; العالم يترقب وصول الرفاه إلى الحكم في تركيا | مجلة المجتمع

العنوان العالم يترقب وصول الرفاه إلى الحكم في تركيا

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

مشاهدات 87

نشر في العدد 1119

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 04-أكتوبر-1994

موضوع الغلاف

أربكان لـ المجتمع:

العالم يترقب وصول الرفاه إلى الحكم في تركيا

خلال خمسة أشهر قضينا على الرشوة والفساد في البلديات، وزادت موارد البلديات عشرة أضعاف عن الوضع السابق.

* الجيش التركي تعهد بحماية الديمقراطية وعدم التدخل في حالة وصول الرفاه إلى الحكم، وما حدث في الجزائر لا يمكن أن يحدث في تركيا.

البلديات أصبحت توفر الخبز واللحوم والخضروات بثلث الأثمان التي تباع بها في الأسواق.

قوات حلف الناتو أصبحت تستخدم في مناوراتها العسكرية العلم الأخضر للإشارة إلى أعدائها، بدلًا من الأحمر إشارة إلى أن المسلمين أصبحوا الأعداء الجدد للغرب.

الرفاه حصل في الانتخابات الأخيرة على (٣٧٪) من مجموع الأصوات، بينما الأحزاب الرئيسية الثلاث الأخرى لم تحصل مجتمعة سوى على (٢٩٪) من مجموع الأصوات.

يبلغ حجم الفوائد الربوية السنوية للديون التركية (٢٠) مليار دولار لدولة كانت تحكم نصف العالم من قبل؛ وذلك بسبب الحكومات العلمانية المتعاقبة التي تقوم على الاستدانة من الدول الغربية.

تشيللر تقول: إن وصول الرفاه إلى الحكم سوف يؤدي إلى انقلاب الموازين في كافة أنحاء العالم.

حاوره في اسطنبول: أحمد منصور

     على مدى ساعتين ونصف جلس البروفيسور نجم الدين أربكان رئيس حزب الرفاه في تركيا يحدثني عن مستقبل الرفاه في تركيا، ومستقبل المنطقة، متطرقًا إلى مستقبل العالم الإسلامي، ثم مستقبل العالم، وأربكان هو أحد ثلاث شخصيات لها بصماتها على السياسة التركية الحديثة، فقد درس الهندسة مثله مثل الرئيس التركي الراحل تورجوت أوزال، ومثل الرئيس الحالي سلیمان دميريل، ورغم أن ثلاثتهم كانوا ربما في صف دراسي واحد، إلا أن كلًا منهم سار في نهج سياسي مغاير. 

    فبينما انتهج أربكان النهج الإسلامي الذي أطلق عليه النظام العادل؛ لأن الدستور التركي يحرم استخدام أي شيء يعود بتركيا للإسلام، انتهج دميريل المنهج العلماني، فيما خلط أوزال بين الاثنين فكان شخصية يصعب فهمها، فبينما يرى كثير من الإسلاميين أن الرجل كان يميل إليهم، وكان العلمانيون يعتبرونه واحدًا منهم.

نجم الدين أربكان:

    ولد نجم الدين أربكان في تركيا في عام ١٩٢٦م، وتخرج من كلية الهندسة بامتياز، ثم سافر إلى ألمانيا في عام ١٩٥٠م لإتمام دراسته؛ حيث شارك في تطوير بعض المعدات العسكرية الدقيقة، وعرض عليه الألمان البقاء هناك إلا أنه رفض، وعاد إلى تركيا فأصبح أستاذًا بكلية الهندسة، وفي عام ١٩٦١م حصل على درجة بروفيسور، فكان أصغر أستاذ في الجامعة يحمل هذه الدرجة. 

    وفي أواخر الستينيات دخل أربكان معترك العمل السياسي، ودخل البرلمان عن قونية في عام ١٩٦٩م، ثم أنشأ في عام ١٩٧٠ الحزب النظامي الوطني، غير أن الانقلاب العسكري الذي حدث في ۱۲ مارس ۱۹۷۱م ألغى كل الأحزاب، وبعد عودة الحياة البرلمانية أعلن أربكان عن تأسيس حزب السلامة الذي تمكن من الحصول في انتخابات أكتوبر ۱۹۷۳م، على (٤٩) مقعدًا في البرلمان التركي، ودخل في تشكيلات وزارية عديدة مع أحزاب علمانية أخرى، مثل: حزب الشعب الجمهوري الذي كان يرأسه بولنت أجاويد الذي دخل معه أربكان مشاركًا بثماني وزارات، وقد شغل أربكان وقتها منصب نائب رئيس الوزراء، وأصدر في عام ١٩٧٤م قراره الشهير بدخول القوات التركية إلى قبرص؛ حيث كان رئيسًا للوزراء بالنيابة، ولا زال هناك عشرين ألف جندي تركي إلى الآن، ثم شارك بحزب السلامة في تشكيلات وزارية أخرى مع كل من بولنت أجاويد وسليمان دميريل حتى قام كنعان إيفرين بانقلاب عسكري في ١٢ سبتمبر ۱۹۸۰م ألغى فيه الأحزاب، ثم عادت الحياة البرلمانية إلى تركيا مرة أخرى في العام ۱۹۸۳م، وأعلن أربكان عن تأسيس حزب الرفاه الذي أصبح الآن أحد أكبر ثلاثة أحزاب في تركيا، وأصبح المراقبون يؤكدون على أن الرفاه سيكون أحد حزبين مخولين بتشكيل الحكومة في أعقاب الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في تركيا في العام ١٩٩٦م، إلا أن كافة الدلائل تشير إلى إمكانية إجراء انتخابات مبكرة ستكون في العام القادم ١٩٩٥م.

    وقد صعد نجم «الرفاه» بصورة بارزة في أعقاب حصوله على أعلى نسبة في الانتخابات البلدية الماضية التي عقدت في شهر مارس الماضي، ويتوقع المراقبون أن يحقق الرفاه نسبة كبيرة في الانتخابات البرلمانية؛ حيث سيصبح مفروضًا على أي من الأحزاب الأخرى لتشكيل حكومة ائتلافية. 

      إذن فإن الحوار مع البروفيسور أربكان له أهميته الخاصة، فالرجل ذو تاريخ سياسي عريق، ويتزعم حزبًا يحظى باهتمام عالمي كبير، وينظر إلى مستقبل سياسي طموح، وفوق هذا وذاك فإنه يقدم تجربة متفردة للعالم أجمع عن أسلوب الحكم والنهج السياسي الرزين للإسلاميين حينما يصلون إلى إدارة الحكم. 

    ولهذا فإنه لا عجب أن تكون للبروفيسور أربكان مكانته المميزة لدى كثير من رجال السياسة وقادة الأحزاب الكبرى في أوروبا، وأن يحظى باهتمام كبير لدى كافة المحافل الدولية العريقة، فالرجل ليس صاحب شعارات، ولكنه يحمل برنامجًا عمليًا طبق من خلال مشاركته السابقة في الحكم، وإدارة حزبه الحالية لمعظم البلديات الكبرى والصغرى في تركيا. 

    ورغم أنها لم تكن المرة الأولى التي التقى فيها مع البروفيسور أربكان إلا أنه كان اللقاء الأهم؛ حيث تمثل هذه الفترة مفترق طرق كثيرة بالنسبة لتركيا والعالم الإسلامي والعالم أجمع، وقد طلب البروفيسور أربكان في بداية الحوار أن يتحدث في البداية عن تجربة الرفاه، مشيرًا إلى أنه سوف يسعى من خلال طرحه للإجابة على معظم ما لدي من أسئلة، ثم يترك المجال في الأخير للأسئلة، وافقت على اعتبار أنه سيحادثني دقائق إلا أن حديثه امتد إلى أكثر من ساعتين ونصف، ولم يعد على موعد إقلاع الطائرة التي كانت ستقله إلى سويسرا إلا أقل من ساعة، أجابني خلالها على بعض الأسئلة إلا أن حديثه أجاب عن الكثير.

