; العالم المجاهد الجزائري المسلم الشيخ عبد اللطيف السلطاني رحمه الله | مجلة المجتمع

العنوان العالم المجاهد الجزائري المسلم الشيخ عبد اللطيف السلطاني رحمه الله

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مايو-1984

مشاهدات 66

نشر في العدد 672

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 22-مايو-1984

  • على الرغم من الموجة الإلحادية الحادة وقف الشيخ لينير الأذهان ويتحدى الباطل ويكشف زيفه

انتقل يوم الخميس ١٠ رجب ١٤٠٤ هـ - ١٣ أبريل ١٩٨٤م إلى رحمة ربه العالم المجاهد عبد اللطيف بن علي السلطاني، متأثرًا بإصابته التي تلقاها أثناء التعذيب في العام الماضي، وذلك بمنزله في حي القبة بالجزائر العاصمة، حيث كان تحت الإقامة الجبرية، بعد خروجه من محنة التعذيب التي دامت أسبوعين أو ثلاثة، ووفاء ببعض حقه علينا رأينا أنه من الواجب كتابة شيء عن حياته وآثاره وجهاده.

  نشأ الشيخ يتيمًا محرومًا من الحنان الأبوي، وفتح عينيه على الاستعمار الفرنسي في الجزائر الذي مارس كل أساليب المسخ والتشويه لهذه الأمة وعقيدتها، رأى فرنسا تسمي بلاده ب «الجزائر الفرنسية» وتبتز خيراتها بجشع كبير، وتعمل عملا دؤوبًا لمسخ عقيدة أمته وطمس حضارتها، رأى أمته جاهلة بعقيدتها مع شدة حنينها إليها، وعاش معها الفقر المدقع الذي لا يترك للإنسان ما يأكله طيلة يوم وليلة، ولا ما يلبسه إطلاقًا، ومع شدة الفقر والجهل والعبودية للمستغرب ذهب أبناء أمته إلى المدارس الحكومية الاستعمارية، حيث يدرس تاريخ الشعوب الأوروبية، أما المسلم فهو رمز الحقارة والذل والجهل والتخلف، ولا يستحق مجرد الذكر، وصورة الإنسان المسلم في الكتب المدرسية من المستحيل أن تخرج عن إطار الصحراء، ولا عن إنسان يلبس جبة فضفاضة وقلنسوة على رأسه، يطارد الأفناك والحيوانات الصحراوية وهو حافي القدمين!!

 والده الشيخ علي «ابن السلطاني» وهب كل حياته للعلم، بين التعلم والتعليم، حتى فارق الحياة المملوءة بالأتعاب راضيًا مرضيًا عليه.

عاش داعيًا إلى الله، ومحاربًا للباطل وأنصاره، لا تأخذه في تلك لومة لائم، لم يسعد ابنه «عبد اللطيف» بالتعرف على شخصه وملامحه، وإن كان لمس آثار أعماله، ورأى تأثيرها في أهل زمانه

صمم الولد «عبد اللطيف بن علي بن أحمد «السلطاني» «القنطري» على أن يواصل درب أبيه، ولذلك يبدو أنه أخذ مبادئ اللغة العربية والعلوم الشرعية في الجزائر وهو صغير، إلا أن الثابت عنه أنه درس في جامع الزيتونة بتونس ابتداء من سنة (١٣٤٨هـ - ١٩٢٢م). وفرصة الدراسة هذه جعلته يتعرف على الحركة الإصلاحية عن كثب، ويعيش معها خطوات حاسمة، ويشارك في أحداث سياسة خطيرة، فتراه يذكر نتفا منها في كتبه كلما كانت الفرصة مواتية.

 يقول: «مظاهرة المرسى - مثلا - في عام ۱۹۲۲م عندما تنازل المرحوم «الناصر باي» عن كرسي العرش التونسي غضبًا على فرنسا التي لم تف بوعودها، تلك المظاهرة معروفة غير خافية عن الوطنيين التونسيين الصادقين لا المحترفين، فقد ذهب المتظاهرون وفيهم الكثيرون من أساتذة الزيتونة وطلابها من تونس إلى المرسى - مقر سكنى الباي - مشيًا على الأقدام، والمسافة بينهما في حدود العشرين ميلا، ومن ورائهم خيول جيش الاستعمار الفرنسي تدوسهم بسنابكها والجنود فوق متونها، ذهبوا إلى «الباي ليطلبوا منه الرجوع عن تنازله».

«وكذلك المظاهرات المتعددة التي نظمت بمناسبة تنصيب وإقامة تمثال الداعية المسيحي الكاردينال «لا فيجري» في أول مدخل المدينة العربية، وفي النهج المؤدي إلى جامع الزيتونة بعد باب البحر مباشرة، وهو واقف على قاعدته وبيده كتاب الإنجيل، وقد عد الوطنيون هذا العمل عملًا موجهًا ضد الإسلام، وبالقرب من أحد معاقله الكبيرة، فدعوا إلى المظاهرة، وطاف دعاتها على مدارس سكنى الطلبة الكثيرة طالبين منهم المشاركة فيها، فلبى طلبة الزيتونة الدعوة مسرعين، وفيهم الكثيرون من دعاتها، وقد نالهم من عصى البوليس الفرنسي وسجنه الشيء الكثير، ولم يكن من بين المتظاهرين طلبة المدرسة الصادقية، ولا العلوية، ولا ترشيح المعلمين، وهي المدارس ذات التعليم المزدوج اللغتين، كل ذلك راجع إلى الروح التي يتحلى بها الطالب الزيتوني، وكنت وأنا جزائري - ممن شارك في بعضها. (....).

«ومنها مظاهرة وقعت في إحدى الليالي - من أجل وضع الكاردينال لا فيجري على قاعدته - ابتدأت سيرها من قرب جامع الزيتونة وبالأحرى من مدارجه وما حولها، وفي المقدمة الطلبة الزيتونيون، وكان من قادتها صديقي المرحوم الشيخ العربي القروي «صاحب: الخلاصة الفقهية في فقه السادة المالكية» وغيره وذلك سنة ١٩٣٦م (....) وذهبت إلى القصبة - مقر الحكومة التونسية - مارة بمحافظة الشرطة، ثم فرقها البوليس الفرنسي بعد أن أسمعت صوتها لمن يهمه ذلك.

«هذه هي الجامعة الزيتونة كما عرفتها من سنة (١٣٤١ هـ - ١٩٣٢م) وهذه هي آثارها  في الميادين كلها سواء منها العلمي أو الوطني أو السياسي».

 ويتحدث عن الداعية الإسلامي في تونس الشيخ عبد العزيز الثعالبي فيقول: «ولم ننس مواقفه «أي بورقيبة» ... مع الزعيم الإسلامي الخالد المرحوم الشيخ عبد العزيز الثعالبي - رحمه الله - حين رجوعه من منفاه في صيف ۱۹۳۷م ، وكيف عمل على إبعاده من الميدان السياسي بأساليب المراوغة والتزوير، والشيخ الثعالبي- تلكم الرجل العظيم- هو الذي أنشأ حزب الدستور التونسي سنة ١٩٢٢م، ثم نفته فرنسا فطاف جميع بلدان الشرق الإسلامي، ولم يرفع عنه حجر العودة إلى مسقط رأسه إلا في سنة ۱۹۳۷م، فلما عاد وجد بورقيبة عمل على تقسيم الحزب إلى قسمين القديم والجديد، فاستقل بالجديد وتزعم حركته واستعملها لنفسه، وعند الله تجتمع الخصوم».

ويقول عن جامع الزيتونة (....) وقد زرت تونس في صيف ١٩٦٦م فأحزنني ما رأيته في جامع الزيتونة من فراغ وهجر وغشيان السواح الأجانب له، فكان الجامع متحفا من المتاحف، بعد أن كانت تلقى فيه الدروس الدينية من علماء زينوا تونس للقاصدين».

