; العالم الإسلامي وسياسة موسكو | مجلة المجتمع

العنوان العالم الإسلامي وسياسة موسكو

الكاتب د. حمدي عبد الحافظ

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1998

مشاهدات 55

نشر في العدد 1300

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 19-مايو-1998

مع انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي وما أعقب ذلك من أحداث، أصبحت روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي تواجه مصاعب جمة، فقد تراجعت روسيا إلى المرتبة الخامسة والخمسين بين دول العالم نتيجة الانهيار الاقتصادي المربع، زد على ذلك أن روسيا لا تجد اليوم في واقع الأمر حليفًا جادًا خارج الساحة السوفيتية سابقًا، إذ تبين بمرور الوقت أن الغرب والولايات المتحدة خاصة، لا يريدان روسيا القوية، أما الصين التي يشتد ساعدها فستسعى لتحقيق أغراضها فضلًا عن أن لها مطالب تجاه روسيا في أجزاء من أراضيها، ونرى في الجنوب تركيا حليفة الولايات المتحدة التي تطمح لممارسة دور متميز في القوقاز وآسيا الوسطى، وأخيرًا هناك العالم الإسلامي الواسع الذي يتعاظم جبروته.

 لم تكن علاقات روسيا مع العالم الإسلامي على ما يرام للأسف في السنوات الماضية، وإذا كان الاتحاد السوفيتي قبل دخول قواته إلى أفغانستان يحظى بسمعة عالية نسبيًا في العالم الإسلامي، فإن وقوفه إلى جانب نظام ترفضه أفغانستان شوه صورته، في حين أن الحرب في طاجيكستان والشيشان قد تجعل العالم الإسلامي يرى في روسيا عدو المسلمين الرئيس في تطور غير محمود العواقب بالنسبة إلى روسيا لأن الإسلام يحتل المرتبة الثانية بين الديانات العالمية من حيث عدد معتنقيه، وحسب الإحصاءات التقريبية فإن عدد المسلمين في العالم بلغ ۹۰۰ مليون شخص ويشكل المسلمون أكثرية سكان ١٤ بلدًا بينما توجد جاليات إسلامية كبيرة في ما يزيد على ١٢٠ بلدًا. وأنشأت الدول الإسلامية عددًا كاملًا من المنظمات الحكومية وغير الحكومية أكبرها منظمة المؤتمر الإسلامي خلال العقود الأخيرة من الزمن، وأخيرًا تجدر الإشارة إلى أن الدول الإسلامية تتمتع بإمكانيات اقتصادية هائلة.

ويسير الإسلام نحو تأدية أحد الأدوار الأساسية في الساحة السياسية الدولية، ونسمع في أحيان كثيرة -للأسف- من يتهمون الإسلام بالتطرف ويزعمون أنه يقوم بأعمال عدوانية، وتوجه الصحافة الروسية أيضًا هذه الاتهامات والواقع أن الإسلام متعدد الوجود وله عشرات من المذاهب هناك في الإسلام حركات متطرفة نشأت في التاريخ الحديث والمعاصر كرد فعل على استعمار البلدان الغربية للعالم الإسلامي، وبدت هذه الحركات معادية للغرب أولًا ثم ظهرت معادية الأمريكيين في الستينيات والسبعينيات وأخيرًا باتت تكشف عداءها لروسيا للأسباب التي ذكرتها من الضروري الإشارة إلى أن أنصار الحركات المتطرفة كانوا يشكلون دائمًا أقلية بين المسلمين لا يجوز اعتبار محاولة إقامة دولة إسلامية، في هذا البلد أو ذاك ظاهرة من ظواهر التطرف ففكرة الدولة الإسلامية، تتضمن تجسيد الرؤية الإسلامية السلفية لنظام سياسي في البلاد يجمع بين السلطة الدنيوية واللادنيوية باعتبار أن الله تعالى هو المرجع الوحيد للسلطة ويضمن توزيع الإيرادات بشكل عادل وتوجيه الاقتصاد وفقًا للشريعة إلخ في عصرنا الحديث وبشكل عام إنها رؤية سياسية واقتصادية عصرية منبثقة من منهج السلف الصالح تعكس خصوصية التطور في كل بلد على حدة.