معايير النظام العالمي الجديد:

    بدأ البروفيسور أربكان حديثه قائلًا: بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط الشيوعية أعلن العالم الغربي عن قيام نظام عالمي جديد بمخططات جديدة، ولأن الحضارة الغربية قائمة على القوة وليس على الحق، فقد جاءت معايير هذا النظام الذي أعلن معايير قائمة على القوة، وليست على الحق، وهم يسعون الآن من خلال هذا النظام إلى السيطرة على العالم ومقدراته بقوتهم، ولتحقيق هذا الهدف فهم يسعون لإزالة الإسلام والقضاء على المسلمين لأن الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يقوم على إعطاء كل ذي حق حقه، ويسعى لإزالة القهر والظلم عن الناس، وليحررهم من عبودية البشر إلى عبادة الله وحده، وهنا حقيقة نريد أن نؤكد عليها هي أن الإسلام كرسالة سامية ودين قويم لا يهدف إلى إسعاد المسلمين وحدهم، وإنما يهدف إلى إسعاد البشرية كلها، ولذلك فإننا نعمل لإسعاد البشرية، ونسعى لتحقيق السعادة للعالم أجمع، من خلال ما لدينا من دستور إسلامي وأخلاق نبوية تؤكد على تعظيم الخالق والشفقة على المخلوق، ولكن هناك في الغرب مراكز المتطرفين من الصهاينة والمسيحيين يسعون بكل الطرق والوسائل من خلالها إلى إشعال الحرب، وإذكاء الصراعات ضد الإسلام والمسلمين، ولعل مطامع هؤلاء في بيت المقدس والقدس من قديم حيث استولوا عليها من قبل، ويستولون الآن عليها؛ حيث يقتلون أهلها، ويشردونهم، وهذا خير دليل على ذلك، كما أن جرائم هؤلاء في البوسنة والهرسك، وكشمير وفلسطين، وأذربيجان وغيرها من دول العالم الإسلامي الأخرى- تؤكد على أن عقليتهم هكذا منذ عصور، والآن بعدما كانت قوات حلف الناتو تستخدم في مناوراتها العسكرية العلم الأحمر للإشارة إلى لون الأعداء «السوفييت» أصبحت الآن تستخدم العلم الأخضر للإشارة إلى الأعداء الجدد وهم «المسلمون».

الصحوة الإسلامية وظلم الغربيين:

      وهذه التجاوزات الظالمة والمعاملة المزدوجة من الغرب للعالم الإسلامي ومساعيهم لاستعداء المسلمين ومعاداتهم- عوامل لها دورها الكبير في انتشار الصحوة الإسلامية وزيادة رقعتها يومًا بعد يوم، والدليل على ذلك هو ما نعيشه من صحوة إسلامية في تركيا، وما يعيشه العالم الإسلامي كله الآن، فكما هو معلوم فإن تركيا تعيش حياة سياسية متعددة الأحزاب منذ عام ١٩٤٦م، لا يعكر صفوها إلا تدخل العسكريين من آن لآخر، لكن الأحزاب المقلدة للغرب تسيطر على دفة الحكم منذ ما يقرب من خمسين عامًا لكن الأحداث الأخيرة التي وقعت في تركيا في أنحاء متفرقة من العالم جعلت الشعوب الإسلامية تدرك أبعاد المطامع الغربية في بلادنا، فاستيقظ الشعب التركي، وأصبح الناس يعيشون الآن في تركيا ثورة كبيرة مثل التي حدثت في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي؛ حيث أفاق الناس بعد فترة ظلم طويلة زادت عن سبعين عامًا، والآن يشعر الأتراك بأن النظام القائم على تقليد الغرب في تركيا على وشك الانهيار، وقد ظهر هذا من خلال تغيرات كبيرة أسفرت عنها الانتخابات الثلاث التي حدثت مؤخرًا في تركيا ففي نوفمبر عام ١٩٩٢م أجريت انتخابات بلدية في (٢٣) منطقة انتخابية، كان عدد المقترعين فيها يزيد على مليون نسمة، وقد حصل الرفاه في هذه الانتخابات على نسبة تعادل (٢٥) من عدد الأصوات وذلك في الإطار العام، أما في إسطنبول وحدها فقد حصل على نسبة (٢٨) من الأصوات، بينما لم يحصل الحزب الحاكم إلا على (14٪) من الأصوات. 

    أما الانتخابات البلدية الأخيرة والتي جرت في ٢٧ مارس ١٩٩٤م، وشملت جميع أنحاء تركيا فقد حقق الرفاه فيها فوزًا كاسحًا على الأحزاب العلمانية، وفاز بجميع البلديات الكبرى، مثل: إسطنبول، وأنقرة، وقونية، وسيواس، وأرض الروم، وديار بكر، ومرعش والمراكز الأساسية المهمة الأخرى في جميع أنحاء تركيا، وكانت مجموع ما حصلت عليه الأحزاب الرئيسية الكبرى من بلديات مجتمعين أقل مما حصل عليه الرفاه متفردًا، فإذا أخذنا في حساباتنا البلديات الصغيرة والكبيرة فإن عدد البلديات التي حصل عليها حزب الرفاه في جميع أنحاء تركيا يصل إلى أكثر من (٤٠٠) بلدية من المجموع العام للبلديات الذي يبلغ حوالي (۷۰۰) بلدية، ولهذا فقد شعر غير الإسلاميين بذعر شديد أمام هذه الصحوة الكبيرة، وحاولوا بشتى الوسائل إبطال نتائج الانتخابات التي حدثت في بعض البلديات، ونتيجة لذلك فقد أعيدت الانتخابات في بعض المحافظات في ٣ و ١٠ يوليو الماضي، وقد حصل الرفاه في هذه الانتخابات على (٣٧) من الأصوات في هذه الانتخابات فيما لم يحصل الحزب الحاكم إلا على (١٢%)، وحزب الوطن الأم على نفس النسبة، أما الحزب اليساري المشارك في الحكومة فلم يحصل إلا على (5%)، وبذلك كان مجموع ما حصل عليه الرفاه (37٪)، فيما حصلت الأحزاب الرئيسية الثلاث على (29٪)، وهذا يعني أن شخصًا من كل شخصين في تركيا يزيد حزب الرفاه، وهذا يعطي مؤشرًا بأن الشعب التركي المسلم الذي يزيد عن (٦٢) مليون نسمة يترقب بشوق ولهفة وصول الرفاه إلى السلطة في البلاد.

إنجازات الرفاه في البلديات:

    وإذا انتقلنا الآن إلى تجربة حزب الرفاه في إدارة البلديات خلال خمسة أشهر فقط نجد أن مسئولي الرفاه قد حققوا من خلال البلديات التي يديرونها إنجازات كبرى؛ جعلت الشعب التركي يقابل هذه الإنجازات بتقدير وإعجاب، ولهذا التقدير الشعبي أربعة أسباب، هي: 

أولًا- أن حزب الرفاه هو الممثل الوحيد لعقيدة هذا الشعب.

ثانيًا- يمثل حزبنا تاريخ وحضارة هذا الشعب المسلم العريق.

ثالثًا- مسئولو البلديات التابعة للرفاه يعملون ليل نهار بجد وإخلاص يلحظه كافة أبناء هذا الشعب. 

رابعًا- الحرص على إشراك الشعب في كافة الأعمال التي تعود على الجميع بالفائدة. 

    أما الأحزاب المقلدة للغرب فإنها تسير على النقيض من ذلك، وتتميز أيضًا بالخصائص التالية: 

أولًا- أنهم كافحوا ضد عقيدة هذا الشعب. 

ثانيًا- أنهم سعوا لمحو تاريخ هذا البلد العريق وحضارته. 

ثالثًا- أنهم لا يراعون سوى مصالحهم الشخصية ومكاسبهم الآنية. 

رابعًا- أنهم يتعاملون مع الشعب بسيطرة وفوقية، ولا يشركونه في أي عمل.

     ولهذه الأسباب نجد أنه خلال خمسة أشهر فقط من حكم الرفاه للبلديات تغير كل شيء في البلاد، فقد تضاعفت موارد البلديات بنسبة وصلت إلى عشرة أضعاف على الأقل، كما تم وضع رقابة صارمة على عمليات الإنفاق وهدر المال العام التي لم تكن يراعيها المسئولون في الأحزاب الأخرى خلال حكمهم للبلديات خلال السنوات الماضية، وإذا أردنا أن نقوم بعملية حصر دقيقة لما تم تحقيقه من إنجازات في إدارات البلديات التابعة للرفاه خلال الأشهر الخمسة الماضية فإن ذلك يعني امتلاء عدة مجلدات.

    ولتوضيح الأمور فإني سوف أحدثك عن الخطوط العريضة لأهم هذه الإنجازات.

 زيادة الموارد المالية للبلديات:

      فمثلًا بالنسبة لبلدية أنقرة فإن عدد الباصات الداخلية التي تعمل في نطاق بلدية أنقرة تبلغ (۱۲۰۰) باص، ومجموع ما حققته هذه الباصات من خسائر للبلدية خلال العام الماضي بلغ أكثر من ترليون ليرة تركية، ولكن حينما تولى حزب الرفاه مسئولية البلدية تمكن خلال خمسة أشهر فقط من ضبط حالات التسيب والاختلاس التي كانت قائمة في شركة الباصات، فتحولت  الخسائر إلى الأرباح، وخلال العهود السابقة بلغ مجموع الديون المتراكمة على بلدية أنقرة ثلاثة مليارات من الدولارات، ثبت أنها أنفقت دون عائد يذكر، فمثلًا مشروع مترو الأنفاق في أنقرة كانت رئاسة البلدية السابقة قد رصدت للمشروع نفقات باهظة؛ حيث أبرمت عقدًا لشراء عربات للمترو بلغ ثمن العربة الواحدة ثلاثة ملايين دولار، سددوا قيمة العربات كاملة لإحدى الشركات الكندية من القروض، في الوقت الذي لم تنته حفريات المترو بعد، واكتشف مسئولو الرفاه بعد وصولهم إلى حكم البلدية بأن ثروة كبيرة قد بددت من أموال الشعب، وأن العربات التي تم التعاقد على شرائها من كندا بسعر ثلاثة ملايين دولار للعربة الواحدة يمكن أن تقوم إحدى الشركات الوطنية التركية بإنتاج مثلها وبنفس مواصفاتها بسعر (٢٠٠) الف دولار فقط، بدلًا من ثلاثة ملايين.

     فعلاوة على الفرق الضخم في السعر فإن هذا يعتبر أيضًا تشجيعًا للصناعة الوطنية في البلاد، وتنمية لاقتصادها، وقد تم هذا بالفعل حيث تم توفير عشرات الملايين من الدولارات.

مشكلة المياه في إسطنبول:

    ومثال آخر من إسطنبول حيث قام مسئولو البلدية السابقون في مصلحة المياه بإبرام اتفاق مع شركة فرنسية للاستشارة فقط قيمته عشرة ملايين دولار، دفعوها لهذه الشركة التي لم تقم بأي عمل طوال ثمانية أشهر، وحينما وصل الرفاه إلى السلطة أبطل هذه الاتفاقيات بعدما اكتشف هذا التبديد من أموال الشعب الذي أدى إلى خراب إمدادات المياه، وحدوث أزمة في إسطنبول، تم حل جزء كبير منها خلال الأشهر القليلة الماضية وبتكلفة أقل.

      كذلك بالنسبة للقمامة والتخلص منها فسكان إسطنبول يزيدون عن (١٢) مليون نسمة، وبالتالي فإن حجم المخلفات الناتجة عن حياة هؤلاء يعتبر مشكلة ضخمة، وبعد دراسات عديدة قررت بلدية إسطنبول إقامة مصنع للاستفادة من القمامة سوف تبلغ تكلفته خمس التكلفة التي تدفع الآن للشركات الغربية المتعهدة بذلك.

تأمين الحاجات الضرورية:

     وبينما لا يؤمن كل من النظامين الشيوعي والرأسمالي السعادة والرفاهية للإنسان، فإن حزب الرفاه الذي يدافع عن النظام العادل قد استطاع وفق الإمكانات القانونية المتاحة أن يحقق من خلال البلديات كثيرًا من أساسيات النظام العادل، حيث تقوم البلديات الآن بتوفير الخبز واللحوم والخضروات لعامة الشعب بأسعار تصل إلى ثلث الأسعار التي يبيع بها التجار، وأصبحت هناك مخابز ومحلات تابعة للبلدية، تبيع رغيف الخبز بألفي ليرة فقط، في الوقت الذي يباع فيه في المخابز الأخرى بستة آلاف، أما اللحوم والخضروات فإنها تباع في منافذ البلديات بنصف القيمة التي تباع بها لدى التجار. 

     وهناك مشروعات أخرى تم تطبيقها وأخرى في طريقها للتطبيق، لكن الشعب التركي يلمسها، ولا يتسع المجال لذكرها.

     وقد أدى هذا إلى زيادة شعبية حزب الرفاه وتفوقه على الأحزاب الأخرى في استطلاعات الرأي، والانتخابات الفرعية بنسب كبيرة.

أفضل البلديات في العالم:

     وقد أقامت اليابان مؤخرًا مسحًا عالميًا ودراسة عن أفضل البلديات في العالم من حيث الإدارة والخدمة التي تقدمها للشعب، فكانت بلدية قونية التي يديرها الرفاه منذ سنوات عديدة برئاسة الدكتور خليل قرن- هي من أولى البلديات في العالم، حيث سافر رئيس البلدية إلى طوكيو ونال الجائزة عن ذلك؛ بسبب نجاحه الباهر في إدارة البلدية، ذلك النجاح الذي يعتبر نجاحًا عالميًا لحزب الرفاه.

الحكومة والبلديات:

     أما بالنسبة لموقف الحكومة من البلديات فقد كانت الحكومة تقدم إلى البلديات طوال العهود السابقة مساعدات كبيرة، كما كانت تقوم بتخفيض الديون ومنح القروض، ونظرًا لأن الرفاه يعتبر حزبًا منافسًا للحزب الحاكم فإن الحكومة تسعى للتضييق على الرفاه من خلال صلاحياتها، فهم يسعون لتخفيض موارد البلديات، وتقليص صلاحيات رؤساء البلديات، والضغط على البلديات لتسديد الديون المتراكمة من ممارسات رؤساء البلديات السابقين التابعين لتلك الأحزاب، وقد أصدرت الحكومة الآن قوانين جديدة تتيح لهم التضييق الشديد على البلديات، خاصة في تسديد الديون المتراكمة، حتى أن القانون الجديد يتيح للحكومة أن تقوم بالحجز على ممتلكات البلديات بما فيها بيت رئيس البلدية.

     وقد أدى هذا الوضع إلى محاولة تعجيز إدارات البلديات التابعة للرفاه، والتي أصبح مطلوبًا منها أن تسدد للحكومة ديونًا هائلة تراكمت من ممارسات إدارات البلديات السابقة التي كانت تديرها الأحزاب المقلدة للغرب.

الديون التي خلفتها الإدارات السابقة:

   ولبيان الخسائر الكبيرة التي منيت بها البلاد على أيدي الأحزاب المقلدة للغرب، والتي تعاقبت على حكم تركيا خلال الخمسين عامًا الماضية فتدهور الاقتصاد على أيديهم، وغرقت البلاد في مستنقع من الديون، فإني أبين لكم الحقائق التالية:

    لقد أفلس هؤلاء المقلدون للغرب كما أفلست الشيوعية، وقد وصلت ديون تركيا الخارجية على أيديهم إلى (۱۱۰) مليار دولار، وتبلغ فوائد هذه الديون (٨,٥) مليار دولار سنويًا، أما الديون الداخلية فقد وصلت إلى (٢٠) مليار دولار، وتدفع عليها فوائد ربوية مركبة تصل وفقًا لسعر الليرة التركية ما بين (٨٠ إلى 90٪)، وبالتالي فإن الفوائد السنوية المتراكمة لحجم الدين الداخلي والخارجي لتركيا يصل إلى (٢٠) مليار دولار سنويًا، في الوقت الذي لا تزيد فيه موارد الدولة من خلال نظام الضرائب القاسي الذي فرضوه على الشعب عن (١٨) مليار دولار، وبالتالي فإن موارد الدولة من الضرائب لا تكفي لسداد فوائد الديون.

    وهذا ربما يقودنا إلى سؤال هام حول النفقات التي تنفقها الحكومات المتعاقبة المقلدة للغرب على مرافق الدولة، حيث ثبت أنهم يعتمدون على الاستدانة من الغرب لحفظ أوضاعهم، ولا يهمهم ما سيصل إليه مصير البلاد؛ فهم يطبعون أوراقًا نقدية دون تغطية لها، مما يؤدي إلى انهيار الاقتصاد التركي، وتدهور العملة.

تخويف الحكومات الغربية من الرفاه:

    ولم يعد أمام الحكومات المتعاقبة المقلدة للغرب سوى ذهاب رؤسائها إلى أمريكا والدول الأوروبية لطلب المساعدات والديون منهم، وفي زيارتها الأخيرة للولايات المتحدة خاطبت رئيسة الوزراء التركية المسئولين الأمريكيين قائلة لهم: 

    أنتم مضطرون لمنحنا هذه الديون والمساعدات التي نطلبها، وإلا فإنكم تعلمون أن حزب الرفاه في الانتظار، وسوف يصل إلى الحكم في حالة عدم قدرتنا على القيام بالتزاماتنا، وإنكم تعرفون جيدًا معنى وصول حزب الرفاه إلى الحكم في تركيا، فإن هذا سيسبب انقلابًا في كافة الموازين في العالم، ومعنى وصول الرفاه إلى الحكم في تركيا أنكم سوف ترون الجيش التركي المسلم أمام أسوار فيينا وأبواب باريس، وذلك في تخويف للغربيين منا.

    وفي رحلتها الأخيرة إلى فرنسا ألقت محاضرة في معهد الدراسات الاستراتيجية الذي يضم النخبة والخبراء السياسيين الفرنسيين، وبعدما ألقت كلمتها سألها أحد الحضور قائلًا: أنت تقولين إنكم إذا لم تقدموا المعونات لحكومتي فإن الرفاه سوف يصل إلى الحكم في تركيا، فإذا حدث هذا بالفعل أفلا يتحرك الجيش التركي للقيام بانقلاب ضد الرفاه، كما قام الجيش في الجزائر بانقلاب ضد الإسلاميين؟ 

     فأجابت تشيللر قائلة لهم: إن الجيش التركي لن يقوم بهذا لسبب رئيسي وهام هو أن بيئة الجزائر تختلف عن بيئة تركيا، والجيش التركي مرتبط بحماية الديمقراطية وليس معاداتها، وكل انقلاب عسكري تم في تركيا عاد العسكريون بعده إلى ثكناتهم، تاركين للشعب أن يحدد مصير البلاد. 

    وقد كانت تشيللر تدرك وهي تحدثهم عدة حقائق هامة في هذا الجانب من أهمها: 

حقيقة أولى: أن كافة القادة العسكريين الذين قاموا بانقلابات عسكرية في تركيا قد سقطت هيبتهم ومكانتهم في نفوس الشعب بعد هذه الانقلابات، حتى أن كثيرًا من هؤلاء لا يستطيعون المشي بين الناس الذين يعرفونهم، وأفضل مثال على ذلك هو لفظ الشعب التركي لقادة الانقلاب العسكري الذي حدث في عام ١٩٦٠م، حتى أن القاضي سالم باشوا الذي حكم على عدنان متدريس بالإعدام في محكمة أقامها العسكريون- لم يكن يستطيع السير في الشارع من كراهية الناس له، وبالتالي فإن القادة العسكريين يدركون حسابات وأبعاد هذا الموضوع. 

حقيقة ثانية: تعرفها تشيللر جيدًا، هي ملاحظة حدثت في الانتخابات البلدية الأخيرة التي حدثت في ٢٧ مارس الماضي، فقد لفت أنظار المراقبين بأن معظم الأحياء والمدن التي يقيم فيها ضباط الجيش قد فاز فيها الرفاه، فمثلًا في مدن دلجك، وكوجياليك، وجبزه، يسكن فيها كثير من ضباط القوات البحرية في أحياء كاملة، وقد حصل الرفاه من صناديق الاقتراع الخاصة بهذه المناطق على أعلى نسبة من الأصوات، وفي مدن قونية وسنجان وبعض مناطق أنقرة التي توجد فيها تجمعات سكنية للضباط العاملين في القوات الجوية فاز حزب الرفاه أيضًا بأعلى نسبة من الأصوات، وفي إسطنبول، وتوزلا، وسمندره، وكارتال، حيث توجد التجمعات السكنية للضباط العاملين في القوات البرية فاز الرفاه أيضًا بأعلى نسبة من أصوات العسكريين وعائلاتهم. 

    هذه الحقائق كلها -والتي كانت تدركها تشيللر جيدًا، ويدركها المراقبون للوضع في تركيا- تشير إلى أن الجيش التركي لا يهمه سوى مصلحة البلاد أولًا، واحترام الحرية والديمقراطية التي تنعم بها البلاد وحمايتها، والمراهنة على دور الجيش التركي في قمع البلاد، أو محاربة الشعب مثلما يحدث في كثير من دول العالم الثالث وهي مراهنة خاسرة؛ لأن تركيا لها وضعها الخاص بها، وبالتالي فإن الجيش التركي يتطلع إلى حكم الرفاه، مثلما يتطلع باقي الشعب التركي المسلم، ومثلما يترقب الغربيون أنفسهم.

الرابط المختصر :