  • رجوعه إلى الجزائر:

بعد رجوعه إلى الجزائر انضم إلى الحركة الإصلاحية التي مثلتها «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» فآزر مؤسسها الشيخ عبد الحميد بن باديس، ومن بعده الشيخ محمد البشير الإبراهيمي على قدر جهده آنذاك، بقي في قسنطينة زمنًا طويلًا يلقي الدروس في المساجد ويعظ الناس، ويجيب على أسئلتهم الفقهية الكثيرة، ونظرًا لاحتكاكه الكبير بالناس، ولكثرة ممارسته للفقه المالكي صار مرجعًا لأئمة المساجد ولعامة الناس على السواء، وما زال إلى اليوم يتمتع بشعبية كبيرة على مستوى الجزائر كلها، وخاصة قسنطينة، وحتى بين العامة البعيدين عن الحركة الإسلامية، وهي ميزة نادرًا ما تتوفر في الدعاة، وكان بإمكانها أن تغير الواقع الفاسد إن أتيحت لها فرصة عمل مضبوط.

 إن طبيعة الوفاء الموجودة فيه جعلته يثور كلما تبنت الحكومة دعوة ابن باديس، ويتهمها أنها تستعمل النهضة التي قام بها ابن باديس في إطار مفرغ من محتواه، بحيث تخدم مصالحها، فالذي يحضر الأسابيع الثقافية في المدن الجزائرية، ولم يكن له سابق إطلاع على دعوة ابن باديس يظن أن هذا الرجل كان من عمالقة التطبيل والتزمير.

ويقول في هذا الإطار «... فالثقافة صارت عندنا عنوانا على الرقص والغناء والمحرمات الشرعية وغير ذلك كما تقدمت الإشارة إلى مثل هذا في أسبوع - العلم - الذي يقام عادة لذكرى وفاة المرحوم الشيخ عبد الحميد بن باديس، وأصل الثقافة حذق الشيء وفهمه، بمعنى العلم والمعرفة.

«كل هذا تضليل وبهتان، والواقع أنه تمجيد وتعظيم وتقدير لما تركه الرومان هنا في هذه الأرض، وهو في نفس الوقت تزلف وترضية لحفدة الرومان»، ثم بقي يعمل مع قاعدة جمعية العلماء إلى أن حلت فبقي وفيا لها أثناء الثورة التحريرية وبعدها.

  • جمعية القيم الإسلامية:

بعد أن نالت الجزائر استقلالها المادي عن فرنسا، حاول مع مجموعة من إخوانه مثل مالك ابن نبي وأحمد سحنون وعباسي مدني أن يقفوا في وجه الخطر، بعد أن كشفت الحكومة الأولى عن وجهها الاشتراكي السمج، فأسسوا بعد جهاد مرير «جمعية القيم الإسلامية» على شرط أن تكون خيرية، يقول في هذا الشأن: «قد يخطر على البال سؤال يوجه إلى العلماء، وهو لماذا أنتم ساكتون عن هذا الهذيان أو الأباطيل من هؤلاء المحمومين؟ وما لكم لا تردون عليهم بهتانهم وتقنعوهم- إن كانوا يريدون الاقتناع- بأن آراءهم خاطئة وأفكارها مسمومة باسم الاتحاد والملاحدة، والاستعمار والمستعمرين، وكل هؤلاء خصوم وأعداء للإسلام والمسلمين، يعملون بكل طاقاتهم على محو الإسلام وآثاره من هذهالأرض؟

«نجيب بأن العلماء على علم من هذا وأمثاله، غير أنه لم يسمح لهم بنشر الردود على افتراءات المفترين، وكم من رد أرسلوه للصحف لينشر فأهمل، وقد كانت «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» «المؤسسة عام ۱۹۳۱م» بالمرصاد - في أيامها - لكل من يتهجم على الإسلام، سواء ممن ينتسبون إليه أم من خصومه - ترد عليه بما يليق به وبأمثاله وأعمالها ومواقفها معلومة غير مجهولة، غير أن ظروف الجزائر الحالية - وبعد الاستقلال طبعا- قضت على كل مؤسسة كانت قبل الاستقلال بالتعطيل، لذلك اجتمع جماعة من العلماء وأنصار العلم والدين، وأسسوا جمعية دينية - حسبما يسمح به الدستور الجزائري - باسم «جمعية القيم الإسلامية» سنة ١٩٦٣م ، وأصدرت الجمعية مجلة لها تحمل اسم «مجلة التهذيب الإسلامي» وعملت الجمعية مدة ثلاث سنوات - في دائرة محدودة - غير أن كل ما له مساس بالدين لم يرق في أعين من كانت نياتهم سيئة بالنسبة للدين الإسلامي – بالخصوص- لما فيه من الروح والحيوية، فترصدوا لها المراصد علهم يجدون لها سببا يقضون به عليها، فكانت محنة محاكمة العلماء في مصر سنة ١٩٦٦م، وعلى رأسهم الشهيد سيد قطب، فأرسلت الجمعية برقية التماس لرئيس مصر الراحل جمال عبد الناصر، ترجوه فيها أن يتدخل في القضية، بأن يخفف على من حكمت عليهم المحكمة بالإعدام، والذي قامت به الجمعية أمر يقتضيه واجب التراحم والأخوة الإسلامية، فظهر أن هذا السعي الإسلامي لم يعجب الملاحدة، سواء من كان منهم في الداخل أو في الخارج، إذ المكيدة كانت مدبرة من قبل الملاحدة - كما كشف عنها النقاب فيما بعد - وما الاتهامات والمحاكمات إلا شيء صوري لا غير.

«والمعروف عند جميع الدول والشعوب أن عملًا مثل هذا العمل الذي قامت به جمعية «القيم الإسلامية» شيء معروف ومستعمل، فهل في إرسال الجمعية لبرقية الالتماس شيء مخالف للقوانين والأعراف الدولية؟ وهل يعد مثل هذا تدخلا في شؤون الغير؟ والإسلام جعل المسلمين كلهم إخوة - فقاموا للبرقية - تلك - وقعدوا ولم يجدوا لها غير سلاح واحد، وهو حل جمعية «القيم الإسلامية»، وتعطيل المجلة، وبذلك وقف نشاطها - كجمعية - وتعطلت عن أداء مهمتها، وهذا هو النظام الاشتراكي في كل بلد، فإنه لا يسمح بتأسيس أية هيئة أو تشكيلة - كيفما كانت - إلا إذا كانت تخدم مبادئه وتحمد أفعاله وتؤيدها».

  • الشيخ في ميدان الخطابة:

ورغم أن أعداء الإسلام أطاحوا بجمعية القيم الإسلامية كمؤسسة، إلا أنها بقيت كواقع له مفعوله، ففي الوقت الذي طغت موجة الاشتراكية والإلحاد، ونشطت الشيوعية مع الحركات الهدامة، وانحسار المد الإسلامي إلى حد تجد عدد المساجد محدودا في مدينة كالجزائر العاصمة، وإلى حد تجد المترددين على المساجد عدة شيوخ، يقل عددهم عن عدد أصابع اليدين في بعض الحالات، في ذلك الوقت وقف الشيخ في وجه التيارات المنحرفة كنار على علم، وصوبت إليه جميع السهام، وقف الشيخ ليفضح المؤامرات من فوق منبر مسجد حي القبة بالجزائر العاصمة - حيث يقطن - متحديا بذلك من مزقوا المصاحف وأحرقوها علنا، وفاضحًا لكل خوان عميل انحرف عن نهج رب العالمين، ولن يقدر تلك المواقف إلا من عاش تلك المرحلة بظروفها القاسية، ووسائلها المحدودة في وجه سيل عرم من دعاة الإلحاد على جميع المستويات. فلقد شهد ذلك الوقت هجمة إعلامية شرسة ضد المتدينين القليلين جدا، فانحسر المد الإسلامي، وتراجع كثير من الأشخاص عن عهدهم مع ابن باديس رغم قلتهم، وباع آخرون ذممهم للطاغوت، وانجرف الشباب في المظاهرات يحمل الحقد ضد المتعصبين، ويردد في الشوارع صارخًا - كل أسبوع تقريبًا - هذه الشعارات «الجيش الشعب، ضد الرجعية» «الجيش الشعب، ضد الماريكان»، «بابيا، بابيا، الثورة الزراعية» وكذلك الرجعيين أساسيين «وهي فرنسية ومعناها مجرمين» وهناك شعارات كثيرة لم يفهم الشعب معناها إلى اليوم، رغم أنه رددها كثيرا وهي بلغة غير فرنسية، وهي «إيفو، فيفوا، الصولفاتا، والريفو». 

