العنوان العرب خارج التاريخ.. العالم المظلم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1973
مشاهدات 88
نشر في العدد 146
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 17-أبريل-1973
العرب خارج التاريخ
العالم المظلم:
إبان القرنين السادس السابع الميلاديين كانت البشرية، تنقسم إلى معسكرين معسكر الحضارة الآيلة للسقوط ويمثله محور - الفرس والروم- ومعسكر البشرية البدائية التي تخضع لقوانين وطبائع الفطرة وحدها ويعتبر العرب أكبر نموذج يمثل لهذا المعسكر.
لقد كان محور - فارس روم - يمثل المظهر المادي الفكري الأكثر تمثيلا للعصر.. والحق أن المعسكرين لا يختلفان كثيرا من القرن السابع الميلادي، تبادل الطرفان الهزيمة والنصر فالقوة المادية كما نرى متقاربة كما أن الوثنية - في الحقيقة هي المظهر الفكري المسيطر على كلا الطرفين.
ولم يكن ماعرف من المسيحية في الممالك الخاضعة لبلاد الروم أكثر من وثنية ذات وجه آخر تحفل بمظاهر الكهنوت المختلفة، وتقف فيها الوسائط والطقوس المشوهة لسورة التوحيد، والخرافات اليونانية، والمذاهب الفلسفية الجدلية التأويلية، وعبادة القديسين.. ونجد ذلك من الظاهر .. تقف هذه كلها دليلا صريحا للوثنية الصريحة الواضحة المنتشرة في البلدان الخاضعة للفرس.
ولقد سيطر على البشرية انحلا خلقي واجتماعي وفوضى اقتصادية، لم يكن من الممكن استمرار الوجود البشري معهما، فقد كانت الضرائب المتنوعة الباهظة سببًا في خراب القرى والمدن، كما كانت الرشوة وفقدان العدل وإهمال وسائل الإنتاج من قبل الحكام الذين أضاعوا حياتهم في مظاهر سلطة والحفاظ على عروشهم كانت هذه كلها من أسباب اضمحلال مستوى الحياة في الدولتين الكبيرتين الممثلتين لحضارة العصر.
أما الانحلال الاجتماعي الذي تمثل في - صراع الطبقات - حدث عنه ولا حرج . لقد كانت - الهوية الطبقية – تمثل بالنسبة للإنسان قدرا يولد معه كما يولد معه نسبه إلى أبوین محددين، وإذا كان من الصعب على الإنسان أن يخلع عنه الانتساب إلى أبويه فلقد كان كذلك من الصعب أن يغير من - هويته الطبقية - .. لقد كان محظورا على الأفراد أن يحاولوا تخطي المستوى الطبقي الذي نشأوا فيه، بل عليهم أن يقتنعوا بالمستوى الذي وجدوا عليه ويقنعوا به، أما أن يحاولوا منافسة سادتهم فتلك كبيرة من الكبائر لا تغفرها السلطات الحاكمة الظالمة التي تحمي حكمها وظلمها بهذه القوانين التي أسرفت في ابتداعها.
وبين فوضى خلقية كانت سمة العصر وتعددت ألوانها متمثلة في المذاهب الفوضوية الجنسية التي ظهرت في ذلك الوقت ووجدت مروجين كثيرين .
وبين فوضى اقتصادية، تمثلت في الفروق الطبقية والاقتصادية واستعباد طبقات لطبقات واستغلالها البشع لها وبين فوضى دينية تمثلت في مسيحية وثنية تعددت بين أصحابها التصورات العقدية وتضاربت التفسيرات والمناهج، ويهودية مغلقة مضطهدة تقف من البشرية موقفًا ابتدائيًّا يقوم على الكراهية والتعالي والسحق ووثنية مانويه - نسبة إلى ماني الذي ظهر في القرن الثالث الميلادي - أو وثنية قومية أو بوذية أو برهمية وثنية أو عبادة لمظاهر الطبيعة المتنوعة.
بين هذه الفوضويات الثلاث: الخلقية، والاقتصادية، والدينية، عاشت البشرية هذا العهد الذي سبق ظهور الإسلام وظهر كالحًا واضحًا على امتداد القرن السادس الميلادي والسنوات التي سبقت ظهور الإسلام من القرن السابع الميلادي!!
العرب خارج التاريخ
لقد كان العرب في هذا العصر بالنسبة للقوى الحاكمة والمتنافسة فيه كتلك الدول المتخلفة التي لم تدخل بعد عصر الدراجة البخارية، بينما دخلت القوى الكبيرة عصر المركبة الفضائية.
... إن العرب لم يحاولوا دخول التاريخ في هذا العهد لقد يئسوا من الدخول، ولقد اكتفوا بالحياة البدائية القبلية التي لا تمتلك مقومات الانطلاق الحضاري والدخول إلى ميدان التاريخ، فليس عندهم نظم اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو عسكرية، بل يدورون في فلك مثل عليا شعرية معبرة عن واقعهم الفكري والبيئي، من أمثال البيت المعروف:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعله لا يظلم
والبيت الشعري الآخر:
وأحيانا على بكر أخينا
إذا لم نجد إلا أخانا
أي أنهم لا يتوانون عن الإغارة والكر والفر حتى ولو لم يجدوا إلا أخاهم.
كما أن البيت الأول يصور الظلم كقاعدة ويعتبر العدل مظهرًا من مظاهر الضعف.
فهل يمكن أن ينتظر تقدم حضاري من بيئة هذا منطلقاتها الفكرية؟
أما المنطلق العقدي بالنسبة الى العرب، فلم يكن إلا الوثنية الساذجة، وعبادة الجن ومظاهر الطبيعة كالشمس والقمر والكواكب الأخرى...
ودع عنك ما عرف عنهم من أمراض التخلف كالوأد، والخمور، واحتقار المرأة، والزنا والعصبية القبلية، والقتل لأتفه الأسباب، والحروب الطويلة العقيمة النتائج الواهية الأسباب كحرب داحس والغبراء وغيرها.
لقد كان العرب منطقة فراغ وارتزاق بالنسبة للقوى الكبرى في العصر ، ولم يكن ما ظهر من وجود مملكتين على الحدود مع فارس والروم - الحيرة وغسان - تابعتين في سياستهما للدولتين - الحيرة مع فارس والغساسنة مع الروم - لم یکن وجود هاتين المملكتين إلا مظهرا من مظاهر التبعية أكثر من مظهر وجود حضاري.... ولقد كانت المملكتان محددتي الهدف يقومان بحماية حدود الدولة التي تتبعها كل منهما من غارات هذه القبائل العربية الهمجية... فضلا عن القيام بدور الحماية للدولة الكبرى من ناحيتها تلك في وجه الدولة الأخرى.
إن مجرد التصفح للموسوعات التاريخية الكبرى التي أرّخت لهذا العصر، کتاریخ ابن جرير أو ابن كثير أو ابن الأثير أو غيرهم، سوف تدهشنا..
إننا سنجد مئات الصفحات تتحدث عن ملوك الروم والفرس وصراع الوثنية مع النصرانية ومحاولة السيطرة على اليمن أو الحبشة من قبل قوى تابعة للدولتين الكبيرتين.. لكننا سوف لا نجد إلا سطورا محدودة، تتحدث عن العرب. ألا يؤكد لنا هذا أن العرب كانوا خارج التاريخ؟!!
الرابط المختصر :