; العالم ينتحر! | مجلة المجتمع

العنوان العالم ينتحر!

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2005

مشاهدات 60

نشر في العدد 1648

نشر في الصفحة 44

السبت 23-أبريل-2005

المسلمون أقل الناس انتحارًا والملحدون أكثرهم

• مليون ونصف المليون منتحر عام ۲۰۲۰ بواقع فرد كل ٢٠ ثانية.

• مع كل حالة لانتحار شاب هناك ٤٠٠ محاولة أخرى .

• ضعف الترابط الأسري والوضع الاقتصادي أهم الأسباب.

هل تصدق أن كل عام يمر علينا ينتحر فيه مليون شخص؟! بمعدل منتحر كل ٤٠ ثانية! لقد فاق هذا العدد مجموع جرائم القتل في العالم «نصف مليون» ومن قتلوا في الحروب «ربع مليون» في السنة الواحدة، ذلك ما أعلنته منظمة الصحة العالمية في تقريرها بمناسبة اليوم العالمي لمنع الانتحار ١٠ سبتمبر ٢٠٠٤.

ويؤكد التقرير أنه في سنة ٢٠٢٠ سيرتفع العدد إلى مليون ونصف مليون شخص أي بمعدل قتيل كل ٢٠ ثانية، ولما كانت محاولات الانتحار في المتوسط هي أكثر عشرين مرة من الانتحار فهذا يعني أن هناك من يحاول قتل نفسه كل ثانيتين الآن، وكل ثانية في السنوات القادمة، وما زالت أوروبا تعاني من النسب العالية للانتحار، ولكن الظاهرة المقلقة هي ازدياد معدل الانتحار بين الشباب في العالم عامة وفي أوروبا خاصة، من على رأس القائمة؟ وما الأسباب؟ ولماذا الشباب في أوروبا؟ وهل يمكن الوقاية من ذلك؟

من على رأس القائمة؟

ليسوا من أوروبا الغربية مثل السويد كما لا يزال يعتقد الكثيرون كلا إنهم من روسيا ومن أوروبا الشرقية وبالذات الدول التي تفككت عن الاتحاد السوفييتي- عدا الدول التي غالبية أهلها من المسلمين- تتصدر ليتوانيا الترتيب ۸۱ منتحرًا لكل ١٠٠,٠٠٠ رجل و ١٣ منتحرة لنفس العدد من النساء في العام «مع ملاحظة الفرق بين الذكور والإناث» والجدول التالي يبين أكثر الدول انتحارًا بمجموع الذكور والإناث (1).

الدولة الدولة 

لاتفيا

كازاخستان

المجر

إستونيا

سلوفينيا

6

7

8

9

10

ليتوانيا

روسيا

بيلاروسيا

أوكرانيا

سريلانكا

1

2

3

4

5

جدول رقم (1)

ومن الملاحظ أن سيريلانكا هي الدولة الوحيدة الآسيوية التي تتصدر القائمة، أما كازاخستان فتجدر الإشارة إلى إنها احتُلت من روسيا في القرن الثامن عشر، ثم أصبحت جمهورية سوفييتية عام ١٩٣٦، إلى أن استقلت في 1992، وفي الخمسينيات من القرن الماضي هجّرت الحكومة ملايين الروس إلى هناك من خلال ما عرف ببرنامج الأرض البكر فتغيرت الطبيعة السكانية هناك حتى صار الكازاخ يمثلون ٥٣٪ فقط من عدد السكان والمسلمون 47% أما الدول التي احتفظت بغالبيتها المسلمة مثل أوزبکستان، طاجیکستان، تركمانستان فنِسب الانتحار فيها ضئيلة.

ولكننا نجد أن المسلمين هم أقل الناس انتحارًا والملحدون هم أكثر الناس انتحارًا، كما يوضحه الرسم البياني (٢) ولا يتغير الجدول إذا كان عن انتحار الرجال، أما النساء فتتصدر سريلانكا القائمة ١٧ منتحرة لكل ١٠٠,٠٠٠ وترتيبها كالتالي: سريلانكا- الصين- شيلي- اليابان- ليتوانيا- المجر- كوبا- بارجواي- روسيا- لاتفيا.

وقد لوحظ أن الجُزر يكثر فيها الانتحار مثل كوبا وسريلانكا وكذلك اليابان التي في المرتبة 11 بعد سلوفينيا.

نسب الشباب: من المقلق للغاية ارتفاع نسبة المنتحرين من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين ١٥- ٢٤ سنة، ودلت دراسة لجامعة هارفارد (3) أن المعدل تضاعف ثلاث مرات خلال النصف الثاني من القرن الماضي وأنه مع كل حالة انتحار لشاب أو فتاة، هناك ما يقرب من ٤٠٠ محاولة انتحار «نعم أربعمائة».

