; العالم الإسلامي على مفترق الطرق..تحديات واستراتيجيات | مجلة المجتمع

العنوان العالم الإسلامي على مفترق الطرق..تحديات واستراتيجيات

الكاتب وليد فكري فارس

تاريخ النشر الأحد 01-ديسمبر-2013

مشاهدات 88

نشر في العدد 2066

نشر في الصفحة 44

الأحد 01-ديسمبر-2013

  • في ظل الهجمة الإعلامية الدولية صبحت هذه المؤسسات الضخمة هي التي تفكر لنا وتضع لنا خارطة الطريق!
  • يجب طرح الإسلام بوصفه مشروعا حضاريًا للعالم

في ظل مفاهيم العولمة والمؤسسات وأجهزة الإعلام العابرة للقارات، تواجه كثير من دول العالم تحديًا ثقافيًا، وفكريًا واضحًا، يهدد البناء التقليدي والخصوصيات الداخلية لهذه الدول، واغلب هذه الدول تنتمي إلى العالم الثالث.

ونود أن نشير إلى قضية مهمة، وهي أنّ الخصوصيات في العالم العربي والإسلامي نستطيع تقسيمها إلى قسمين كبيرين:

- 1خصوصيات لها علاقة بالهوية، وهي مرتبطة بالإسلام بشكل رئيس.

- ٢وخصوصيات لها علاقة بالعادات والتقاليد التي تطورت عبر الزمن في كل دولة وفي كل مجتمع من المجتمعات العربية والإسلامية بشكل منفصل.

غير أنَّ التحدي الأكثر خطورةً في هذا الشأن هو ما تواجهه دول العالمين العربي والإسلامي، حيث يشكل ذلك تهديدًا لمركز هويتها المرتبطة بالإسلام باعتباره ديناً وأسلوب حياة؛ لأنَّ التحديات المرتبطة بالعادات والتقاليد مفتوحة لإعادة النظر والدراسة والتطور أيضا بما لا يتعارض مع الهوية الأصلية للعالم العربي والإسلامي.

في هذا الإطار طرح «د. مهاتير محمد»، رئيس وزراء ماليزيا الأسبق، في الخطاب الذي ألقاه في يونيو ٢٠٠١م في اليابان خمسة تحديات رئيسة تواجه العالم الثالث، وهي كما يلي:

- ١تحدي الفكر.

- ٢تحدي الحقيقة.

- ٣تحدي العدالة والمشروعية.

- ٤تحدي المنفعة المتبادلة.

- ٥تحدي خلق عالم أكثر شفقة ورحمة.

ففي إطار تحدي الفكر يطرح «د. مهاتير مُحمَّد» أزمة أننا في ظل الهجمة الإعلامية الدولية، وكذلك في إطار العولمة أصبحت هذه المؤسسات الضخمة هي التي تفكر لنا وتضع لنا خارطة الطريق لمستقبل بلادنا، وهذه أزمة كبيرة في إطار اتخاذ القرار السليم المناسب لهوية بلادنا.

أما تحدي الحقيقة، فهو يطرحه في إطار أزمة السيل الهائل من الاكاذيب التي يروجها الإعلام العالمي حول أوضاع العالم الإسلامي، وأيضًا حول الإسلام نفسه، والتي تشتمل على قدر قليل جدا من الحقيقة في غلاف كبير من الأكاذيب والمعلومات غير الدقيقة.

أمّا تحدي العدالة والمشروعية، فهو واضح في إطار حل الخلافات الداخلية في العالم العربي والإسلامي من خلال مرجعية تنطلق من الهوية الإسلامية ولا تسمح بتدخلات خارجية في هذا الإطار.

وفي إطار تحدي المنفعة المتبادلة، فهو يطرح أن الوضع الاقتصادي في إطار العولمة يحعل العالم منقسمًا إلى قسمين كبيرين كاسبٌ وخاسرٌ، ولتأكيد هذه الفكرة فلدينا إحصاءات أنه في عام ١٩٦٠م كان مجمل الدخل ل٢٠٪ من الشريحة الأغنى في العالم يساوي ثلاثين ضعفا لمجمل الدخل ل٢٠٪ يمثلون

الشريحة الأفقر في العالم، وفي عام ٢٠٠٠م أصبحت خمسة وثمانين ضعفًا بدلًا عن ثلاثين ضعفًا، وفي إحصائية للأمم المتحدة في عام ٢٠٠٠م أوضحت أن إجمالي الدخل لحوالي ٢٠٠ شخص الأغنى في العالم يساوي مجمل دخل ٢,٥ مليار من الشريحة الأفقر.

والتحدي الأخير مرتبط بما سبق في إطار إيجاد مجتمع أكثر شفقة ورحمة ينطلق من القيم الحضارية الإسلامية بعيدًا عن القيم المادية القاسية التي تطحن الفقراء والضعفاء في العالم.

وهذا المقال يقدم خمس إستراتيجيات لمواجهة هذه التحديات العالمية التي تتشابك فيها الجوانب الفكرية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية، ولذا، فإنّ المواجهة لابدّ أن تكون على نفس الدرجة من التشابك.

هذه الإستراتيجيات الخمس هي كما يلي:

- ١خلق حوار مجتمعي واسع عابر للأقطار الإسلامية، ويتركز حول الفكر الوسطي الإسلامي:

ومناقشة الأفكار غير السديدة بشكلٍ علميٍّ بعيدًا عن التكفير والتفسيق، والبعد عن تسييس أو تديين الصراع الفكري مما يسبب احتقانا اجتماعيًا داخليًا لتجرع آثاره الآن في بلاد كثيرة.

- ٢التركيز على إظهار الحقائق فيما يتعلق بتراث الإسلام الفكري، والسياسي، والاجتماعي، وإبراز ذلك داخل العالم الإسلامي أولًا، ثمّ طرحه خارج إطار العالم الإسلامي.

- ٣وضع إطار منبثق من المفاهيم الإسلامية الأصيلة حول مفاهيم العدالة والمشروعية لحل الخلافات الداخلية في العالم الإسلامي طبقا للهوية الإسلامية الأصيلة، وذلك بهدف إغلاق باب التدخلات الخارجية التي تخلق الأزمات والمشكلات أكثر من الحلول.

- ٤تنشيط التجمعات الإقليمية الإسلامية لبناء مجتمع متوازن عبر العالم الإسلامي من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية، مما يغلق الباب أمام التوجهات الفكرية المنحرفة التي تجد بيئتها في الهياكل الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية غير السليمة وغير المتوازنة.

- ٥طرح الإسلام بوصفه مشروعًا حضاريًا للعالم خِلق بيئة أكثر رحمة وشفقة، استناداً إلى أنَّ بَعْثَ النّبيِّ مُحمَّد وليمه كان «رحمة للعالمين«  فيما يتعلق بالإستراتيجية الأولى فتشمل المبادرات

الاتية:

أ- تعريف دقيق لفكرة الوسطية ولفكر القطاع العريض من أهل السُّنة والجماعة بشكل منضبط يخلو من الإفراط والتفريط.

ب- تحقيق وتسليط الضوء على النتاج الثقافي الإسلامي الواسع الداعم للتصور الوسطي الحقيقي، والذي يظهره بشكل أصيل وعلمي.

ج- تصنيف الأفكار التي تتحرك بين الإفراط والتفرط في إطار العالم الإسلامي، ودراسة نشآتها وتطورها وتشابكها المعرفي بالأفكار الدخيلة على الإسلام، ثم تفكيك هذه الأفكار بشكل علمي وموضوعي بعيدًا عن الهجوم على الأشخاص، وتبادل اصطلاحات التكفير والتفسيق في إطار هذا النقاش.

د- وضع سياسة إعلامية واضحة ومنضبطة في إطار عرض المفاهيم الإسلامية السليمة، وتحريك حوار مجتمعي واسع عابر للأقطار الإسلامية والعربية المناقشة هذه الأفكار الأصيلة والسليمة، وأيضًا كشف عوار الأفكار التي تتحرك بين الإفراط والتفريط.

وفيما يتعلق بالإستراتيجية الثانية والتي تتعلق بالتراث الإسلامي، فلابد أن نعترف بأنه بالرغم من الاهتمام الواسع بِالتراثِ الإسلامي، فإنَّ هذا الاهتمام مازال اهتمامًا ناقصًا وغير متوازن، تحكمه توجهات فكرية متباينة بين دول العالم الإسلامي. وفي الحقيقة فإن التراث الإسلامي بشموله الذي يتناول الجوانب الفكرية والاجتماعية والسياسية والترفيهية، لابد أن يعاد تحقيقه واكتشافه ونشره لإعادة التوازن في المجتمع المسلم بشكل أصيل.

أما الإستراتيجية الثالثة، فهي وضع إطار قيمي منبثق من المفاهيم الإسلامية الأصيلة حول العدالة والمشروعية، وفي هذا الإطار يجب علينا توضيع مفاهيم القيم وأوعيتها المختلفة، وهكذا، فحينما نؤمن كمسلمين بأن الإسلام وحي وطريقة حياة، وأنّ غايته هي عبادة اللّه عزّ وجل، وأنّ أخلاقه الانضباط لتلك القيم، فحينها ستكون النتيجة الطبيعية أن نسلك سلوكًا يتناسب مع هذه المنطلقات.

وبترتيب هذه الحزمة من القيم والأخلاقيات، ووضع تعريفات منضبطة لمفاهيم العدالة والمشروعية، وإيجاد آلية تحكيم مناسبة لذلك، سنغلق الباب أمام التدخلات الخارجية التي تدفع بمفاهيم مختلفة حول العدالة والمشروعية والحرية وحقوق الإنسان، والتي تختلف اختلافًا جذريًا عن المفاهيم الإسلامية الأصيلة، وأصبحت أداةً للتدخل في الشؤون الداخلية في دول العالم الإسلامي والعربي.

أما الإستراتيجية الرابعة، فمن نعمة الله علينا أنّ لدينا عددًا من المؤسسات والتجمعات الإقليمية خاصة بالعالم الإسلامي وبالعالم العربي مثل منظمة التعاون الإسلامي، الجامعة العربية، الإسيسكو، وغيرها من المؤسسات المهنية المرتبطة بها، ولكن تحتاج هذه المؤسسات إلى تطوير آلياتها ودفع عدد من الشباب الذي يحمل هم هذه الامة وهويتها إلى العمل فيها، وتطوير البناء الإداري وآليات اتخاذ القرار فيها، فقد أصبح معلومًا من خلال العديد من الدراسات في العالم، سواءً في قطاعه الغربي أو الإسلامي، أن التوجهات الفكرية المنحرفة تجد بيئتها الخصبة في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية غير المتوازنة وغير السليمة، ودور المؤسسات والتجمعات الإقليمية أن تسعى لخلق هذا التوازن الإقليمي والقطري.

أمّا الإستراتيجية الخامسة والأخيرة، فستكون نتيجة للإستراتيجيات السابقة والتي تركز على الإصلاحات الداخلية، ولكنها تركن إلى طرح الإسلام كمشروع حضاري قيمي للعالم متمثلة في الوصف القرآني لبعثة النبي أنَّه رحمة للعالمين..

وفي هذا الإطار يلزم أن نبدأ بطرح القيم المشتركة التي يؤكد عليها الإسلام، وكل الديانات السابقة له، وأيضًا تتجاوب معها الفطرة الإنسانية السليمة، فهذه القيم ستصبح أرضية مهمة لطرح الإسلام كمشروع للخروج من الازمات الداخلية والخارجية .•

المصادر

- ١مُحمَّد طلابي (٢٠١٠م)، معترك القيم: قضايا وإشكالات.. فصل في كتاب: المغرب وتدافع الهوية والقيم، المغرب.

- ٢مُحمّد شريف، الإسلام الحضاري .. مشروع النهضة الماليزي، استشارة بتاريخ ٢٠١٠/١٠/٢٢م على الرابط:

http://www.islamicfinder.org/articles/

article.php?id=425&lang=arabic

- ٣مهاتير مُحمَّد (٢٠٠٢م)، العولمة والواقع الجديد.


الرابط المختصر :