وهذه المظاهرات المتكررة كونت في نفسية الشعب حقدا ضد كل من يصلي، فلو لاحظوك وأنت متلبس بالجريمة، فإن نصيبك هو كل ما يمكن أن يفعله الحاقدون، حتى أئمة المساجد الحكوميين لم يفلتوا من هذا المصير، رغم أنهم يرددون خطبًا آتية من وزارة الشؤون الدينية عادة عن مواضيع مثل «الثورة الزراعية وبركاتها»، «الثورة الثقافية وبناء الجيل التقدمي»، و«الثورة الصناعية وواجب العمال»، «عيد الشجرة»، «عيد المرأة» وغيرها... علما بأن الثورات الثلاث المذكورة طبقت أول ما طبقت في نظام «ماوتسي تونغ» الشيوعي الصيني، ونكبت بها الجزائر بعد ذلك في إطار النظام الاشتراكي.

لقد عشت تلك المرحلة وكدت أموت هما رغم أني لم أكن أفهم شيئًا، لأن ذلك هو بداية طريقي. وعاش الشيخ عبد اللطيف تلك المرحلة وعاني منها الكثير الكثير، يقول في أحد كتبه: «قال لي مسؤول كان في الحزب في مقابلة وقعت بيني وبينه، قال لي هكذا حرفيا «قالوا لي عنك إنك متعصب» فقلت له: نعم أنا متعصب لديني، ولا أتساهل فيه أبدًا، ذلك لأني لم أرض ببيع ديني مقابل رضا بعض الجهات عني، كما هي راضية عن غيري، ممن يصفونهم بالمرنين المطواعين، وفي بعض الأوقات يصفوننا بالجمود للسبب نفسه، وهكذا يجري الصراع بين المتمسكين بدينهم والمحافظين على أخلاقهم، وبين الضعفاء المنشقين عن دينهم وأخلاقهم».

ومع هذه الموجة الإلحادية الحادة وقف الشيخ لينير الأذهان ويتحدى الباطل ويكشف زيفه، وجميع منكراته، يقول: «كنت دعيت فيمن دعي من الأساتذة لتصحيح امتحان الدخول إلى مدرسة المعلمين الكائنة بـ «بوزريعة» في نهاية السنة الدراسية ١٩٦٥م لتصحيح مادة الكتابة، فكان من نصيبي أوراق بعض التلاميذ الممتحنين، فرأيت عجبًا، وكان الموضوع - فيما أذكر - «الاقتصاد في حياة الأمة والفرد» فكان الطلبة يستدلون بأقوال وآراء روسيا الشيوعية، فهذا يقول: قال ماركس الاقتصاد كذا، وذاك يقول: قال لينين، وآخر يقول قال ستالين، وهكذا... مما علمت منه أن المعلمين الذين تولوا تعليم أبناء هذا الشعب المسلم لم يكونوا يحملون في نفوسهم عقيدة  المسلم، ولا يعرفون شيئًا مما ذكره القرآن في الموضوع، ولا الحديث الشريف، فعلمت أن الأمر مقصود، وهو محو الإسلام من هذه الأرض وإثبات الشيوعية مكانه، وبثها في عقول شباب الأمة، وهذا أمر مدبر ومبيت ولم يأت عفوًا من غير قصد».

 ونتيجة لمواقفه هذه ناله كثير من الأذى المادي والمعنوي، يقول «كتبت بعض الصحف تنعت المدافعين عن الإسلام وأخلاق الإسلام بما لا يتفق والحقيقة، فكتبت تحت عنوان «المراؤون» والعنوان الرواية - هزلية مسرحية - للكاتب الفرنسي «موليير»، وسبب ذلك أني تكلمت في خطبة الجمعة، وفي جامع «كتشاوة» يوم الجمعة ٢ نوفمبر ١٩٦٥م لما شاهدت العرض الذي جرى في الجزائر يوم أول نوفمبر ١٩٦٥ بمناسبة ذكرى ثورة نوفمبر ١٩٥٤ م ذلك العرض الذي شاهدناه بواسطة التلفزة (...) والذي أنكرناه - ودعونا إلى إبطاله - هو زج الفتيات وسط ذلك العرض بثياب فاضحة - لا تغطي من الجسم إلا قليلًا.

«لما قرأت ما كتب في الصحيفة بأمر المسؤول عن الأخبار في ذلك الوقت سنة ١٩٦٥ م - الوزير بومعزة - قلت: سبحان الله!! يا للعجب العجيب!!! إنهم لم يفهموا حتى ما يكتبوه أو يقرأون، وبخاصة وكاتب الرد علي في الصحيفة - الفرنسية اللسان - امرأة فرنسية الجنسية والعقيدة - فيما بلغني-!!

وبقي على ذلك النسق حتى انقشع الضباب ولاح في الأفق سنة ١٩٧٦م فرسان حزب الله، وما إن أقبلت سنة ١٩٧٩م حتى صارت ظاهرة الشباب المسلم شبحًا يروع كل طاغية، فرح الشيخ فرحًا شديدًا بإقبال الشباب فكان دائم النصح لهم، يحرص على التعامل معهم أفرادًا وجماعات، متوثبًا لنصرة قضاياهم الإسلامية المتجددة.

  • الشيخ في ميدان الكتابة:

عندما أحس الشيخ بغربته قبل ظهور الشباب المسلم أخذ في تدوين همومه، فكان أول كتاب له هو «المزدكية هي أصل الاشتراكية» وعندما أراد طبعه قاطعته جميع المطابع، لأنها كانت في يد الحكومة آنذاك، فما كان منه إلا أن هربه إلى المغرب، حيث طبع بدار الكتب بالدار البيضاء سنة ١٩٧٤م، وأدخلت أول دفعة منه إلى الجزائر سنة ١٩٧٩م عن طريق غير قانونية ، فكان أن تخاطفته أيدي الشباب بنهم كبير.

 أما كتابه الثاني «سهام الإسلام» فقد تمكن من طبعه في الشركة الوطنية للنشر والتوزيع في الجزائر - وهي مطبعة حكومية، وكان ذلك سنة ١٩٨٠م.

أما كتابه الأخير في سبيل العقيدة الإسلامية فقد صدر عن دار البعث «شبه الحكومية» سنة ١٩٨٢م في كتابه هذا نجد مجموعة من الصحابة مع مواقف بطولية الهدف منها تربية الشباب المسلم، ومن درس كتاب الشيخ عبد العزيز البدري «الإسلام بين العلماء والحكام» فإنه سيطلع على نفس المنهجية.

 وكتابه المذكور آنفا «سهام الإسلام» فقد شرح فيه بشكل موسع ومبسط - حديث النبي صلى الله عليه وسلم المروي عن حذيفة «الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، وحج البيت سهم، والصيام سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في سبيل الله سهم، وقد خاب من لا سهم له»..

أشهر كتبه الثلاثة المذكورة هو «المزدكية هي أصل الاشتراكية» والذي كتب بروح صارخة متألمة ثائرة ، وفي ملابسات من ظروف الدعوة الإسلامية صعبة، يقع الكتاب في ثلاثمائة صفحة من القطع الكبيرة. يحتوي على أثني عشر بابًا... كل باب مقسم إلى عدة فصول يذكر في الأول تاريخ المزدكية ومبادئها ورجالها، وفي الباب الثاني يورد أقوالًا كثيرة للعلماء فيها، وفي الوقت نفسه يقوم بمقارنة بينها وبين الاشتراكية الحالية، ليثبت في الأخير أنها شر على شر.