أعلى القائمة أوروبيًا-كما نجد في الجدول الآتي- كأعلى نسب للانتحار بين الشباب:

الدولة الدولة 

فنلندا

النرويج

سويسرا

بيلاروسيا

النمسا

7

8

11

12

13

ليتوانيا

روسيا

سلوفينيا

لاتفيا

إيستونيا

1

2

4

5

6

جدول رقم (2)

        ▪ إناث ▪ ذكور

وهذا مأخوذ من الترتيب العالمي، والمركز الثالث تحتله نيوزيلندا، والتاسع أستراليا، والعاشر كندا (4).

هناك أسباب عديدة لكل ما تقدم وكلها- في رأيي- تعود في أصلها إلى عدم الإيمان كما سنرى والجو السائد في دول الاتحاد السوفييتي الغابر من الناحية الدينية والاجتماعية والنفسية والصحية والسياسية والاقتصادية، بما في ذلك إدمان الخمر والمخدرات وانتشار الأمراض النفسية وعدم علاجها على الوجه اللائق، والفساد العام والبطالة، والاستبداد السياسي وتضخم عدد السجناء وانتشار الانتحار بينهم.

هذه هي أسباب الانتحار!

والأبحاث تظهر الأسباب الآتية للانتحار:

1- موت أو مرض موت، لصديق أو حبيب أو قريب.

2- الطلاق أو الانفصال أو فشل العلاقات العاطفية أو الوظيفية والضغوط النفسية في الأسرة.

3- ذهاب الصحة.

4- فقدان الوظيفة أو البيت أو المال أو المركز والهمة والأمان الشخصي.

5- تعاطي الخمر والمخدرات.

6- الاكتئاب بأنواعه والفصام.

وينتج عما سبق تغييرات شعورية وسلوكية منها:

1- الألم الشديد وعدم تحمله أو الصبر عليه.

2- اليأس والقنوط من تحسن الأحوال.

3- القلق والخور والضعف التام والإحساس بأنه لا يملك أي إمكانية شخصية أو نفسية للتغيير.

4- الشعور بأنه لا قيمة له ولا فائدة منه، والإحساس بالعار والذنب وكراهية الذات وإهمالها.

5- تصبح الشخصية حزينة، منطوية، منهكة، عصبية، متوترة قابلة لنوبات الغضب مع اضطراب النوم والأكل.

6- تدهور مستوى العطاء في الدراسة أو العمل وغيرهما من الأنشطة وتدني الاهتمام بما كان يستمتع به من قبل كالجماع.

لماذا أوروبا؟

يندفع الشباب- مع ضعفه الأسري والاقتصادي- لمحاولات الانتحار كصرخة استغاثة لمعاناتهم أو كإشارة منهم لحاجة يريدونها يستحثون الإجابة، أو ظنًا منهم بأنها طريقة لإنهاء الصراع والمشكلات مع النفس أو الآخرين، أو كطريقة لمعاقبة الآخرين مثل الوالدين.

وتظهر أيضًا حينما يتلوث الشاب في مستنقع التجريم والجريمة والرذيلة وإدمان الخمر والمخدرات والبطالة.

بعض هذه العوامل تعكس النتيجة السيئة المحتمة للأخطار التي عرض الشاب نفسه لها، أو هي نتيجة واقعية للبيئة الخبيثة التي ترعرع فيها الشاب، وقد أثبتت الدراسة وجود علاقة قوية بين ارتفاع معدل الطلاق في الأسر وارتفاع معدل انتحار الشباب في نفس البيئة، كما لاحظت الدراسة ظاهرة «العدوى الاجتماعية» بمعنى أن الشاب الذي يحاول أحد المقربين منه كقريب أو صديق الانتحار، يكون أكثر عرضة لذلك، خاصة مع الخواء الروحي والديني.

ومما يتضح أيضًا أن للحالة الاقتصادية حدين للتأثير، فقد يزيد الانتحار مع الرخاء الاقتصادي وتوافر الموارد «المختلفة والخطرة» ولكنه قد يقل بين الفتيات مع عملهن والحصول على دخل كبير، في ظل حاجة سوق العمالة.

تحريم الانتحار

ويمكن الوقاية من كل ذلك بالإيمان والالتزام بشريعة الرحمن، فالإسلام دين حرم الانتحار.. يقول الله عز وجل ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ (النساء: 29 ،30).

كما ذكر ابن كثير في تفسيره لهذه الآية ما جاء في الصحيحين: «من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة». وفي الصحيحين أيضًا حديث الرسول ﷺ: «كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكينًا نحر بها يده فما رقأ الدم حتى مات، قال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة».

والمؤمن صاحب النفس المطمئنة يطمئن أيضًا إلى قدر الله فيسلم له ويرضى فلا يسخط ولا يشكو ولا يضطرب إيمانه، فلا ييأس على ما فاته ولا يفرح بما آتاه، وهو حينئذ يتميز بأمور تجعله أبعد ما يكون عن قتل نفسه ومن تلك الأمور:

1- اليقين الناضج والتسليم الكريم، كما كان من يعقوب عليه السلام لما أخبر بفقد يوسف قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ (يوسف: 18).. ومرت السنون فإذا هو بدلًا من أن يعود ابنه المرتقب يفقد ابنه الآخر وينكأ

الجرح القديم جرح جديد، فيقول مرة أخرى ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ (يوسف: 83) ولا ييأس ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87).

2- المرونة في مقابلة الشدائد بعض أثر الإيمان والرشد (٥) فيجب أن تدع العاصفة تمر فيحسن التغلب عليها بعد أن تكون حدتها قد انكسرت كما في حديث النبي محمد ﷺ: «مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تميله، ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ومثل الكافر كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد».. وفي رواية «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح مرة وتعدلها أخرى حتى تهيج- أي تقوى وتنضج- ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذبة على أصلها- لا تميل مع ريح لصلابتها- حتى يكون انجعافها مرة واحدة» «أي انكسارها» البخاري.

مطارق الشدائد

والشدائد عند أهل الإيمان تستجيش مكنون القوى ومذخور الطاقة فيهم، وتفتح في القلب مسارب ما كان يعلمها إلا تحت مطارق الشدائد ويخلو القلب إلى الله وحده لا يجد سندًا إلا سنده.

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 155- 157).

عن أبي سنان قال: دفنت ابنًا لي فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة فأخرجني وقال لي: ألا أبشرك؟ قلت بلى، قال: قال رسول ﷺ: قال الله: يا ملك الموت قبضت ولد عبدي؟ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده؟ قال نعم، قال: فما قال؟ قال حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد» (أحمد).

3- الدعاء: ربما غلبت المرء أعراض قاهرة فسلبته طمأنينته ورضاه، فاستمع إلى نصيحة الرسول ﷺ إلى أبي أمامة الذي أذهب الله همه وقضى عنه دينه، «قل إذا أصبحت وإذا أمسيت اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل. وأعوذ بلد من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» أبو داوود.

4- الصلاة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة : ١٥٣) كان ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وكان يقول: «أرحنا بها يا بلال» ويقول: جعلت قرة عيني في الصلاة.

5- ذكر الله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

(الرعد: 28). أي تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره و ترضى به مولى ونصيرًا.

دوام ذكر الله يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده. فإن نسيان الرب يوجب نسيان نفسه ومصالحها ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الحشر: 19).

6- العمل، لأن الفراغ يدمر ألوف الكفاءات والمواهب ويخفيها وراء ركام هائل من الاستهانة والاستكانة، كما تختفي معادن الذهب والحديد في المناجم المجهولة، ويستتبع هذا الإهدار لقيمة العمل والوقت مصائب لا حصر لها نفسيًا واجتماعيًا وسياسيًا، يروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: إني لأرى الرجل فيعجبني، فإذا سألت عنه فقيل لا حرفة له، سقط من عيني.

7- الرفق في طلب الرزق، فماذا يفيد الإنسان إذا كسب العالم أجمع وخسر صحته؟ لو أن أحدًا ملك الدنيا كلها ما استطاع أن ينام إلا على سرير واحد! وما وسعه أن يأكل أكثر من ثلاث وجبات في اليوم، قال الحسن: من رضي بما قسم له وسعه وبارك الله فيه، ومن لم يرض لم يسعه ولم يبارك فيه.

علينا بالاقتراب من الشباب والاهتمام بهم والاستماع إليهم وتوفير المناخ الإيماني والبيت المستقر والصحبة الصالحة، وكذلك دعا الإسلام إلى طلب الدواء لكل داء-إلا الموت والهرم- ولا شك أن الأمراض النفسية لها أدوية وطرق حديثة للتشخيص المبكر والعلاج يجب الأخذ بها.

المراجع

1- «آخر إحصاء لمنظمة الصحة العالمية 2002 صدر هذا العام».

2- Suicidology 2002.7(2)6-8) www.who.int World Health Or-

ganisation "Suicide huge but pre- ventable public health problem 2004.

Bertolote, "A global perspective in the epidemiology of suicide" Sui- cidology, 2002.7(2)6-8

3- Harvard Institute of Economic Re- search

Explaining the rise in youth suicide 2001

hier/ http://post.economics.harvard.edu/

.2001 papers

4- www.unicef.org

5- كتاب «جدد حياتك» للشيخ محمد الغزالي دار القلم- دمشق 2001.

الرابط المختصر :