العنوان محنة الفلوجة مازالت مستمرة.. العمليات العسكرية لم تتوقف.. العراقيون.. لاجئون في بلدهم!
الكاتب كامل الشرقي
تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2004
مشاهدات 54
نشر في العدد 1632
نشر في الصفحة 24
السبت 25-ديسمبر-2004
منع نازحي الفلوجة من العودة إلى منازلهم
مساجد بغداد تحولت إلى مأوى للاجئين وتنقصها الإمكانات اللازمة لاستيعابهم
بشار الفيضي: الاحتلال يمارس سياسة العقاب الجماعي ضد العراقيين.
لاجئة: أخشى العودة إلى الفلوجة بعد أن قصفها الاحتلال بالأسلحة الكيماوية.
يواجه عشرات الآلاف من أهالي مدينة الفلوجة ظروفًا مأساوية قاسية، خاصة في هذه الأيام التي يشتد فيها البرد، بعد أن اضطروا إلى الهجرة من مدينتهم بسبب شدة القصف الوحشي الذي قامت به قوات الاحتلال الأمريكي على المدينة مما أدى إلى تدمير المدينة، وهدم البيوت على ساكنيها، واستشهاد المئات من الأطفال والنساء والشيوخ، وتركهم في العراء دون السماح لأي فريق طبي من الوصول لإنقاذهم ومنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى مناطقهم، وقد اضطرت آلاف العوائل إلى النزوح عن الفلوجة، واللجوء إلى المخيمات أو دور العبادة هربًا من البرد، والملاحقة الأمريكية.
أوضاع كارثية: الحالة الإنسانية بالفلوجة أصبحت كارثية بسبب الآثار التي تركها القتال الشرس والحصار المتواصل وقطع المياه والكهرباء واستهداف كل الأماكن وعدم احترام أماكن العبادة والعلاج والدور السكنية من قوات الاحتلال الذي واصل لأيام طويلة قصفه المتعمد والمباشر لمساكن المواطنين، إضافة إلى استهداف الجوامع ودور العبادة التي تنتشر على امتداد المدينة، مما حول الفلوجة إلى مدينة خراب كل معالمها الإدارية والدينية مهدمة.
ومن جهة أخرى، فإن جمعية الهلال الأحمر العراقية ما تزال حتى الآن تطلب بإلحاح من قوات الاحتلال السماح لقوافلها الإغاثية بالدخول وإيصال المؤن الضرورية والعلاج وكميات من الأدوية والضمادات التي يحتاجها من بالداخل بينما ما يزال الجانب الأمريكي يرفض الطلب.
وتشير التقارير إلى أن بعض الجثث ما تزال متروكة في المساحات والشوارع، حيث يتعذر على الناس دفنهم بسبب ممانعة الاحتلال، مما يهدد بتلوث بيئي خطير، أما الجرحى الذين لم يتمكنوا من مغادرة الفلوجة فلا يوجد أي احتمال لنجاتهم لعدم وجود الأجهزة والطواقم الطبية وانعدام العلاجات الضرورية.
رغم المحاولات المتواصلة التي تبذلها الهيئات الإنسانية والصحية حيث عم الدمار مناطق واسعة من المدينة في الوقت الذي. انبعثت فيه روائح الجثث المتحللة المنتشرة في الشوارع حتى الآن بسبب عدم قدرة فرق الإسعاف على إجلاء القتلى وعدم القدرة على دفنهم لمواصلة القصف الأمريكي لإحياء المدينة، وأشار شهود عيان إلى أن العشرات من العوائل في الأجزاء الجنوبية تعيش في حالة مزرية لعدم قدرتها على المغادرة، فضلًا عن الأوضاع الصعبة جراء فقدان الخدمات ولقطاع التيار الكهربائي ومياه الشرب وعدم توافر مراكز طبية لتقديم العلاج للمصابين.
لا عودة للنازحين
عشرات الآلاف من النازحين أضطروا إلى الرحيل من المدينة واللجوء إلى المدينة السياحية «الحيائية» حيث سكنوا في مخيمات مهلهلة في العراء مما عرض الأطفال والشيوخ إلى الإصابة بالأمراض، وقد قام هؤلاء بتظاهرات عديدة، مطالبين الحكومة بالسماح لهم بالعودة إلى الفلوجة للاطمئنان على أولادهم الذين تشردوا أو تعرضوا للاعتقال من قبل قوات الاحتلال، كما طالبوا بتعويضهم عما أصابهم من أضرار جسيمة بسبب القصف العشوائي الذي تعرضت له منازلهم وممتلكاتهم، ناهيكم عما فقدوه من أرواح بريئة أزهقها العدوان الهمجي على المدينة، إلا أن ما يثير الاستغراب أن قوات الاحتلال أمرت الحكومة العراقية الحالية بعدم السماح للنازحين من أهالي الفلوجة بالعودة إلى منازلهم، حتى بات بعض العراقيين يرددون أن ما يتعرض له أهالي الفلوجة يشبه إلى حد كبير ما يتعرض له الفلسطينيون من تشريد وإبعاد عن مناطق سكناهم حتى أصبحوا وكأنهم لاجئون.
بشار الفيضي الناطق باسم هيئة علماء المسلمين في العراق قال: «إن الأعمال العسكرية في الفلوجة لم تنته، وكل ما قيل بخصوص انتهائها هو مجرد تضليل للرأي العام ومحاولة لطمس الحقيقة الواضحة في أن الجيش الأمريكي المحتل يتكبد الكثير من الخسائر يوميًا في جنوده ومعداته».
وأضاف الفيضي أن الجيش الأمريكي يمارس سياسة العقاب الجماعي ضد أهالي مدينة الفلوجة الذين رفضوا الخروج، مشيرًا إلى أن وفد الصليب الأحمر الدولي بين حجم المأساة التي يعيشها أهالي هذه المدينة مشيرًا إلى أن عدم السماح للأهالي بالعودة لديارهم حتى يتم تأمين المدينة يكشف كذب الادعاءات بانتهاء العمليات العسكرية فيها، وهذا يعني أنها غير مؤمنة أو آمنة معربًا عن استغرابه من الادعاءات الأمريكية بانتهاء العمليات العسكرية والقضاء على المقاومة في الفلوجة والرمادي.
العيش في العراء
في جامع المصطفى الواقع في رئاسة جامعة بغداد في منطقة الجادرية، أقيم مخيم آخر للنازحين من أهالي مدينة الفلوجة يقول «الشيخ حسن الزوبعي» إمام المسجد: مع اشتداد الهجمة الأمريكية الشرسة على أهالي الفلوجة التي أجبرتهم على ترك بيوتهم واللجوء إلى العراء وجدت ١٥ عائلة من أهالي الفلوجة تقيم في معرض بغداد الدولي وفي ظل ظروف قاسية فقررت أن أجلبهم إلى المسجد ليسكنوا فيه ولمساعدتهم على تجاوز محنتهم.
ويضيف الشيخ الزوبعي: استطعنا وبمساعدة الخيرين من أبناء هذا البلد، أن نوفر لهم كل ما يحتاجونه من الحاجيات الأساسية.. ونتيجة للخدمات التي تقدمها ارتفع عدد العوائل إلى ١٣٠ عائلة تضم ٥٣٤ فردًا وهناك تزايد في أعداد اللاجئين!!.
إحدى اللاجئات التي تعمل بالتدريس قالت: إنها «خرجت وأطفالها الثلاثة قبل أسبوع من الهجوم على مدينة الفلوجة إلى منطقة عكاشات خوفًا على حياة أطفالها، وبقيت هناك لمدة ١٦ يومًا، ولكنها رجعت بعد أن نفدت النقود التي معها، حيث إنها لم تتسلم راتبها لمدة شهرين، ونتيجة قلة الخدمات هناك جاءت إلى هذا المخيم» وأضافت قائلة: «نحن الآن نخاف من العودة إلى بيوتنا لأن الفلوجة ضربت بالأسلحة الكيميائية وهذا سيؤدي إلى إصابتنا بأمراض السرطان في حالة عودتنا، متسائلة: ما الذي فعلناه حتى يشردونا تحت ذريعة محاربة الإرهاب ووجود الزرقاوي وتحت اسم الحرية والديمقراطية ؟» وتابعت.. إن أحد أولادي البالغ عمره سنتان أصيب بحالة نفسية لكثرة القصف وتحليق الطائرات فوق الفلوجة قبل الهجوم، وأنه الآن عندما يسمع صوت الطائرة يبكي بشدة ويمتنع عن الطعام.. ما الذي فعله هذا الطفل؟ هل هو من أتباع الزرقاوي؟..
لن أنسى
أما حسن عبيس والذي يعمل حارس مدرسة فشرح لنا معاناته في الفلوجة قائلًا: «أخرجت عائلتي قبل 5 أيام من الهجوم وفي يوم الهجوم رجعت إلى المدرسة التي أعمل بها وأسكن فيها مع عائلتي لجلب بعض الحاجيات لكن الهجوم بدأ وبقيت هناك أربعة أيام، وألقت القوات الأمريكية القبض علي وبقيت في المعتقلات لمدة 15 يومًا تعرضت خلالها إلى أقسى أنواع التعذيب والإهانة، ولن أنسى ما فعله الأمريكان بي ....» ويضيف: «بقيت قرابة الشهر حتى ظنوا أني قتلت لكن رحمة الله واسعة، وبعد هذه الأيام الطويلة التي يعادل كل يوم منها سنين، اجتمعت مع عائلتي وأطفالي في هذا المخيم الذي أقامه الشرفاء وهم يقدمون لنا كل شيء نحتاجه، معربًا عن أمله ألا يطول بقاؤه هنا لأنه يريد العودة إلى الفلوجة».
الهروب من الموت
أحد النازحين والبالغ ٥٣ سنة قال لنا: إنه ترك بيته وأمواله في الفلوجة وهرب خوفًا على حياة أبنائه ويضيف: «أنا أملك هناك ٤ محلات: الأول للذهب، والثاني للأدوات الكهربائية، والثالث للمواد الغذائية، والرابع لبيع الإسفنج، ولكني الآن لا أملك من الدنيا سوى البدلة التي ارتديها» معربًا عن أمله بأن تسمح الحكومة لكل عائلة أن ترسل فردًا من أفرادها للاطمئنان على ممتلكاتها.
الطفل ياسر عبد الله البالغ من العمر ١٢ سنة قال: «أتمنى أن تهدأ الأوضاع في الفلوجة لكي أعود إلى مدرستي وألتقي أصدقائي لأني اشتقت إليهم، لكني لا أعرف هل سأجدهم كلهم أم أن بعضهم قد قتله بوش بطائراته وصواريخه ....»
الحاج محمود أبو العينين أحد الذين نزحوا إلى بغداد، وسكن عند أقربائه يقول: «إن نزوحنا عن المدينة كان قسريًا بسبب شدة القصف على الأطفال والنساء، ورغم أننا نطالب الآن بالعودة إلى مدينتنا البطلة، التي أصبحت رمزًا للجهاد والاستبسال في الدفاع عن حرمة الوطن والإسلام فإننا نخشى من أساليب الخديعة من قوات الاحتلال، حيث يتم الآن زرع الألغام في معظم شوارع المدينة وأزقتها، وذلك للنيل من أهالي المدينة عند العودة ولكننا مع ذلك نصر على الرجوع إلى مدينة المساجد لإعلاء كلمة الله، قاهر المتجبرين والطغاة».
أحد النازحين «أبو غسان» قال: «مسكينة هي الديمقراطية، فباسمها تحولنا من أناس لدينا بيوتنا وممتلكاتنا الخاصة إلى لاجئين في بلدنا ولا نعرف ما يخبئ لنا المستقبل، أيعقل أن تقام الديمقراطية على جثث الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ وتشريد المدنيين؟ إذا كانت هذه هي الديمقراطية التي يقدمها لنا بوش، فبئست الديمقراطية».