 أما باقي الأبواب فإنها فضح لألاعيب بعض المتزعمين للحركة الاشتراكية، وفضح ما يدعون إليه من خلال اشتراكيتهم، موردا أمثلة كثيرةجدا من أرض الجزائر، فتراه مثلا يكشف عن فضائح الحكام الاشتراكيين، وتصفيق صحافتهم مع وسائل الإعلام.. وعن إباحتهم زرع الكروم وإنتاج الخمور، والحكم بغير ما أنزل الله، وتجريد الناس من ملكياتهم الخاصة واستهزائهم وإيذائهم للعلماء، والتزوير للتاريخ الجزائري، ومعاناة المسلمين في جميع أنحاء العالم من الأنظمة الاشتراكية والشيوعية، وتهجمهم على الإسلام، ودعوتهم لتحديد النسل وتبرج المرأة، وهو مع هذا لا يهادن ولا يجامل، بل يذكر الأشخاص بأسمائهم كبورقيبة وابن بللا وبومدين - وهو حي في أوج طغيانه- وحتى بعض الوزراء والموظفين. وعندما تقرأ الكتاب فإنك تراه يقطر بالمرارة حتى تتجرعها.

موقفه من الدعاة إلى الله:

أعجب بالشباب المسلم فأهدى لهم كتابه سهام الإسلام، بل كان دائمًا يشد من أزرهم ويشيد بمواقفهم البطولية في خطبه وكتبه، وخاصة في إبان الحوادث كحادث إحراق المصحف وتمزيقه وإهانته حقدًا والتي تكررت عدة مرات من قبل الملاحدة، وهو يعمل معهم بجد ونشاط موازٍ لنشطهم - وهو شيخ كبير - ومسجده محط صلاة وفود الشباب الذين يأتون إلى صلاة الجمعة من الجزائر العاصمة وأطرافها.

كان يواظب على الاطلاع ومطالعة المجلات الإسلامية الكثيرة، فيستشهد في كلامهم بالشهاب اللبنانية، وينصح الشباب بمطالعة مجلة «الاعتصام» ويصف «المعرفة» التونسية بأنها مجاهدة..

يتألم كثيرًا عندما يسمع أن المسلمين في محنة، فيمسك قلمه ويدون محنة الإخوان المسلمين، ويثير النخوة الإسلامية ضد من حكم على الشيخ عارف البصري وإخوانه بالإعدام، ويبكي لإعدام العلماء في الصومال.

يلتقي العلماء السلفيين فيشجعهم على الدعوة إلى ما هو خير، ويفرح لانتصارات المسلمين على الجاهلية الحديثة، ويشيد بفتوحات جماعة الدعوة والتبليغ،فرحابة الصدر ميزته والعمل المتواصل شيمته.

وعندما قام الشيوعيون والقوميون بالاعتداء على الشباب المسلم في الأحياء الجامعية، ثم إقدام الحكومة على اعتقال كثير من الشباب المسلم المظلوم، دعا مع أخويه «أحمد سحنون» و«عباسي مدني» إلى تجمع يكون يوم الجمعة بالجامعة المركزية بالعام الماضي، حيث تلوا على الشباب المسلم بيانا سلميا يحددون فيه مطالب الإسلاميين.

 وبعد الحادثة اعتقلته السلطات مع أخويه ومجموعة كبيرة من الدعاة إلى الله، توالى عليه التعذيب الشديد - وهو شيخ كبير- لمدة أسبوعين أو ثلاثة، بحيث ترك فيه أثرًا ظاهرًا، أحيل بعد ذلك على الإقامة الجبرية حيث قضى أخيرا وانتقل إلى رحمة ربه يشكو ظلم الطغاة من جراء سكتة قلبية.

فإنا لله وإنا إليه راجعون.

اللهم لا نزكي عليك أحدًا، فان كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئًا فتجاوز عن سيئاته ، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده واجعلنا خير خلف لخير سلف.

الرابط المختصر :