العنوان العدالة ماتت في مصر!
الكاتب حسن القباني
تاريخ النشر الخميس 01-يناير-2015
مشاهدات 70
نشر في العدد 2079
نشر في الصفحة 21
الخميس 01-يناير-2015
24 انتهاكاً إجرائياً لسير المحاكمات و1350 حكماً بالإعدام دون دفاع
3 حالات إعدام و2377 عاماً في السجون و15 مليون جنيه.. عقوبات للطلاب فقط!
مرصد: المحاكمات غير العادلة ظلت العنوان الرئيس لحكم الانقلابيين
جبهة قضائية: القضاء جُمِّد منذ 3 يوليو والدوائر الحالية انتقائية انتقامية
محاكمة القرن كانت أحد نماذج غياب العدالة وسياسة الإفلات من العقاب
تفويض المحامين باتخاذ إجراءات العصيان المدني في مواجهة الانتهاكات
أبو هريرة: القضاء بات شريكاً في الجريمة وقضايا عديدة أسقطته
علي الدين: المؤسسة القضائية شاركت كفاعل أصيل في جريمة الانقلاب
القاهرة: حسن القباني
في مصر، باتت العدالة في القبور، حيث عدالة السماء، فلا قضاء على الأرض، ولا سيادة للقانون، ولا يستطيع قضاة أو محامون الدفاع عن الدستور والقانون، وإلا مصيرهم العزل أو الاعتقال.. هكذا يرصد حقوقيون ومراقبون ومعنيون بملف استقلال القضاء والحقوق والحريات المشهد في مصر، والذي توثقه تقارير وأرقام رصدت بعضها "المجتمع" في سطور هذا التحقيق.
المرصد المصري للحقوق والحريات، وهو أبرز مرصد حقوقي مصري مستقل ظهر عقب الانقلاب، كشف من خلال توثيق وحداته أن المحاكمات غير العادلة ظلت العنوان الرئيس لحكم "السيسي"، التي شهدت انتهاكات عديدة، وتمت دون مراعاة للأعراف والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، التي تحظر اعتقال الأفراد أو حجزهم تعسفياً، بالإضافة إلى الانتهاكات الخاصة بحقوق الإنسان من اعتقال وتعذيب وقتل خارج إطار القانون، وعمليات الاعتقال العشوائي التي طالت كل فئات المجتمع.
وقال المرصد في آخر تقاريره عن المحاكمات في مصر: منذ أن أتى وزير الدفاع السابق "عبدالفتاح السيسي" إلى سدة الحكم، لم يجرِ تغييراً كبيراً عن الفترة التي سبقته من استمرار استخدام القضاء كأداة من أدوات القمع، بل إننا نجد أن فترة المائة يوم الأولى من هذا الحكم لم يشهد لها مثيل في التاريخ المصري الحديث من انتهاكات معايير ومبادئ المحاكمات العادلة، وعدد المعتقلين الذين أضيروا، ونوعية الأحكام ومدتها، والغرامات المالية والكفالات، التي أوضحت أن الغرض ليس تطبيق القانون بقدر ما هو تطبيق سياسة الجباية والاستحواذ على الأموال وجمعها بأي طريق كان.
ورصد المرصد المصري للحقوق والحريات انتهاكات النيابة العامة عند التحقيقات؛ وهي: إجراء تحقيقات النيابة العامة داخل أقسام الشرطة والسجون، وعدم التحقيق في حالات التعذيب أو الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري، وحبس المتهمين رغم عدم وجود أي دليل على ارتكابهم للجرائم المنسوبة إليهم، وتجديد الحبس الاحتياطي لمدد متعددة رغم انتفاء مبرراته، والزج بالمتهمين في العديد من القضايا، بلغت لبعضهم أكثر من 20 قضية، وقيام النيابة العامة باستئناف قرار إخلاء السبيل الصادر بناء على استئناف المتهم لأمر الحبس رغم عدم جواز نظر استئناف الاستئناف، وعدم قيام النيابة العامة بالتفتيش على السجون للوقوف على حالة حقوق الإنسان بداخلها، وانعدام ضمانات التحقيق ونزاهتها، وتجاهل قواعد العدالة العاجزة.
وبالنسبة لانتهاكات المحاكم أثناء نظر أوامر الحبس، رصد المرصد انتهاكات عدة؛ وهي: قيام الكثير من المحاكم بتجديد أمر الحبس رغم عدم إحضار المتهمين من محبسهم، وقبول بعض المحاكم نظر استئناف النيابة العامة لقرار إخلاء السبيل الصادر في استئناف المتهم لأمر حبسه، وتقوم المحكمة بإلغاء إخلاء السبيل وتأمر بالحبس، وتأجيل نظر أوامر الحبس مع استمرار حبس المتهمين في حالة تأخر حضور المتهمين، والمبالغة في تقدير قيمة كفالات إخلاء السبيل التي تراوحت بين 1000 جنيه حتى وصلت إلى 64 ألف جنيه في بعض الحالات.
كما عد المرصد 12 انتهاكاً لإجراءات المحاكمات بحق معارضي الانقلاب؛ وهي: تحديد دوائر بعينها لنظر قضايا مناهضي الانقلاب بعد إطلاق عليها اسم "قضايا الإرهاب"، والمبالغة في تحديد قيمة الحصول على صورة من أوراق القضية حتى بلغ الرسم إلى 20 ألف جنيه بزعم أنها قضايا رأي عام، وانعقاد الجلسات بمعهد أمناء الشرطة الذي يقع داخل أسوار سجن طره، كذلك انعقادها داخل أكاديمية الشرطة وسط إجراءات أمنية مشددة، وإهدار مبدأ علانية الجلسات بعدم السماح بحضور الجلسات إلا لمن يحصل على تصريح من الحكمة بناء على تعليمات الأمن، وعدم إذاعة جلسات المحاكمة رغم عدم التصريح للجمهور بالحضور والاكتفاء بإذاعة لقطات مصورة عقب المحاكمة، ووضع المتهمين داخل قفص زجاجي مانع للصوت بأكاديمية الشرطة، يحجب صوت المتهمين أثناء سير المحاكمة، ونقل المتهمين إلى قاعة المحاكمة في الليلة السابقة عليها ليبيتوا ليلتهم في ظروف قاسية ليصابوا بالإرهاق قبل انعقاد المحاكمة، وإجبار المتهمين على حضور الجلسات رغم اعتراضهم على الحضور لعدم اعترافهم بالمحاكمة، وإهانة هيئة الدفاع عن المتهمين من خلال وجود عدد من البلطجية خارج المحاكمة ليتهجموا عليهم أثناء الدخول، وذلك أمام ضباط الشرطة، وعدم التصريح لجميع أعضاء هيئة الدفاع بالدخول للمحاكمة، والإسراع في إجراءات المحاكمة وعقد جلساتها بصورة شبه يومية، وذلك يمنع الدفاع من أداء دوره وواجبه في الدفاع عن المتهمين، وعدم استجابة المحكمة لطلبات هيئة الدفاع.
جبهة استقلال القضاء، وهي أبرز الجبهات القانونية في مصر، التي تتصدى لملف استقلال القضاء والمحاماة، أكدت في تقرير حديث لها أن أيام الانقلاب رسخت بصورة أكبر وضوحاً تجميد السلطة القضائية فعلياً، التي استمرت في تجاهل كل جرائم الانقلابيين منذ 3 يوليو 2013م حتى الآن، وتفرعت لقمع المصريين عبر دوائر انتقائية انتقامية مخالفة لقواعد المحاكمات العادلة عبر إصدار أحكام جائرة تشكل في بعضها قرارات إبادة جماعية، مع استمرار مذبحة القضاء الواقف والجالس بملاحقة العشرات من أعضائهما بالاعتقال التعسفي والعزل المعيب.
أحد أبرز النماذج العملية لانتهاك قيم العدالة، كانت في الحركة الطلابية، التي تتصدر كثير من المشهد الثوري في مصر، وهو ما رصده "مرصد طلاب حرية"، في إطار إحصائية حديثة له حيث بلغ إجمالي عدد أحكام الإعدام التي صدرت بحق طلاب الجامعات المصرية إلى 3 حالات إعدام في 3 جامعات هي الأزهر والمنصورة والفيوم، و2377 عاماً في السجون، وغرامات مالية بلغ مجموعها 15 مليوناً و16 ألف جنيه مصري.
وتعد أحكام الإعدام الجماعي التي بلغت 1350 حكماً بالإعدام أحد ملامح سقوط العدالة في مصر، خاصة أنها صدرت بحسب المراقبين في سرعة ودون استيفاء إجراءات المحاكمات، وبانتقائية طالت قيادات الثورة وفي القلب منهم قيادات الحركة الإسلامية، حتى إن المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين طاله 6 أحكام بالإعدام وحده في أكثر من دعوى!
وكان الحكم الأخير في محاكمة القرن بتبرئة المخلوع خطوة جديدة في سياسة إسقاط العدالة والإفلات من العقاب، بتعبير "المرصد المصري للحقوق والحريات".
تحرك دولي
غياب قيم العدالة في مصر، وتسييس القضاء، والانتقائية في تطبيق القانون، ومخالفة السلطات وعلى رأسها القضاء لكل قيم العدالة والحقيقة، والاعتداء على الحريات العامة والخاصة، دفع "جبهة استقلال القضاء" و"المرصد المصري للحقوق والحريات" إلى إعلان عدم وجود قضاء في مصر، والدعوة إلى اللجوء إلى المحاكم الدولية، وهو نفس الاتجاه الذي أعلنته "رابطة أسر شهداء الاتحادية"، وهي رابطة شعبية تدافع عن حقوق شهداء أحداث عرفت بـمجزرة الاتحادية بعد رفض القضاء المصري إدراج 8 من شهداء جماعة الإخوان المسلمين فيها، وتبناه التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب، وهو الواجهة السياسية والثورية لحراك استكمال ثورة 25 يناير ضد الانقلاب، والذي فوض المحامين في الانسحاب من الدعاوى القضائية بحسب ظروف كل دعوى.
