العنوان العراق.. بين المجهول والفعل المطلوب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأحد 01-نوفمبر-2015
مشاهدات 192
نشر في العدد 2089
نشر في الصفحة 44
الأحد 01-نوفمبر-2015
ملف العراق محظور على العرب
العالم العربي أمام عملية استنزاف منظمة لرأس المال الاجتماعي العربي الإسلامي
تكرار المقالات والتقارير المصورة عن تقسيم العراق وسورية تهدف لهيكلة العقول حول المرحلة القادمة
تقسيم العراق قنبلة ديموجرافية ستصيب كافة الدول العربية
د. مهند العزاوي
يدخل العراق منطقة الارتياب (اللايقين) التي رسمها صناع القرار الأمريكي للعراق بعد أن ارتكبوا خطيئتين بحقه؛ الأولى: قرار غزو العراق من قبل الرئيس الأمريكي "بوش" دون مبررات قانونية خارج الشرعية الدولية, تخطى بذلك معايير القانون الدولي والقواعد الآمرة والتوازن الدولي والأمن والسلم الدوليين، بعد أن شرعت منظومته بتفكيك الدولة العراقية وحل مؤسساتها العسكرية واستبدالها بمليشيات طائفية قادمة من الشرق, وبذلك جرى العمل على إرساء نظام دولة الطوائف والمذاهب والأقليات، وهنا برز مسرح الحرب الديموجرافية من أوسع أبوابها.
وأردف الرئيس الأمريكي "أوباما"، الحائز على جائزة "نوبل" للسلام، بالخطيئة الثانية المعتمدة على عقيدته السياسية؛ حيث إنه مهووس بالتحالف مع إيران وإعطائها دور ما فوق الإقليمي بدأ من العراق، وتجلى بمنحها الموافقة الدولية على الحيازة النووية.
وبعد أربع سنوات من الانسحاب الأمريكي من العراق، وترسيخ مقومات ظاهرة "المليشيا سلطة" لنشهد ظاهرة وليدة لها تناسل وانشطار وانتشار التطرف الطائفي في أهم وأدق منطقة بالعالم والشرق الأوسط والعالم العربي، وبعد انهيار مقومات الدولة ومنظومتها السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية بعد يونيو 2014م، تجلت عورات الحكم الطائفي لعشر سنوات الذي دعمه المجتمع الدولي بكل قوة لتهديم العراق كدولة.
واليوم بعد الانهيار الشامل واستنزاف منظم للموارد البشرية والمالية وعسكرة المجتمع، وتدخل الدول الإقليمية والعالم برمته لمحاربة الإرهاب في العراق، نرى لهفة روسية للمشاركة ضمن تجمع الأضداد على مسرح العراق، بعد فشل الدور الإيراني بشكل واضح في العراق وسورية، وحولت هذه الدول إلى طوائف متحاربة ومذاهب مسلحة، ما ستفعله روسيا أكثر مما فعلته أمريكا وحلفاؤها حربياً؟ ورغم التقدم العلمي والتطور لا يزال بعض من قادة دول العالم الكبرى يتعامل مع العرب بعقلية الحروب المقدسة ذات الطابع المهلك.
مغنّية الحي لا تطرب
بات من الواضح أن ملف العراق ملف محظور لا يتدخل في شأنه العرب عموماً، ويعد خطاً أحمر، كما أن الإسهاب في التاريخ المعاصر لم يعد ينفع لأن المحظور قد حصل، وقد حذرنا عام 2008م في بحوث ودراسات ومقالات متعددة من خطورة إذكاء الحرب الديموجرافية عبر محور سمة الحرب المعاصرة بعنوان "الحرب الديموجرافية السلاح السري لتفكيك العالم العربي"، ونشر بشكل واسع، ولم ينظر له صناع القرار كنوع من التعالي والغرور "مغنية الحي لا تطرب"، وكذلك حذرت – باحثاً - وفقاً للبعد الإستراتيجي في كتاب لم يرَ النور لأسباب مجهولة، حيث ناقشت أثر وخطورة تمدد القوى اللامتناظرة (المليشيات الطائفية والتنظيمات المسلحة) عام 2011م في كتاب للمعهد العربي "تسليح أقطار الوطن العربي" من خطورة تنامي موجات التطرف المسلح والتمدد للقوة اللامتوازية، واتساع مناطق الاستهداف المقبلة التي ستلحق دول آمنة بالمسرح الحربي المركب والزاحف في العراق، وتم تجاهله لأنه لا يروق لذوي البهرجة البحثية الفارغة من الباحثين عن الإطار البراق والجوهر الزائف.
وها نحن اليوم نفقد أربع دول عربية تندثر فيها الدولة، وتتصدر السلطة تنظيمات ومليشيات متطرفة تهيمن على مقدراتها بعد أن كانت محاور جيوسياسية فاعلة؛ العراق، وسورية, واليمن, وليبيا، وبلا شك أن هذه الظاهرة قابلة للتمدد، ومن الصعب التكهن أين ستقف في ظل التناسل والانشطار لموجات التطرف المتفاعلة مع منطقة الارتياب الشرق أوسطي في ظل خلاف واختلاف عربي مخيف، وقد استغلها الفاعلون لتغيير خرائط المنطقة السياسية لواقع سياسي جديد ينطوي على كوارث قادمة.
ولعل التاريخ وأرقامه والمؤشرات الرقمية للضحايا بالملايين من النزوح والتهجير والقتل وهدر الموارد البشرية والمالية والمادية والبنى التحتية للدول المنهارة؛ تؤكد أننا أمام عملية استنزاف منظم لرأس المال الاجتماعي العربي الإسلامي بعد فقدان النظام والقواعد الآمرة بشكل مريع.
مشاريع التقسيم
تكررت المقالات والتقارير المصورة والمكتوبة عن تقسيم العراق وسورية بغية هيكلة العقول حول المرحلة القادمة لتحقيق الأرصدة السياسية التي رسمتها السياسة الدولية التي تستهدف تفكيك الدول العربية إلى دويلات طائفية متناحرة على النفوذ والمال والسلطة، وكما جرى صناعة بيئة دينية طائفية محتربة تعسكر المجتمعات والطوائف والمذاهب في حرب المائة عام كما وصفوها، وبات من الصعوبة التكهن بحدود لهيبها ونتائج حروبها حتى الآن.
منذ عام 2006م ذهب "جو بايدن"، نائب الرئيس الأمريكي ومسؤول ملف العراق، لطرح مشروعه تقسيم العراق لدويلات طائفية قومية ثلاث؛ دولة شيعية، وأخرى سُنية، وثالثة كردية، وحاز مشروعه على موافقة الكونجرس كمشروع غير ملزم بما يشابه مشروع تحرير العراق عام 1998م، وقد حصل كلاهما الغزو والتقسيم، ولعل اللافت للنظر أن يكون مسؤول ملف العراق "جو بايدن" صاحب مشروع تقسيم العراق وليس صدفة طبعاً، بل إنه نسق الفعل الملموس خصوصاً عندما يصمت العالم ومنظماته والإدارة الأمريكية ودوائرها على انتهاكات حقوق الإنسان والمواطنة في العراق لعقد كامل.
وقد أبرزت قناة "الجزيرة" الدموية الطائفية عبر برنامج "الصندوق الأسود" الذي استعرض سمات جمهورية الرعب يدريها إرهابي عتيد لسنوات بدعم دولي ومساندة عربية! ولا يزال البعض من ساسة الغفلة يصرحون بأن العراق أصبح ديمقراطياً، وهو يسبح في أنهار الدماء اليومية، وخزينته سرقت بكافة الوسائل والطرق، وحدوده السياسية مباحة للخصوم كافة.
إفراغ الديموجرافية العراقية
نعم، إن واقع التقسيم قد حصل بالفعل، وأذكر دراسة لمركز سابان معهد بروكنز عام 2008م كانت بعنوان "التقسيم السهل للعراق الخطة ب"، وهي تناقش تنفيذ مشروع "جو بايدن – غليب"، وتقف أمام صعوبة التفكيك الديموجرافي كون العراقيين متسقين بالعراق كوطن، وهناك مصاهرة وتقارب وتماسك بين مكونات المجتمع العراقي، وتبحث الدراسة كيفية منحهم هويات وتخطيط الحدود وتقاسم النفط.. إلخ، وتحقق ذلك بالفعل من خلال انتخاب الأدوات السياسية الطائفية المتميزة بالجهل والتزوير والفشل في سدة السلطة، وقد تحقق هذا المشروع بشكل سريع يفوق تصور صناعه, خصوصاً بعد عمليات التهجير القسري والهجرة المنظمة للعراقيين، وإفراغ العراق من الكتلة البشرية الحيوية، وهو أمر مدبر.
ولعل أكثر شيء لفت نظري بالدراسة هو تفويض الأمم المتحدة أو الجامعة العربية لتقسيم العراق! وهنا السؤال: إن تقسيم العراق الذي يشكل صمام أمان المنطقة برمتها يعد القنبلة الديموجرافية والسياسية التي ستصيب كافة الدول العربية؛ لماذا يترك العراق لخصمه التقليدي إيران الذي يعمل على إضعافه وتمزيقه بدعم ومباركة دولية وقبول عربي؟ رغم أن الماكينة الإيرانية لم تقف حد العراق، بل إنها بلغت باب المندب والمتوسط والمغرب العربي! باستخدام العقيدة الطائفية لهدم المجتمعات العربية وإزاحة الدول الفاعلة.
العراق على فوهة بركان
سؤال يتكرر من قبل الجميع وخصوصاً العراقيين الذين أصبحوا فوق فوهة بركان يقذف بحممه من كل مكان: ما العمل؟ سؤال يستحق تأملاً ووقوفاً، والرد عليه صعب وليس مستحيلاً.
سبق أن طرحنا خارطة طريق لحل أزمة العراق، وأيدها غالبية النخب العراقية والشخصيات والأكاديميين والرأي العام عام 2010م، ولم ترَ النور؛ لأنها تتعارض مع سياسات إقليمية وأدواتها المحلية المسلحة والسياسية وجيوش الحواشي المنتفعة، ولعل الحل يبدأ بتطبيق العدالة الدولية، وإعادة رسم المسارات السياسية في العراق نحو وطن للجميع وليس لطائفة أو قومية ما، خصوصاً أن المنظومة السياسية التي جلبتها الولايات المتحدة ووكلاؤها الإقليميون المستأثرون بالمناصب والسلطة هم جزء من المشكلة وليسوا جزءاً من الحل، وليس صعباً أن نعيد تشكيل النظام السياسي بدماء جديدة وطنية ليست طائفية، تأخذ على عاتقها إصلاح شؤون البلاد والعباد للخروج من منطقة اللايقين أو المجهول، كون الحل للمنطقة برمتها يبدأ من العراق وليس من موقع آخر كونه العصب المحوري في الأمن القومي العربي والسلم والأمن الدوليين.