إن روسيا يعيش فيها من ١٨ إلى ٢٠ مليون مسلم، ومستقبلها مرهون في جانب كبير منه بتوجه هؤلاء، وقد بات واضحًا أن روسيا اتخذت موقفًا مواليًا للغرب والشرق لكونها دولة أوربية، آسيوية. وتجدر الإشارة إلى أنه في السنوات القليلة الماضية التي شهدت تدهور سمعة روسيا في العالم الإسلامي مارست الولايات المتحدة المتطلعة إلى الانفراد بالهيمنة على العالم سياسة مدروسة تستهدف استدراج البلدان الإسلامية لتقف إلى جانبها، ومثال على ذلك أنها دخلت في تعاون وثيق مع بلدان الخليج، ومارست السياسة اللازمة تجاه البوسنة وتشارك مشاركة نشطة في تسوية أزمة الشرق الأوسط وهناك ثلاث دول إسلامية فقط في العراق وإيران وليبيا التي بينها وبين الولايات المتحدة مشاكل خطيرة، وتضمن الفئات الشعبية المتوسطة والسفلية العداء لأمريكا في بضع دول إسلامية أخرى.

روسيا مطالبة في هذه الظروف باتخاذ عدد من الإجراءات على صعيد السياسة الخارجية والداخلية آخذة في الاعتبار الدور الإسلامي وتتخذ إجراءات سياسية فعالة لتحقيق الاستقرار في طاجيكستان والشيشان، وفي مجال السياسة الخارجية تسعى إلى إقامة تعاون اقتصادي وثيق بما فيه التعاون التسليحي مع بلدان الخليج العربية وباكستان وإيران وسورية ومصر والعراق وليبيا (بالنسبة إلى الأخيرتين يجب أن تعمل روسيا على رفع الحصار الدولي عنهما في أسرع وقت) وإعداد خطة إستراتيجية لجذب أموال البلدان الإسلامية الغنية لاستثمارها في الاقتصاد الروسي (يمكن أن تستخدم روسيا إبان ذلك نفوذ الزعماء المسلمين في روسيا مع الأوساط الإسلامية الخارجية) ويحسن بروسيا أن توجه الدعوة لعقد مؤتمرات دولية حول مختلف أوجه التعاون مع البلدان الإسلامية وقضايا الإسلام عامة.

وحان الوقت لتقدير ما اقترفته قيادة الاتحاد السوفيتي من خطأ في ديسمبر ۱۹۷۹ عندما أرسلت القوات إلى أفغانستان، وعلى السياسيين ذوي التفكير السليم أن يدركوا أخيرًا أنها جريمة سواء في حق مواطني الاتحاد السوفيتي سابقًا الذين عادوا من الحرب معاقين وأهالي الذين لم يعودوا أو في حق الشعب الأفغاني الذي كبدته هذه الحرب خسائر فادحة لا مثيل لها في تاريخ هذا البلد. 

وفي مجال السياسة الداخلية يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن روسيا دولة نصرانية (أرثوذكسية) -إسلامية بمعنى أن أكثرية سكانها يعتنقون الأرثوذكسية أو الإسلام، ولذا فإن السلام والاستقرار في روسيا يرتهنان في جانب كبير منهما بالعلاقة بين معتنقي هذين الدينين، ولابد من الإشارة أيضًا إلى أن الطوائف الإسلامية في روسيا تعاني الآن من انقسامات خطيرة تستغله القوى الخارجية في صراعها من أجل من نفوذها في أوساط المسلمين في روسيا، ويحاول عدد من البلدان استخدام إمكانياتها المالية لوضع نشاط بعض الهيئات الإسلامية تحت سيطرتها، ولا ينكر على الجمعيات الدينية الحق في إقامة العلاقات مع الإخوة في الدين في الخارج بل يجب تشجيعها على إقامة العلاقات مع الجمعيات الشقيقة، وفي الوقت نفسه يجب توظيف ذلك في اتجاه خدمة مصالح روسيا بأسرها ورص صفوف جميع الشعوب التي تقطن روسيا وليس بث الشقاق بينها ويمكن للفعاليات المشتركة التي يقوم بها رجال الدين الأرثوذكس والمسلمون «مثل إصدار بيانات مشتركة وإقامة مختلف اللقاءات والمؤتمرات وتقديم مساعدة فعلية إلى اللاجئين من بلدان الجوار القريب أو من الشيشان» أن تساعد في تطبيع الوضع في روسيا عامة ومناطقها خاصة، وبإمكان رجال الدين المسلمين في روسيا أن يعملوا على تحسين موقف الأكثرية المسلمة في بلدان الجوار القريب من الروس المقيمين في هذه البلدان ويساهموا في تطبيع الوضع في الشيشان وطاجيكستان. 

وأخيرًا، وفيما يخص الانتخابات البرلمانية  والرئاسية المقبلة، أظن أن كل سياسي روسي جاد يدرك أن المسلمين في روسيا سيصوتون للحزب أو السياسي الذي يطرح إلى جانب برنامج اقتصادي وسياسي ما يلقى تجاوب ملايين الناخبين المسلمين.

عن صحيفة نيزافيسيمايا غازيتا

ترجمة: د.حمدي عبد الحافظ

الرابط المختصر :