا. 

وكان دائمًا يحرض أبناءه وتلامذته على المشاركة في العمل العام، وخدمة المجتمع والدفاع عن قضاياه والتصدي لمشكلاته.

 كان يؤمن بالدعوة بمفهومها الشامل عبر المساجد والجامعات والنوادي والنقابات... الدعوة في البيت والشارع والمقهى والمتجر. 

رفع شعار الإسلام هو الحل لقضايا الأمة ومشكلاتها، وسعى إلى ترجمة الشعار إلى العديد من البرامج في مجالات الشورى والحريات العامة والسياسة والاقتصاد والتربية والثقافة والاجتماع والعمران والبطالة والبيئة.

كان من أشد الدعاة المتحمسين لدور المرأة المسلمة في الدعوة إلى الله وإصلاح المجتمع، باعتبارها تمثل نصف المجتمع وتربي وترعى النصف الآخر، ودافع عن حقوقها العامة وترجم هذا الدفاع إلى واقع عملي.

 أعطى بعض وقته للرد على المرجفين الذين حاولوا تشويه الإسلام فكتب وناظر وألفَ واجتهد ونشر العديد من الدراسات والمقالات التي تكشف حقيقة الإسلام لأبنائه الجاهلين أو أعدائه الحاقدين.

الداعية الهضيبي - الذي قاد أكبر جماعة إسلامية في العالم الإسلامي - لم ينعزل عن قضايا الأمة، بل كان في مقدمة المدافعين عنها، رأيناه في الشهور الأخيرة يقود تجمع إستاد القاهرة الدولي الذي احتشد فيه مئات الألوف دفاعًا عن فلسطين والعراق، ورأيناه يقود تظاهرة الأزهر التي شارك فيها عشرات الألوف.

وكان آخر مواقفه الدفاع عن حق المسلمات في فرنسا في ارتداء الحجاب. رحم الله الداعية المجاهد، والفقيه المتواضع، والعالم الجليل، الذي ظل طيلة حياته يردد الله غايتنا، والرسول قدوتنا والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا.

رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، وعوض الدعوة الإسلامية فيه خيرا.

 

الرابط المختصر :