العنوان العدوان الإسرائيلي على الخليل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يوليو-1983
مشاهدات 61
نشر في العدد 629
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 19-يوليو-1983
الإنسان اليهودي عزيز على حكومته جدًا، وليس كالإنسان العربي، ولكن
الأهداف التي تسعى لتحقيقها «إسرائيل» يهون في سبيلها كل إنسان يهودي، وعندما تكون
«إسرائيل» عاجزة، ولو مرحليًا، عن تحقيق أهدافها فإنها تخفي خسائرها، أو تختصرها إلى
الحد الذي لا يصدقه العقل أو تلجأ إلى الصمت المطبق وكأن شيئًا لم يكن، فإذا انتشر
الخبر رغم التعتيم أو خشيت إسرائيل من انتشاره أرجعت الأسباب إلى حوادث الطرق أو انهيار
مغارة أثناء التنقيب عن الآثار، أو المرض، أو السكتة القلبية... إلخ.
والشواهد على ذلك كثيرة:
- فعندما قتل رئيس الوزراء
الإسرائيلي الأسبق ليفي أشكول نتيجة صاروخ موجه إلى بيته الريفي جرى توقيته بدقة
بحيث ينطلق في الوقت الذي يكون فيه أشكول موجودًا فيه، قيل وقتها إن أشكول مات
ميتة طبيعية!
- وعندما أصيب ذات يوم وزير
الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشي ديان ورقد في المستشفى للعلاج قيل إن الحجارة قد
سقطت عليه بينما كان يمارس هواية التنقيب عن الآثار!
- وفي قطاع غزة كمن الفدائيون
ذات يوم من عام 1967 في البساتين الواقعة بين غزة وخان يونس وانهالوا على قيادة
القوات الإسرائيلية وهي قوات من الكوماندوز كانت تلبس القبعات الخضراء أرسلت خصيصًا
لتأديب أبناء القطاع الثائر، أعلنت «إسرائيل» وقتها أن شخصًا جرح بينما شاهد أبناء
القطاع طائرات الهليوكبتر تنقل القتلى والجرحى، وفي الصباح كانت الطريق المرصوفة
التي وقع عليها الهجوم مغطاة بالنفط لإخفاء الدماء، ثم حضر الحاخام الإسرائيلي
ليصلي في المكان، فعرف الناس أن قائد «ذوي الطواقي الخضراء» قد قتل.
«إسرائيل» تقلل الخسائر حين لا
تنوي الرد بعنف أو لا تستطيع، وتضخم الخسائر بل تتعلل بأتفه الأسباب حين تدبر أمرًا
جللًا بل قد تفتعل هذه الأسباب افتعالًا. وقديمًا قيل: «لا يعدم الظالم حجة لتبرير
ظلمه».
نسوق هذه المقدمة في معرض الحديث عما يجري اليوم في مدينة الخليل
الباسلة حيث قامت إسرائيل ولم تقعد بعد، لأنها زعمت أن مستوطنًا إسرائيليًا متعصبًا
ومجرمًا واسمه «أهرون بروش» قتل في أحد شوارع الخليل بسكين أغمدها فيه أحد أبطال الخليل
المجاهدين وجرده من سلاحه بمعونة أحد المجاهدين الآخرين واستطاع المجاهدان أن يتواريا
عن الأنظار، وقد قاما بهذا العمل انتقامًا لمقتل أحد أبناء الخليل على يد هذا الصهيوني
المتعصب المجرم الذي كان ينتمي إلى جماعات اليهود «المتدينين» من عصابات «غوش إیمونیم».
وبالمثل كانت إصابة السفير الإسرائيلي في لندن المسمى «أرغوف» بإطلاق
النار عليه من قبل جماعة «أبو نضال» كما أعلن فيما بعد ذريعة للهجوم الشامل على لبنان،
وما تبع ذلك من تدمير المدن والقرى اللبنانية، والمخيمات الفلسطينية ومذابح صبرًا وشاتيلًا،
واحتلال أكثر من ثلث لبنان، بما في ذلك العاصمة اللبنانية.
ومع أن إطلاق النار على السفير الإسرائيلي المذكور محفوف بالشكوك
وعلامات الاستفهام، ومع أن خسائر إسرائيل البشرية من القتلى تعدت الـ500 قتيل حسب بياناتها
الرسمية، إلا أن الأمر لم يكن انتقامًا لإصابة سفير ربما كان من المعارضين لبيغن، وإنما
كان الهجوم على لبنان تحت شعار «سلام الجليل» أي تحقيق السلام لمنطقة الجليل المحاذية
للحدود اللبنانية، ولم تكن إصابة السفير الإسرائيلي في منطقة الجليل، بل في لندن، إلا
أن هناك أهدافًا أبعد حتى من سلام الجليل أرادت إسرائيل الوصول إليها واتخذت من هذا
الحادث البسيط، وربما المفتعل، ذريعة للوصول إلى أهدافها التي لا يزال لبنان يعاني
حتى الآن من نتائجها بالرغم من أن لبنان الرسمي -أعني الكتائبي- كان له دور في استدعاء
«إسرائيل» والتخطيط معها. ولقد كان بشير الجميل أكثر من تحمس لاستدعاء «إسرائيل» ولقد
كان هو أيضًا أول صيدها!
واليوم -في الأسبوع الماضي- يقتل طالب يهودي في الخليل ويتفنن التلفزيون
الإسرائيلي في ما إظهار دمائه على الأرض والسكين التي قتلته لتحريض الرأي العام اليهودي،
وكسب الرأي العام العالمي ثم ماذا؟
يقول الشاعر:
قتل امرئ في غابة
جريمة لا تغتفر
وقتل شعب كامل
مسألة فيها نظر!
وهكذا جرى تطويق مدينة الخليل الباسلة، وفرض منع التجول على سكانها
ثم الاعتقالات الجماعية والضرب والتعذيب. وعندما حل عيد الفطر المبارك يوم الاثنين
الماضي تظاهرت إسرائيل برفع حظر التجول بعدد من الساعات ليتمكن أهل المدينة المسلمون
من الاحتفال بالعيد! وسرعان ما توجه أهل المدينة لأداء صلاة العيد في المسجد الإبراهيمي،
أو في الجزء الذي تبقى من المسجد الإبراهيمي بعد أن حول اليهود قسمًا كبيرًا منه إلى
كنيس يهودي ولكن المستوطنين اليهود قاموا بالهجوم على المصلين المسلمين الذين اشتبكوا
معهم، فاقتحمت قوات اليهود المسجد، ومنعت المسلمين من الصلاة وأعادت فرض حظر التجول!
في هذه الأثناء كانت حكومة العدو اليهودية تعقد اجتماعًا طارئًا
لبحث الوضع في مدينة الخليل هذا الوضع الذي اصطنعته هي وأرادت استغلاله لتحقيق أهدافها
الاستعمارية الاستيطانية. وعلى الفور «اقترح» عدد من الوزراء البدء في إسكان عدد من
المستوطنين اليهود داخل مدينة الخليل في المنطقة التي كان يسكنها عدد من اليهود فيما
مضى والتي كانت تسمى «الحي اليهودي» ولهذا الحي اليهودي قصة: ففي عام 1929 قامت ثورة
في فلسطين وهي إحدى الثورات الست في فلسطين ضد اليهود والإنجليز معًا منذ صدور وعد
بلفور المشؤوم عام 1917 وحتى قيام الحرب العالمية الثانية عام 1939 وهذه الثورات على
التوالي كانت في السنوات 1920، 1921، 1929، 1933، 1936، 1937م.
وقد اشتعلت شرارة هذه الثورة في القدس حين حاول اليهود الاستيلاء
على حائط «البراق» النبوي الشريف، فهاجمهم المسلمون وقتلوا منهم 28 ولم تلبث الثورة
أن امتدت إلى مدينة الخليل، حيث هاجم المسلمون الحي اليهودي وقتلوا ستين يهوديًا ثم
أجلوهم عن الخليل نهائيًا فيما بعد.
ولم ينس اليهود هذه الهزيمة، وظلوا يتربصون بمدينة الخليل إلى أن
سقطت الضفة الغربية ومن ضمنها مدينة الخليل عام 1967، فأنشأ اليهود جوار الخليل أكبر
مستوطنة يهودية وهي مستوطنة كريات أربع وهي نواة مدينة منظمة ذات عمارات شاهقة، ولم
ينسوا أن ينشئوا أسفل هذه المستوطنة مستوطنة أخرى تحت الأرض بأنفاقها وطرقها وأبوابها
تحسبًا لاشتباكات يعرفون نتائجها مع أهل الخليل الشجعان، وتمهيدًا لابتلاع مدينة الخليل
برمتها وطرد سكانها منها في المستقبل.
ولقد شرع اليهود في تنفيذ مخططهم بعد احتلال الضفة الغربية وبعد
إنشاء كريات أربع حيث هاجموا المسجد الإبراهيمي وانتزعوا جزءًا كبيرًا منه وحولوه إلى
كنيس يهودي ولم يبق للمسلمين إلا جزء يسير من المسجد.
ومن المعروف أن المسجد الإبراهيمي في الخليل يضم أضرحة الأنبياء
إبراهيم وإسحق ويعقوب عليهم السلام، وزوجاتهم سارة ورفقة وليئة عليهن السلام. وهذه
حجة كافية عند المستوطنين اليهود للسعي إلى تهويد مدينة الخليل مثلما سبق أن أعلنوا
عن تهويد مدينة القدس وذلك بزعم أن هؤلاء هم من بني «إسرائيل» أي يعقوب عليه السلام،
ولو كانوا ينطلقون من منطلق ديني حقيقي لأعلنوا إسلامهم باعتبار الإسلام خاتم الرسالات
السماوية وأنه يجبّ ما قبله وأنه مكتوب لديهم في التوراة. يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ
وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ
لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ
وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
(الأعراف: 157).
وما لنا نذهب بعيدًا فنطلب من اليهود أن يعلنوا إسلامهم وهم قتلة
الأنبياء المغضوب عليهم من رب العالمين، ونحن نرى من أبناء المسلمين من يضيق على نفسه
وعلى المسلمين ويضطهد أبناء فلسطين ويمزق شملهم، فيلتقي -أراد أو لم يرد- مع المخطط
الجهنمي لوأد الأمل في نفوس هذه الأمة.. الأمل في أن تعود الى العزة بالإسلام، لا بالماركسية
ولا بالقومية ولا بالعلمانية، ولكن بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله،
وبالجهاد.. الجهاد ضد كل أعداء الله ورسوله والمسلمين، وضد كل من ينتهك حرمات هذه الأمة
ويحتل ديارها ويقتل أبناءها ويجد مع ذلك من يواليه ممن هو محسوب على العروبة والإسلام،
يواليه ضعفًا أو جبنًا أو خيانة أو التقاء معه في العداء المبطن والصريح للإسلام والمسلمين
طمعًا في عرض زائل أو كرسي مؤقت فيكون قد حفر قبره بيده ليلقى الله مجرمًا وقد غرته
الدنيا فاتبع هواه وكان أمره فرطًا.
«أرييل شارون» الذي قاد غزو لبنان
وأشرف بنفسه على مجزرة المجازر في صبرا وشاتيلا، والذي رشح بعد ذلك ليكون وزيرًا للأرض
المحتلة (الضفة والقطاع) هو نفسه الذي يقود مجموعة الوزراء الذين يطالبون باستيطان
الحي القديم من مدينة الخليل، ثم بعد ذلك يصرح «دافيد ليفي» أن حكومة العدو اليهودية
عازمة على إعادة بناء الحي اليهودي في مدينة الخليل بل إن المستوطنين اليهود طالبوا
بأكثر من ذلك:
- تدمير الصفوف الأولى من المساكن
الفلسطينية القريبة من الطرق في جميع أنحاء الضفة الغربية المنع إلقاء الحجارة
على السيارات الإسرائيلية.
- طرد وإبعاد كل من يلقي حجرًا
على سيارة يهودية.
- تجديد الاقتراح بتعيين شارون
وزيرًا للمستوطنات ليكمل عملية الإبادة والتهجير للشعب الفلسطيني من وطنه.
وما لنا نلوم اليهود الأعداء المحتلين لديارنا حين يبعدون من يقذفهم
بحجر ونحن نرى (الفلسطيني الطائر) يتنقل بين عاصمة عربية وأخرى غير مسموح له بدخول
هذا البلد العربي ولا ذاك لأن وثيقة سفره الصادرة في لبنان قد انتهت وأن السلطات اللبنانية
رفضت تجديد هذه الوثيقة.
وزعيم الفلسطينيين «أبو عمار» يرافقه ضابط سوري صغير إلى مطار دمشق
ليقول له: إن من يتطاول على سوريا ليس له مكان على أرضها.. ثم يضيف: إنك شخص غير مرغوب
فيه. يا إلهي كم وصل الهوان بهذه الأمة، مطلوب من قائد الثورة الفلسطينية أن يرى ثورته
التي ترعرعت وسط الدماء والمؤامرات والإبادة لمدة تزيد عن ثمانية عشر عامًا، مطلوب
منه أن يرى هذه الثورة تذبح ولا يشتكي، ولا يرفع
صوته مطالبًا بإيقاف المذبحة، المطلوب منه أن يقبل اليد التي تذبح شعبه وثورته،
ويعلن على الملأ أنها ثورة مباركة وإلا فمصيره
القتل فإن أفلت من القتل فالطرد والإبعاد لأنه شخص غير مرغوب فيه، هذا الرجل الذي عرفه
العالم كرمز لنضال هذه الأمة فاحترموه، نجده في ديار العرب طريدا غير مرغوب فيه حاله
حال أبناء فلسطين عمومًا.
وبغض النظر عن أخطاء وقع فيها القائد الفلسطيني، نحن نعرفها جيدًا،
فإن هذه الأخطاء بالتأكيد ليست هي الأسباب التي أدت إلى إبعاده من سوريا، ولكن السادة
في واشنطن وموسكو لا يريدون لهذه الثورة أن تأخذ مداها، بل يريدون أن يجعلوها مطية
لتحقيق مصالحهم، فإن استعصت فعلى الوكلاء في المنطقة أن يروضوها، فإن استعصت فلتكن
هناك منظمة أخرى بديله ذات قيادة أكثر طواعية وإن كانت أكثر صراخًا.
الضغط على الفلسطينيين داخل الأرض المحتلة، والضغط على الفلسطينيين
خارج الأرض المحتلة يصب في مجرى واحد لتحقيق هدف واحد هو هدف الكبار في واشنطن وموسكو،
وهو هدف «إسرائيل» في الاستقرار والتمدد على حساب اندثار الشعب الفلسطيني، ومن ثم السيطرة
التامة على ديار العرب وكبت الإسلام في نفوس المسلمين ومنعه من أن يعود دين جهاد وعزة
ورفاهية وعدالة.
فما هو المطلوب من الفلسطينيين ذوي الباع الطويل في الكفاح المسلح
والتصدي للمؤامرت في أسوأ الظروف والخروج في كل مرة أقوى مما كانوا؟ المطلوب أن يلتصقوا
بالجماهير العربية المسلمة التي تعاني مثلهم حربًا لا هوادة فيها وأن يعتمدوا على الله
وحده لا شريك له، مع الأخذ بالأسباب والاستعانة على قضاء حوائجهم بالكتمان، ولعل هذه
الفكرة، فكرة العودة إلى العمل السري والنزول تحت الأرض بدأت تراود قادة المقاومة هذه
الأيام، يقول صلاح خلف أبو إياد في حديث له مع مجلة الوطن العربي العدد الأخير: «أنا
أعتقد أنه يجب أن نفكر باللجوء الى نوع من السرية.. لابد في ذلك من إيجاد طلائع جديدة».
فهل تتحول الثورة الفلسطينية إلى ثورة «أشباح»؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل