; العرب أمام تحديات التكنولوجيا | مجلة المجتمع

العنوان العرب أمام تحديات التكنولوجيا

الكاتب إبراهيم الرفاعى

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يناير-1983

مشاهدات 60

نشر في العدد 604

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 18-يناير-1983

قدم إلينا المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، كتابه الشهري في سلسلة عالم المعرفة، بعنوان العرب أمام تحديات التكنولوجيا، ويأتي الكتاب في وقت اشتدت فيه المِحن والشدائد على الأمة العربية، وأخذت مساحة المأساة الفلسطينية تزداد بعدًا، والجرح العربي يزداد عمقًا يومًا بعد يوم، وفي مثل هذه الحالات على المرء أن يفكر ويسأل نفسه لماذا كل هذه النكبات المتوالية؟ فالمهزوم الذي لا يعرف سبب هزيمته لا يمكن أن ينتصر المرة القادمة. 

من قبيل الصدفة كنت أدون بعض ملاحظاتي عن مشاكل نقل التكنولوجيا في العالم العربي -من خلال اللقاءات الإقليمية والعالمية التي اشتركت فيها- وقد استبشرت بهذا الكتاب أملًا أن أجد فيه إجابة للعديد من التساؤلات التي شغلت ذهني. ولكن ما أن تصفحت مقدمة الكتاب حتى خاب فألي. فقد حاد المؤلف عن طريق الموضوعية التي يدعو لها، وقد ألمني أكثر أن تقدم هذه المؤسسة الإسلامية العظيمة مثل هذا النوع من الفكر المتحيز؛ لتضاعف به أحزان وهموم الأمة العربية، ولتغرقها في مستنقع الإحباط الآسن. 

يبدو الكتاب من الوهلة الأولى، في بابيه الأولين وفصوله الستة، بحثًا علميًّا عن مشاكل نقل وتطوير التكنولوجيا في العالم العربي. ولكن المعلومات التي جاءت فيها ما هي إلا تلك التي تعج بها مطبوعات منظمة الأمم المتحدة، ولم يساهم المؤلف بدوره- وهو عالم اقتصاد- برؤية مستقبلية لهذه المشكلة وفقًا للظروف الراهنة وقبل حدوث الثورة القيمية التي يبشر بها، كنا ننتظر أن يعطينا العالِم الجليل تنبؤًا تكنولوجيًّا استكشافيًّا؛ ليبين لنا ما يتوجب على الدول العربية عمله لتأمين مستقبل التكنولوجيا، وأي منهج تسلك في مسار التنمية. هل النهج الصناعي أو ما يعرف بمنهج «الإنكتاد» أَم المنهج التكنولوجي أي منهج «الإنكسند»؟ وهل يمكن للدول العربية منفردة وهي بهذه الأحجام الصغيرة أن تحقق عنصر التكامل الرأسي لهيكل الإنتاج؟ وهل في مقدورنا تحقيق أمن تكنولوجي والذي يقصد به تحرير العرض والطلب على التكنولوجيا في كل القطاعات من أهواء تقلبات السوق العالمية ونزواتها؟ هنالك الكثير الذي كنا نتوقعه!!

ولكن المؤلف أثر أن يشنشن في الفصل الأخير من الكتاب بمعزوفة المغالطات، التي هدفها الأول استبعاد الإسلام من مكونات الوجود العربي، ومحو الحضارة الإسلامية من سجل التاريخ. ويحاول الكاتب إقناعنا بأن تخلفنا التكنولوجي هو العامل الأكبر في هزيمتنا أمام "إسرائيل"، والدين هو سبب ذلك التخلف. ثم هو يدعو لفكرة وحدة الحضارة، ولا بد أن نأخذها بحذافيرها، وأن أي هجوم على فلسفة التكنولوجيا المعاصرة هو هجوم على التكنولوجيا نفسها، ثم يخرج علينا بقولة مشهورة: «ما معنى العقيدة للتخلف القاتل» متمثلًا بقولة ماركس: «ما معنى الحرية للبطون الجائعة» فصودرت الحرية، ولم تشبع بعد البطون الجائعة، ثم هو يغالط توينبي وكسرلنج وولتر شوبرت وهنري بيرن في أن هيمنة الغرب لا ترجع إلى روح الدين المسيحي، وهو أيضًا يغالط كولين ولسون وألكسيس كاريل وليو بولت فايس وأرنست هيمنغواي ولويس باسترناك وأرثر كوسلتر؛ ليقول لنا: إن في الحضارة الغربية سعادة الإنسان.

والكتاب لا يخلو من السخرية من ذلك البدوي صاحب حضارة الكلام وإشباع البطون ومن قيمه وثقافته البدوية الزراعية، وإن فكره غيبي أسطوري خرافي. ولم يحدد المؤلف ماذا يقصد بذلك هل هو واقع الحال أَم هي تعاليم الإسلام السمحة؟ ليس هنالك أحد يستطيع أن ينكر الواقع المُر الذي تعيشه المجتمعات العربية اليوم، فالناظر إليها لا يكاد يصدق أن هؤلاء هم خلف أولئك اللذين حملوا لواء الإسلام ومشاعر النور والهداية في كل من الشرق والغرب، وتصدروا مواكب العلم والحضارة. وبنوا سدودًا حضاريةً حول إفريقيا وآسيا، حالت بين شعوبها وبين ذلك المصير الأليم، الذي آلت إليه شعوب العالم الجديد -أمريكا وأستراليا ونيوزيلندا- أليس هذا جديرًا بالفخر والاعتزاز؟

وإني لأعتذر للقارئ إذ لم أستطع أن أستوفي هذه القضية الكبرى حقها، وأرجو أن تتاح لي الفرصة على صفحات جريدتكم الغراء لمعالجة الأفكار التي وردت في ذلك الكتاب.

عن صحيفة الشرق الأوسط

14/ 1/ 1983

الرابط المختصر :