العنوان العبادة في الإسلام
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأربعاء 04-فبراير-1976
مشاهدات 77
نشر في العدد 285
نشر في الصفحة 50
الأربعاء 04-فبراير-1976
أخطأ كثير من الناس في أداء العبادة، وجهلوا مقتضياتها، ودفنوا حقائقها فظنوا أن العبادات منتهية عند أدائها، ولكن الظن لا يغني من الحق شيئًا..!! فإن لكل عبادة مقتضى تؤدى إليه وإلا فهي جوفاء خالية من كل حقيقة، من فالجهل عنوانها، والتقليد روحها..
فها هي الصلاة تؤدى اليوم في جميع بقاع الأرض.. في المساجد في البيوت في الجامعات في المصانع، ولكن نجد الكثير يفعلها حركات بدون مقتضى، وركعات بدون حقيقة، وتسبيح بدون أثر، وتكبير بدون روح.. إلا ما رحم ربك.. وإلا فلماذا هذه المناكر أليست هي من فعل المصلين وبرضاء منهم.. فأين هذه الصلاة من الصلاة التي يعنيها الله في قوله ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ ﴾ وأين هي من حديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- لما قيل له «أن فلانًا يصلي الليل كله فإذا أصبح سرق.
فقال: سينهاه ما تقول، أو قال ستمنعه صلاته» رواه أحمد من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح إذن هذه هي الصلاة الحقيقية، وهذا هو مقتضاها فأين اليوم حقيقتها عند عموم المسلمين.
ثم لنأخذ عبادة أخرى الصيام..
إنها اليوم كبقية أمور العادة والمواسم.. ليس لها من حقيقتها من شيء إلا ما رحم ربك.. فألم يقل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:183).
فحدد سبحانه المقتضى الحقيقي للصيام بقوله «لعلكم تتقون» إذن ليست المسألة ترك الطعام وشراب.. بل هي عبادة لتحقيق التقوى لإيجاد ما ورد عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلی! قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت قال فذلك التقوى. لإيجاد تلك الحساسية والخشية والشفافية لمراقبة الله في السر والعلن..
فتكون برهانًا في قلب المؤمن متى ما حدثته نفسه لعمل يغضب الله يسطع ويقول له.. كيف ستواجه ربك يوم القيامة بهذا العمل، وماذا ستجيب ربك عند طرح السؤال.. فيقتلع ويبتعد ويهرب إلى باب الاعتصام بالله كما فعل عنوان قدوته يوسف الصديق في الهروب من الشيطان.. وإلا فصيامه كما قال الحبيب محمد- صلى الله عليه وسلم- «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. وقوله- صلى الله عليه وسلم- «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر.
ثم تعال معي إلى الركن الأصيل والأصل القويم «لا إله إلا الله محمد رسول الله».
اليوم يرددها البر والفاجر، والحاكم والمحكوم ولكن إلا ما رحم ربك.. لا ينفذ من مقتضاها سوى تحريكه الشفتين فمن البديهي أن المقتضى الأساس لهذا الأصل هو السلطان فانظر معي إلى الجموع المتلفظة بهذه الجملة؛ من منهم قد أعطى سلطانه لله؟؟ إذن ليست بالكلمة التي تقال وإنما لها حق ولهذا صرح ابن عياض قائلًا في تعقيبه على حديث الصحيح حيث قال النبي- صلى الله عليه وسلم- «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله» إن اختصاص عصم المال والنفس بمن قال: لا إله إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعى إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله: لا إله إلا الله، إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده فلذلك جاء في الحديث الآخر «ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة».
وهذه أمثلة من الأركان والعبادات وهي على سبيل المثال وليست على سبيل الحصر.. ونخلص منها إلى أن تحقيق هذه المقتضيات الخاصة بالعبادة تحتاج إلى جهد ومجاهدة.. حتى يكون لها واقع في سلوك المسلم فليس بالأمر الهين أن يوجد الإنسان في نفسه التقوى.. أو الانتهاء عن الفحشاء والمنكر في سلوكه.. أو إقامة سلطان الله في واقع حياته.. وهذه الصعوبة لا بد أن خلفها سبب معين وهذا واضح وجلي.. وهو أن الإنسان يعيش في مجتمع لا يساعده على إيجاد مقتضيات العبادة بل يعمل على إيجاد ما هو عكس لها.. وإلا فانظر معي إلى ذلك المسلم الذي يدخل في الإسلام في عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم- أو الدولة الإسلامية من بعد تراه لا يحتاج إلى أي مشقة لإيجاد التقوى أو الانتهاء عن الفحشاء.. فكل ما حوله يدفعه للتقوى ويبعده عن المنكر، كما أنه لا يحتاج لإيجاد سلطان الله لأنه موجود سلفًا.. وعلى هذا قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال بل منكم».
وقال «إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء فطوبى لكم معشر الغرباء اليوم وطوبى لكم يا من حققتم معنى العبادة ونفذتم مقتضياتها وحقق لكم ربكم ما وعدكم به رسولكم في الدنيا والآخرة.»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل