العنوان العبر والفوائد التربوية من طبقات الشافعية الخطيب البغدادي
الكاتب د. يوسف السند
تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2020
مشاهدات 51
نشر في العدد 2140
نشر في الصفحة 41
السبت 01-فبراير-2020
أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، أبو بكر الخطيب،
ولد يوم 24 جُمادى الآخرة 392هـ.
وكان لوالده الخطيب أبي الحسن عليّ إلمامٌ بالعلم، وكان يخطب بقرية دَرْزِيحان، إحدى قرى العراق، فحضّ ولدَه أبا بكر على السّماع في صِغَره، فسمع وله 11 سنة.
ورحل إلى البصرة وهو ابن عشرين سنة، وإلى نَيْسابور ابن ثلاث وعشرين سنة، ثم إلى أصْبهان، ثم رحل في الكهولة إلى الشام.
وقدم دِمَشْق، فسمع خلقاً كثيراً، وأخذ يُصنِّف في كتبه، وحدّث بها بتآليفه.
وكان من كبار الفقهاء، تفقّه على أبي الحسن المَحَامِليّ، والقاضي أبي الطّيِّب الطبري، وقرأ «صحيح البخاري» بمكة في خمسة أيام على كريمة الْمَرْوَزِية.
وأراد الرِّحلة إلى ابن النّحّاس، إلى مصر، قال: فاستشرتُ البَرْقاني، هل أرحل إلى ابن النحاس في مصر، أو أخرج إلى نَيْسابور، إلى أصحاب الأصَمْ؟ فقال: إنك إن خرجتَ إلى مصر إنما تخرج إلى رجل واحد، إن فاتَك ضاعتْ رحلتُك، وإن خرجتَ إلى نَيْسابور ففيها جماعةٌ، إن فاتك واحدٌ أدركتَ مَن بَقِيَ.. فخرجتُ إلى نَيْسابور.
ثم أقام ببغداد، وألقى عصا السفر إلى حين وفاته، فما طاف سورها على نظيره يروى عن أفصح من نطق بالضّاد، ولا أحاطت جوانبُها بمثله، وإن طفح ماءُ دِجلَتِها وروَّى كُلّ صاد، عرّفتْه أخبار شأنها، وأطلعتْه على أسرار أبْنَائِها، وأوقفتْهُ على كلّ موقف منها وبُنيان، وخاطبتْهُ شفاهاً، لو أنها ذات لسان.
ومصنفاته تزيد على الستين مُصنّفاً.
قال ابن ماكولا: كان أبوبكر آخرَ الأعيان، ممن شاهدناه معرفةً، وحفظاً، وإتقاناً، وضبطاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفنُّناً في عِلَلِه وأسانيده، وعلماً بصحيحه وغَريبه، وفَرْدِه ومُنْكَره، ومَطرُوحه.
وقال المُؤتَمن الساجي: ما أخرجت بغداد بعد الدّارَقُطْنِيّ أحفظَ من الخطيب.
وقال الشيخ أبو إسحاق الشِّيرَزِيّ: الخطيبُ يُشبّه بالدارَقُطْني ونُظَرائه في معرفة الحديث، وحفظه.
وقال عبدالعزيز الكتّاني: إنه اسّمّع الحديث وهو ابن عشر سنين.
وقال أبوسعد بن السّمْعاَنِيّ: كان مهيباً، وقوراً ثقة مُتحرّياً، حُجة، حسن الخطّ، كثير الضّبط، فصيحاً، خُتِم به الحُفّاظ.
قال: وله ستة وخمسون مُصنّفاً، وقال ابن النّجّار: هي نَيِّف وستون.
وكان للخطيب ثروة ظاهرة، وصدقات على طُلّاب العلم دارّة، يهب الذهب الكثير للطلبة.
وقال غيرُ واحدٍ، ممّن رافق الخطيبَ في الحج: إنه كان يختم كلّ يومٍ ختْمةً إلى قريب الغياب قراءةَ ترْتيل، ثم يجتمع عليه الناسُ وهو راكب، يقولون: حدِّثنا، فيُحدِّثُهم.
ويُذْكَر أنه لما حجّ شرب من ماء زمزم ثلاث شَرْبات، وسأل الله ثلاث حاجات؛ الأُولى: أن يُحدِّث بـ«تاريخ بغداد»، والثانية: أن يُمْلِي بجامع المنصور، والثالثة: أن يُدفَن إذا مات عند بِشْر الْحافِي، فحصلت الثلاث.
وُحكي أن بعض اليهود أظهر كتاباً، وادّعى أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسقاط الجِزْية عن أهل خيبر، وفيه شهاداتُ الصحابة رضي الله عنهم، وذكروا أن خطّ عليّ فيه، فعُرِض على الخطيب، فتأمّله، وقال: مُزوّر؛ لأن فيه شهادة معاوية، وهو أسلم عامَ الفتح، وخيبرَ فُتِحت قبل ذلك، ولم يكن مُسلماً في ذلك الوقت، ولا حضر ما جرى، وفيه شهادة سعد بن مُعاذ، ومات في بني قُرَيظة بسَهْمٍ أصابه في أَكْحَلهِ، يوم الخندق، وذلك قبل فتح خيبر بسنتين.
ولما مرض وقَف جميع كتبه، وفرّق جميع ماله في وجوه البِرّ، وعلى أهل العلم والحديث، وكان ذا ثروة ومال كثير، فاستأذن أميرَ المؤمنين القائمَ بأمر الله في تَفْريقها، فأذن له، وسبب استئذانه أنه لم يكن له وارثٌ إلا بيت المال.
توفِّي الخطيب في 7 ذي الحجة 463هـ ببغداد، ودفن بباب حَرْب إلى جانب بشر بن الحارث، وتبع جنازته الجمُّ الغفير، وكان له بها جماعة ينادون: هذا الذي كان يذُبُّ عن رسول صلى الله عليه وسلم، هذا الذي كان ينفي الكذبَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الذي كان يحفظ حديثَ رسولِ صلى الله عليه وسلم(1).
العبر والفوائد التربوية:
- الأثر الإيجابي للوالد العالم في ولده.
- طلب العلم منذ الصغر يوجد عالماً متقناً في الكبر.
- تميز العلماء بشدة علاقتهم مع القرآن الكريم حفظاً وتلاوة وتفسيراً.
- تعدد المصنفات للعالم دليل على سعة اطلاعه وبركة علمه.
- لطلب الحديث الشريف مكانة يُوفّق لها الصادقون المتقنون.
- كثرة رحلات العالم دليل تضلعه وتنوع مشايخه.
- رسوخ العالم في التاريخ والسير ومعرفته بالمحدثين يجعله مدافعاً ناجحاً ومحترفاً عن الإسلام وعن سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لا يستطيع الأعداء مخادعته.
- كرم علمائنا في الإنفاق والصدقة حتى تلاحق أخبارهم الطيبة وبشاراتهم العبقة وحسن ثناء الناس عليهم.>
الهامش
(1) تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية، الجزء الرابع، تحقيق: عبدالفتاح محمد الحلو، ومحمود محمد الطناحي.