; كل أصناف الجريمة تسرح وتمرح في ظلل الاحتلال: العراق بات جسرًا لعبور المخدرات. | مجلة المجتمع

العنوان كل أصناف الجريمة تسرح وتمرح في ظلل الاحتلال: العراق بات جسرًا لعبور المخدرات.

الكاتب أكرم عبدالزاق المشهداني

تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2005

مشاهدات 67

نشر في العدد 1671

نشر في الصفحة 28

السبت 01-أكتوبر-2005

■ تباع علنًا على الأرصفة في العديد من المدن ويتداولها بعض الشباب.

■ لا يمكن نفي مسؤولية قوات الاحتلال عما حل بالعراق من مشكلات ونكبات وبخاصة المخدرات.

■ ثلاثة من كل عشرة شباب مدمنون على المخدرات أكثر من 7 آلاف مدمن في بغداد وحدها.

■ منظمة دولية: العراق تحول إلى «ترانزيت» لنقل الهيروين من أفغانستان وإيران إلى أوروبا.

■ 68 عراقيًا ماتوا خلال عام 2004 بالإدمان على المخدرات.

في ظل الاحتلال الأجنبي والفوضى الأمنية التي أوجدها بات العراق من ضمن الدول التي تعاني من مشكلة المخدرات اتجارًا وتعاطيًّا، لقد باتت المخدرات تباع علنا على الأرصفة في العديد من المدن ويتداولها بعض الشباب، وصار معلومًا أن جهات معينة تعمل على تشجيع انتشار المخدرات بين أبناء المجتمع العراقي، وبخاصة بين فئة الشباب، وتوريطهم في الإدمان والمتاجرة: استكمالًا لأدوار مخطط التدمير الأخلاقي الاجتماعي الذي شجع عليه الفلتان الأمني الذي أوجده الاحتلال.

ولا نقول هذا من منطلق التنديد بسياسات الاحتلال فحسب بل تدعمنا فيه تقارير المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بمكافحة المخدرات في العالم، وكذلك تقارير الجهات الحكومية وغير الحكومية في العراق وبالتحديد وزارتي الصحة والداخلية، والهيئة الوطنية العراقية لمكافحة المخدرات ونشاطات أجهزة وزارة الداخلية والشرطة العراقية في ملاحقة جرائم المخدرات.

محطة ترانزيت!

کشفت المنظمة الدولية المراقبة تهريب المخدرات التابعة للأمم المتحدة([1]) في تقرير لها نشرته يوم ۱۱ مايو الماضي أن العراق قد تحول إلى محطة «ترانزيت» لنقل الهيروين المصنع من أفغانستان وإيران إلى أوروبا، وقال رئيس المنظمة حامد قدسي: «إن الهيروين

والمخدرات المستخرجة من الأفيون المزروعة في أفغانستان وإيران تنقل عبر العراق إلى الأردن ودول الخليج حيث ترسل إلى الأسواق في أوروبا»، وأضاف: «لقد أصبح هذا الوضع ممكنًا بفعل الوضع الأمني الداخلي في العراق، حيث تنعدم المراقبة على الحدود مما يمكن المهربين من الدخول إليه بزي زوار عتبات مقدسة».

وقال قدسي: «إن كميات كبيرة من القنب -الحشيش- صودرت على الحدود الأردنية العراقية خلال السنة الماضية، مؤكدًا: «أنه من الضرورة القصوى أن تأخذ الحكومة العراقية والأسرة الدولية الإجراءات الوقائية التي يجب أن تفرض قبل استفحال الأمر». وحث قدسي المجتمع الدولي والحكومة العراقية على العمل معًا قبل أن يترسخ طريق دولي لتهريب المخدرات عبر البلاد، مؤكدا أن مشكلة المخدرات يجب أن تحتل أولوية قصوى حيث قال: «إن ما يحدث في العراق (تهريب المخدرات) هو نموذج معتاد لما يحدث في أعقاب الصراعات المسلحة، حيث تتحول البلاد بسبب ضعف الرقابة على الحدود وتراخي الإجراءات الأمنية إلى معبر«لوجيستي» ملائم للمسلحين وتجار المخدرات على السواء».. كما أن الصحف العراقية نشرت مؤخرًا -نقلًا عن تصريحات المصدر في وزارة الداخلية

العراقية -أنه قد تمت مصادرة ٣٢٥ كيلو جرامًا من المخدرات في مدينة البصرة بجنوب العراق، كانت قد أدخلت إليها عبر إيران وأقر المصدر بأن كميات كبيرة من المخدرات دخلت إلى البلاد من إيران وتحدث عن تزايد استهلاك المخدرات في صفوف الشباب؛ موضحًا أن أطرافًا خارجية ضالعة في تهريب المخدرات لأن لها -كما قال -مصلحة في 

الإبقاء على حالة الفوضى وعدم الاستقرار الأمني في العراق. 

الصحة تعترف!: كذلك أكدت مصادر رسمية بوزارة الصحة العراقية تزايد المخدرات، فقد أعلن مدير عام صحة المنطقة الجنوبية: «أن إحصائيات وزارة الصحة العراقية لعام ٢٠٠٤م أظهرت كوارث حقيقية تهدد المجتمع المدني العراقي بشكل مباشر تفوق كارثة الاحتلال» على حد وصفه. وأضاف: «إن إحصائية الصحة الأخيرة أظهرت أن من بين كل عشرة شباب ممن تتراوح أعمارهم بين ١٨ إلى ٣٠ سنة ثلاثة منهم مدمنون على المخدرات «الإيرانية »التي دخلت من إيران والتي تعتبر من أخطر الأنواع حيث تعمل على إتلاف الجهاز العصبي بشكل كامل خلال أشهر». وأكد: «لقد سجلنا حالات وفاة عديدة من تأثير تلك المخدرات التي دخلت إلى العراق ولا تزال تدخل يوميا من إيران تحت مسمع وعلم القوات الأمريكية والعراقية على حد سواء».

من جهتها أبدت الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات في العراق قلقها من تزايد أنشطة عصابات تهريب المخدرات داخل العراق؛ خاصة بعد إعلان الحكومة العراقية موافقتها مؤخرًا على استئناف دخول الزوار الإيرانيين للأراضي العراقية وبواقع ١٥٠٠ زائر يوميًا، مؤكدة أن آفة المخدرات والمواد ذات التأثير النفسي أصبحت عاملًا آخر يضاف إلى طرق الموت العديدة التي تستهدف شريحة الشباب العراقي كل يوم وتنذر بتخلي البلد عن موقعه ضمن قائمة الدول الفتية ودمارًا آخر يزيد من أعباء الحكومة الجديدة». وقد أعلنت وزارة الصحة العراقية على لسان مدير برنامج مكافحة المخدرات الدكتور سیروان كامل عن حدوث العديد من حالات الوفاة الناجمة عن تعاطي المخدرات وأغلبها وقعت في محافظة كربلاء، فيما سجلت الإحصاءات -رغم حداثتها ومحدوديتها -وجود أكثر من ٦٠٣٧ متعاطيًا للمخدرات وبنوعيات مختلفة في المحافظات كافة، تأتي في مقدمتها محافظتا كربلاء التي سجلت ٦٧٩ متعاطيًا، وميسان ٢٨٦، وفي بغداد وصل عدد المدمنين على المخدرات إلى ۷۱۷ فيما سجلت مدينة كركوك ٢٤٠، مؤكدًا أن مثل هذه الإحصاءات ما زالت غير متكاملة. وأفاد الدكتور فلاح المحنة أحد أعضاء الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات في العراق في تصريحات صحفية: «إن ما خلفته الحرب من فوضى وانفلات أمني مربع هيا فرصة ذهبيه لتجارة المخدرات الداخلية والخارجية مستفيدة من كثرة العصابات والجماعات المسلحة لتنشط حركة مافيا المخدرات وتجعل

العراق محطة «ترانزیت» نحو دول الخليج ودول إقليمية أخرى إضافة إلى تكوين سوق حرة داخلية نجم عنها تحويل مشكلة الإدمان من المسكرات والعقاقير المهدئة إلى المخدرات، وهناك دلائل تم الحصول عليها عن طريق استجواب عدد من المتاجرين بالمخدرات بعد إلقاء القبض عليهم في مناطق متفرقة من العراق وهم من جنسيات مختلفة»..

اتهام إيران

وخلال السنتين الماضيتين أصبحت تجارة المخدرات إلى العراق ومنه أكثر تنظيمًا وتسير وفق قواعد وأسس تنظيمية تمر عبر شبكات تجند مجموعات عراقية من العاطلين عن العمل، ويوجه المسؤولون في مكتب الأمم المتحدة أصابع الاتهام إلى إيران إذ إنها فضلًا عن كونها تعاني من مشكلة المخدرات باتت تشكل معبرًا لتجارة المخدرات وبكافة أنواعها إلى العراق، وهذا ما أكده أحد المسؤولين في وزارة الداخلية العراقية بعد أن كشفت السلطات الأمنية عددًا كبيرًا من عمليات تهريب هذه السموم إلى المدن العراقية قام بها أشخاص يحملون الجنسية الإيرانية ومن خلال استجوابهم تبين أنهم لم يدخلوا العراق بدافع الزيارة وإنما لترويج المخدرات والبحث عن مروجين محليين التسويق بضائعهم بين شرائح المجتمع العراقي.

وقد كشفت أوساط صحية عراقية أن بعض جنود قوات التحالف يتعاطون المخدرات

ويروجون لها، وفي هذا الصدد كشف أحد الأطباء العاملين في لجنة إتلاف المضبوطات أن مركز التطوير التابع لوزارة الصحة الذي كانت تجري فيه عمليات الإتلاف بحضور مندوبين عن الوزارات المعنية، كان يحتوي على ما يقارب ۸۰۰ كيلوجرام من المخدرات المرسلة من شعبة المخدرات في وزارة الداخلية، وبعد دخول القوات الأمريكية إلى العراق تعرض المخزن إلى عملية تفتيش، وتم أخذ المخدرات من قبل القوات المحتلة إلى جهة مجهولة بدون إعلام وزارة الصحة بذلك. كما أكدت الهيئة الوطنية لمكافحة المخدرات على لسان د. عدنان فوزي العطية عضو البرنامج الوطني لمكافحة المخدرات أثناء ورشة أقامتها وزارة الصحة حول موضوع الوقاية من المخدرات والمؤثرات النفسية، في تصريح لجريدة الصباح العراقية أكدت وجود أكثر من 7 آلاف حالة إدمان في بغداد والمحافظات، وأن جميع كميات المخدرات الموجودة حاليًا في العراق هي آتية من دول الجوار خاصة إيران. ونشرت صحيفة (الزمان) العراقية في عددها رقم (١٩٥٦) الصادر في 3 نوفمبر سنة ٢٠٠٤م نقلًا عن هيئة مكافحة المخدرات العراقية أن ٦٨ عراقيًّا قد توفوا داخل المستشفيات العراقية خلال الأشهر العشر الماضية بسبب الإدمان على المخدرات التي اكتسحت البلاد منذ الاحتلال الأمريكي للعراق. وقال رئيس الهيئة الدكتور صلاح عبد الرزاق: «إن مسحًا حديثًا أجرته الهيئة أظهر وجود ٥٨٨ مدمنًا في جزء واحد من العاصمة بغداد، وإن أقل من نصفهم (٢٥٨) زاروا مستشفى ابن رشد التخصصي للعلاج. وتقول الهيئة: إن استهلاك المخدرات التي كان نادرًا ما يسمع بها في المجتمع العراقي قد أصبح ظاهرة عامة خاصة الكوكايين والهيروين والحشيش. وتعتبر الهيئة الافتقار للأمن والبطالة سببًا رئيسًا لاستهلاك هذه المادة السامة، فيما ساعدت الفوضى على جعل العراق معبرًا لتهريب المخدرات القادمة من إيران وأفغانستان بشكل خاص إلى الدول المجاورة.

دول الجوار

ويلاحظ أنه منذ احتلال العراق حدث تنام في عدد ضبطيات المخدرات في دول الجوار العراقي القادمة عبر العراق، فقد نشرت الصحف الأردنية في 7 أبريل الماضي أن السلطات الأردنية المختصة أشارت إلى ازدياد كبير في اعتقال مهربي المخدرات على الحدود مع العراق، كما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية يوم ٢٩ مايو الماضي خبرًا عن قيام الأسطول الخامس الأمريكي في الخليج بضبط شحنة من المخدرات: حيث أعلن أن فرقاطة أمريكية تابعة لقوات التحالف العاملة في الخليج تمكنت من اعتراض سفينة تحمل شحنة مخدرات تقدر بأكثر من 4 آلاف رطل في المياه الدولية شمال الخليج، وأن الفرقاطة «كوفمان إف إف جي ٥٩» قامت بمطاردة سفينة تحمل اسم «النفيد»، قبل أن تقوم بتوقيفها وتفتيشها واكتشاف شحنة مخدرات مخبأة في السفينة. كما ذكرت صحيفة (المدار) العراقية في ٨ أبريل الماضي: « أن قوات الأمن العراقية في البصرة قد ضبطت 4 أطنان من الحشيش كان يجري تهريبها من إيران باتجاه دول الخليج عبر الأراضي العراقية واعتقلت ٦ مهربين» وفي الكويت، أعلنت سلطات الحدود انها صادرت ٦٠ كيلوجرامًا من الحشيش مهرية عبر الحدود مع العراق بعد أيام من مصادرة الشرطة ٧٩٣ كيلوجراما من الحشيش بنفس الطريق، وذكرت التقارير أن سلطات الحدود عثرت على كمية من الحشيش مخبأة داخل شاحنة وقود أوقفتها على نقطة تفتيش حدودية شمالي البلاد، واعتقلت سائق الشاحنة السوري الجنسية الذي اعترف أنه هرب كميات من المخدرات داخل الكويت لصالح 

عصابة عراقية.

وفي وقت سابق صادرت السلطات الكويتية ٧٩٣ كيلوجراما من الحشيش كانت مهربة من العراق واعتقل ثلاثة أشخاص في العملية، ومنذ عام ٢٠٠٣م وبعد الغزو الأمريكي للعراق زادت عمليات تهريب المخدرات عبر الحدود العراقية - الكويتية. وفي السعودية، أعلنت السلطات المختصة عن إعدام شخصين من العراق في منطقة (عرعر) الحدودية مع العراق بعد إدانتهما بتهريب المخدرات، وجاء في بيان لوزارة الداخلية السعودية أنه تم تنفيذ حكم القتل في عراقيين بتهمة تهريب المخدرات.

إن مشكلة تعاطي المخدرات بأنواعها والإتجار غير المشروع فيها من أعظم المشكلات التي تهدد أمن وسلامة المجتمعات وتعيق تقدمها الاقتصادي والاجتماعي لأنها تستنفد الكثير من موارد المجتمع وتبدد الكثير من طاقات وقدرات أفراده.

إحدى الجرائم

كما أن ذلك يساعد في انتشار الجريمة؛ حيث إن نسبة كبيرة من الجرائم يقوم بها أفراد يتعاطون المخدرات أو من أجل الحصول على المال اللازم للإنفاق على إدمائهم، هذا بالإضافة إلى ما تسببه المخدرات من أضرار صحية خطيرة على الفرد المدمن حيث تؤكد الأبحاث الطبية أن للمخدرات آثارًا مميتة على جسم المتعاطي تسبب له أمراضًا خطيرة مثل الأيدز الذي ينتقل بالحقن الملوثة والتي غالبا ما تؤدي إلى الوفاة.

لم تعد ظاهرة تعاطي المخدرات ظاهرة اجتماعية فحسب وإنما أصبحت جريمة كغيرها من الجرائم كالقتل والسرقة والفتك بالأعراض؛ وذلك لأنها تشكل سببًا لاختلال العقل مما يدفع الفرد إلى ارتكاب أي جريمة دون وازع أو ضمير، ومن أجل هذا لفتت قضية المخدرات أنظار العلماء والباحثين المعرفة أسباب انتشارها ومحاولة وضع حلول ناجحة للحد من انتشارها بين فئات المجتمع خاصة وإن الإحصاءات والبيانات الدولية في الآونة الأخيرة تشير إلى تزايد الإقبال على تعاطي المخدرات بصفة عامة. كما يؤكد الباحثون والعاملون في المجال الاجتماعي والأمني أن هذا التعاطي في تزايد مستمر ويشمل الفئات العمرية المختلفة. 

إن انتشار تعاطي المخدرات بأنواعها والإتجار بها في العراق في ظل الاحتلال واحدة من المخاطر الاجتماعية والصحية والأمنية التي تهدد مستقبل المجتمع العراقي والمجتمعات العربية الأخرى، لأنه يبدو أن الهدف هو تحويل العراق إلى (معبر) للمخدرات إلى عموم المنطقة والعالم وتخريب البناء الاجتماعي من خلال إفساد الشباب، وإتلاف عقولهم وتحويلهم إلى مصدر للتخريب بدل أن يكونوا مصدرًا للبناء والتطوير. ولا يمكن بأية حال من الأحوال أن تنفي مسؤولية قوات الاحتلال عما حل بالعراق من مشاكل ونكبات، وبخاصة نكبة انتشار المخدرات .

--------------------------------

هوامش

(1) هي هيئة دولية مقرها فيينا، تختص في مجال رسم السياسات التي تعالج جميع الشؤون المتصلة بالمخدرات من خلال تحليل حالات إساءة استعمال المخدرات في العالم، وطرح المقترحات والوصايا من أجل تعزيز الرقابة الدولية على المخدرات.

الرابط المختصر :