لا أمل
محمد أبو هريرة، المستشار القانوني لمرصد طلاب حرية، وعضو التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، تحدث بتأثر شديد عن الوضع القضائي في مصر، قائلاً في تصريحات خاصة لمجلة "المجتمع": عدالة.. لا تقل عدالة في مصر.. مصر الآن في حالة غياب تام عن العدالة، والقضاء المصري للأسف يضرب بالقانون عرض الحائط، لدينا حالة كالمعتقل محمد سلطان؛ حالته الصحية خطيرة، والقضاء مازال يجدد له الحبس، رغم أن قانون تنظيم السجون يلزم مصلحة السجون بإخلاء سبيل المتهم عند سوء حالته الصحية!
وأضاف أن القضاء يخل بكل معايير المحاكمة العادلة، ومن أهمها حق الدفاع؛ حيث يتم الآن منع المحامين في أحيان كثيرة من الحضور، هذا بخلاف حملة الاعتقالات الواسعة التي يتعرض لها المحامون في سابقة خطيرة، كذلك إحالة العديد من المحامين إلى المحاكمة أثناء أداء عملهم، وإرهاب المحامين أثناء الجلسات.
وفيما يخص نموذج الطلاب، أشار أبو هريرة إلى أن الأحكام الصادرة بحق الطلاب انتقائية وتعسفية بشكل كبير، وهناك العديد من الحالات التي يتم عرضها على النيابة العامة دون وجود محامٍ، وكذلك التجديد دون حضور المتهمين، موضحاً أن قضيتي بنات "7 الصبح"، والطالبات "يسرا"، و"منة"، و"أبرار"، شاهدتان على أن القضاء أصبح شريكاً أساسياً في صنع الجريمة، وعلى تسييس الأحكام، وعدم مراعاة معايير العدالة، وكذلك طعون فصل الطلاب والتي تحمل شق "مستعجل"، وتقابَل ببطء متعمد.
الحقوقي البارز أحمد مفرح، مسؤول ملف مصر في منظمة الكرامة لحقوق الإنسان، أكد عدم حيادية هيئات المحاكم التي تنظر في الانتهاكات التي ارتكبت من قبل قوات الجيش والشرطة خلال الفترة الماضية، خصوصاً منذ 25 يناير 2011م، وبالأخص الهيئات القضائية التي تم انتقاؤها بعد أحداث 30 يونيو 2013م المسماة بـ"دوائر الإرهاب" التي تنظر في قضايا أعضاء وقيادات جماعة الإخوان المسلمين.
ويرى أنه لا أمل لإنقاذ العدالة في مصر طالما استمر القضاء يمارس دوره كأداة من أدوات القمع ومشرعن لانتهاكات السلطة، ومنغمساً في الحياة السياسية، خاصة وأن القضاء كان هو الأداة الجديدة التي أضيفت إلى أدوات القمع في مصر بعد أحداث 30 يونيو.
تواطؤ واضح
عمرو علي الدين، منسق جبهة استقلال القضاء، يرى أن الأزمة بدأت بعد الثورة، بقوله: وثب المجلس العسكري على أكتاف الشباب ليقنص ثورته ويقتل العدالة التي طلبوها وماتوا من أجلها، ومن وقتها دفنها في مقابره، مؤكداً أن القضاء بارك الانقلاب العسكري على سلطات منتخبة، وشارك كفاعل فيه بإصدار حكم بحل برلمان منتخب، ثم مشاركاً في تعطيل الدستور وعزل الرئيس المنتَخَب.
ويرى علي الدين كذلك أنه لم يعد للعدالة في مصر ذكر أو واقع، موضحاً أن القضاء أصدر أحكاماً بالإعدام دون دفاع وفي نصف ساعة على ما يزيد على 500 شخص في مقتل شخص واحد، في الوقت الذي برأ العصابة – يقصد نظام "مبارك" - من قتل الآلاف في ثورة يناير، ولم يستطع التحرك خطوة نحو مجزرتي رابعة والنهضة في إشارة إلى قائد الانقلاب "عبدالفتاح السيسي".
الحقوقي سيد إبراهيم، رئيس مركز العدالة، لم يختلف عن زملائه كثيراً، حيث أكد أن مصر تشهد انهياراً لدولة القانون، وأصبح تحقيق العدالة منعدماً فيها بجدارة؛ حيث انحازت النيابة العامة وهي محامي الشعب إلى مدافع عن المجرمين والفاسدين والقتلة، وأصبحت بديلاً عن قانون الطوارئ، وشريكاً مع وزارة الداخلية في الانتقام من الخصوم السياسيين، وأصبح الحبس الاحتياطي وسيلة عقاب دون محاكمة أو تحقيق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل