العنوان العراقيون مازالوا يحلمون بحياة آمنة منذ عام ٢٠٠٣م.. الموصل.. «بروفة» استقلال بعد زوال الاحتلال
الكاتب محمد صادق أمين
تاريخ النشر السبت 06-سبتمبر-2008
مشاهدات 73
نشر في العدد 1818
نشر في الصفحة 22
السبت 06-سبتمبر-2008
شباب المساجد أدوا دورًا مهمًا في ضبط الأمن وسد الفراغ الإداري الناجم عن الاحتلال وتخلي أتباع النظام السابق عن مسؤولياتهم
استقرار المدينة استمر حتى نهاية عام ٢٠٠٣م بفضل تكاتف وتكافل أهلها بإشراف العلماء وقيادات العمل الإسلامي
رغم نجاح المقاومة في إيلام المحتل إلا أن الفكر التكفيري خلط الأوراق باستباحة دماء العراقيين وعدم الاقتصار على قوات الاحتلال
تأمين المدينة لن يضر المقاومةكثيرًا بل سيساعدها على مراجعة أوراقها وإعادة تنظيم صفوفها.. ولا بأس في توقف العمليات قليلًا
مدينة «الموصل» ثاني أكبر مدن العراق بعد العاصمة «بغداد»، وهي من أكبر معاقل جماعة الإخوان المسلمين في العراق منذ تأسيس العمل على يد الشيخين «محمد أحمد الصواف»، و«أمجد الزهاوي» يرحمهما الله.. وبعد احتلال العراق عام ٢٠٠٣م ، شهدت المدينة، على نقيض العديد من المدن استقرارًا نسبيًا بعد يوم واحد عمت فيه الفوضى، كما حدث في سائر أنحاء العراق بسبب الفراغ الإداري.
وأدى شباب المساجد دورًا محوريًا مهمًا في ضبط الأمن، وسد الفراغ الإداري، الذي نجم عن الاحتلال، وتخلي أتباع النظام السابق عن مسؤولياتهم، واستمر الاستقرار في المدينة إلى نهاية عام ۲۰۰۳م بفضل تكاتف أهالي المدينة وتكافلهم بإشراف العلماء وقيادات العمل الإسلامي إلى أن بدأ تدخل الاحتلال وأعوانه.
انهيار الوضع الأمني:بدأ الوضع الأمني بالانهيار في المدينة مع بداية عام ٢٠٠٤م، حيث بدأ الفكر التكفيري الوافد في التغلغل بين أبناء المدينة، مستغلا غضب الناس من المحتل، وعلى الرغم من النجاحات التي حققتها فصائل المقاومة في إيلام المحتل، إلا أن الفكر التكفيري نجح في خلط الأوراق من خلال استباحة دماء العراقيين أنفسهم، وعدم الاقتصار على القوات الأجنبية الغازية، الأمر الذي أدى إلى دخول «مافيا» «عصابات» الجريمة على خط القتل، والخطف والترهيب وأخذ «الإتاوات» باسم المقاومة.
وجاء الإعلان عما سُمي ب«دولة العراق الإسلامية» مواكبًا لانهيار التكافل بين أبناء المدينة بشكل عام، وبين فصائل المقاومة بشكل خاص، فالدولة المزعومة فرضت على كافةالفصائل المقاومة مبايعتها «باعتبارها الممثل الشرعي للمقاومة»، وانتهاج أسلوبها ومنهاجها في العمل، وهو ما رفضته هذه الفصائل بقوة لأنها لا تتفق مع استهداف العراقيين مهما كان السبب، فحصلت قطيعة بين الطرفين وصلت إلى حد المواجهة في بعض الأحيان.
استباحة المدينة
في ظل فشل الحكومة العراقية وعدم قدرتها على إيصال الخدمات، وتحقيق الأمن في كافة أنحاء العراق، ومنها مدينة الموصل استأسد التيار الإجرامي وفرض أجندته
وسيطرته، وأصبح قتل الإنسان من يومياتالمدينة.
والأخطر أن القتل طال رجال الحركة الإسلامية، كما حدث في اغتيال الأديب والمفكر والقيادي في الحزب الإسلامي د «عمر محمود عبدالله»، ومن بعده الكاتب والمفكر والقيادي في الحزب الإسلامي رعد الحيالي، ولم يستثن المشايخ والعلماء، ووصل إلى أساتذة الجامعات وطلاب العلم، فعمت بذلك الفوضى والهرج والمرج واختلطتالأوراق.
وقد أدى «الحزب الإسلامي» العراقي وأمينه العام د. «طارق الهاشمي»، نائب رئيس الجمهورية، دورًا مهما في حث الحكومة على إغاثة أهالي «الموصل»، واستقدام قوات أمنية محترفة غير طائفية لبسط سلطة القانون تحت إشراف ورقابة نواب من «جبهة التوافق» والكتل الأخرى.
وآخر هذه العمليات ما أعلنه الفريق الركن «رياض جلال توفيق» قائد عمليات محافظة «نينوى»، في شهر مايو من العام الجاري، عن انطلاق عملية فرض القانون في المحافظة باسم « زئير الأسد في صولة الحق» بعد وصول قطع عسكرية كبيرة من العاصمة «بغداد»، وعلى رأسها قادة عسكريون كبار منهم وزيرًا الدفاع والداخلية وانضم إليهما فيما بعد رئيس الوزراء «نوري المالكي» للإشراف ميدانيًا على العملية، وبعد أربعة أيام تلتها عملية ثانية متممة لها أطلق عليها «أم الربيعين».
وقد رحبت «جبهة التوافق» العراقية بهذه العمليات العسكرية، على لسان الناطق باسمها «سليم عبدالله الجبوري»، الذي شدد على أن أي فتور في الجانب الأمني من شأنه أن ينشط الخلايا النائمة للجماعات المسلحة، وقال: «إن الجبهة تأمل إنهاء هذه العمليات والقضاء على الوجود العسكري للجماعات المسلحة بشكل نهائي، وندعو القائمين على العمليات العسكرية إلى التحلي بالمهنية العالية، وتجنب الخلط بين الأبرياء والمسلحين»... وأضاف: «إن المدنيين تعرضوا للبطش والعنف الدامي
بسبب نشاط الجماعات المسلحة في المدينة».
عمليات مختلفة!
وعما يميز هذه العمليات عن سواها من العمليات التي جرت في أنحاء العراق، أوضح اللواء «محمد العسكري» له المجتمع أن مشاركة القوة الجوية العراقية لأول مرة حسمت الكثير حيث عملت بفعالية كبيرة بالنسبة للاستطلاع، وأمنت خلال ٢٤ ساعة نقلًا مباشرًا لكل أحياء ومناطق محافظة «نينوى» إلى مقر قيادة عمليات نينوى وأن أهمية هذه العمليات ترجع إلى أن من يقوم بتنفيذها هي قوات عراقية، خلافًا للعمليات السابقة التي كانت تقوم بها القوات الأمريكية.
وعن طبيعة المعلومات الاستخبارية التي بحوزة القوات العسكرية، قال اللواء «العسكري»: « لدينا معلومات كاملة عن العناصر المسلحة التي تعمل في المدينة والعناصر المساندة لها. وأماكن تجمعها، وآليات استخدامها للأسلحة وأساليب وأوقات تنفيذ العمليات.. كما لدينا معلومات عنها في حال تعرضها لضغوط وتنفيذ عمليات ضدها: ماذا ستفعل وأين تلجأ، وتختبئ وأين ستنتشر وكيف ستنتقم وهذا ما أقصده بالعمليات المتكاملة ولدينا أيضًا تنسيق مع المحافظات المجاورة، وتغطية
جوية كبيرة وشاملة».
يُذكر أن مدينة «الموصل» كانت قد شهدت عمليات عسكرية عامي ٢٠٠٥ و ٢٠٠٦م. شاركت فيها قوات الاحتلال، وكلها كانت تدعي أنها ستطهر المدينة وتجلب الأمن غير أنها فشلت، وكان المحللون العسكريون يقولون: إن لمدينة «نينوى» خصوصيتها الديموغرافية والطبوغرافية التي لا تدركها القوات الأمنية، وإنه ليس من المستبعد أن تكون هذه العملية كسابقاتها.
ولكن اللواء «العسكري» علق على ذلك بالقول: «إن العمليات السابقة لم تحقق شيئا، لأن خططها كانت منقوصة، مثلًا كانت القطع العسكرية لا تكفي للمساحة المترامية للمدينة وبالتالي كانت المناورة محدودة والمعلومات الاستخبارية قليلة، ولذلك كانت العمليات تسكينًا للعنف المسلّح فقط، ولم تنجح في القضاء عليه.. أما نحن فتعمل بشكل مختلف، والقطع الحالية تكفي كل مساحة مدينة نينوى، ليس فقط المحاربة المسلّحين وطردهم من المناطق، ولكن للإمساك بزمام هذه المناطق، ومنع عودة المسلحين إليها».
استهداف المقاومة
ويتخوف مراقبون من تأثير هذهالعمليات العسكرية على فصائل المقاومة العراقية الوطنية، خصوصًا أن احتمال استهدافها قائم من قبل قوات الاحتلال التي تسعى لتأمين قواتها من هجمات المقاومة، وفي هذا يقول المحلل العسكري العقيد المتقاعد «قيدار خليل» لـ «المجتمع»: «إن المقاومين في الموصل على قدر كبير من الوعي، ولديهم من الاحتياطات الأمنية ما يجعلهم بمنأى عن الضربات، علمًا بأن استهداف المقاومين ليس مستبعدًا على الإطلاق، ولكن في العموم، فإنتأمين المدينة سيكون في مصلحة المقاومة ولا يضر التوقف لفترة قصيرة، كما حصل في الأنبار، فالمقاومة بحاجة كل فترة إلى إعادة ترتيب الصفوف والمراجعة، وهذه فرصة
مناسبة، علمًا بأن الفصائل الإجراميةأثرت على سمعة المقاومة لأنها ارتكبت جرائم ونسبتها للمقاومة».
واعتمدت عمليات «الموصل» أيضًا، على معلومات استخباريةدقيقة حصلت الأجهزة الأمنية على معظمها من المواطنينوقد شهدت العملية حملة اعتقالات واسعة طالت قيادات مهمةفي العصابات المسلحة الإجرامية، وسربت أنباء عن اعتقال ضباط في الجيش العراقي المنحل، وأساتذة جامعات، وبعض الأبرياء، ما نفته قيادة العمليات في «نينوى» نفيًا قاطعًا.. مؤكدة أن الاعتقالات تمت بموجب معلومات استخبارية دقيقة وبإشراف وهو القضاء.
وفي هذا يقول «نور الدين الحيالي» نائب البرلمان العراقي عن «جبهة التوافق»
لـ «المجتمع»: «هذه العمليات، خلافًا لسائر العملياتسارت بهدوء وحققت معظم أهدافها عن طريق الاعتمادفي التخطيط على المعلومات الاستخبارية وعن طريق جمع المعلوماتعن الخارجين عن القانون وعناصر العصابات المسلحةالذين يستهدفون المواطنين بعمليات و القتل والخطف والتهجير، وأخذ الإتاوات من التجار، وطالت عملياتهم الإجرامية العلماء وأساتذة الجامعات».
وأضاف: «هذه العملية لاقت استحسانًا من جانب المواطنين والنواب عن محافظة «نينوى» ونحن كنواب نتابع هذه العمليات ونحرص على ألا تستهدف الأبرياء.. وقد تقع بعض الأخطاء في التنفيذ، وهذه طبيعة العمليات الأمنية، لكننا هنا لكي نصحح مسارها، وقد أطلقت الأجهزة الأمنية سراح ٥٠ معتقلًا ممن تم اعتقالهم ولم تثبت عليهم أية أدلة، وهو ما يدل على أن مراقبة العملية من قبل النواب آتت ثمارها.
ويبقى الأمن المفقود حلم العراقيين الغائب منذ احتلال العراق عام ٢٠٠٣م وتبقى الأنظار شاخصة بانتظار حل يجمع شمل العراقيين، ويوحد فرقتهم، في سبيل الخلاص من الاحتلال الذي لن يتحقق دون اجتماعهم على كلمة سواء.. فهل يمكن أن تكون هذه العمليات الأمنية العسكرية مقدمة الزوال الاحتلال وتأكيدًا بعدم الحاجة إليه والاعتماد على الذات في تحقيق الأمن؟ وهل ستحقق نتائج العمليات هذا الأمل المنشود؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل