العنوان العرب وسياسة التوجه شرقا .. الواقع والآفاق
الكاتب د. جمال نصار
تاريخ النشر السبت 16-يناير-2010
مشاهدات 49
نشر في العدد 1885
نشر في الصفحة 20
السبت 16-يناير-2010
- السفير أحمد فتح الله: سياسة مصر الخارجية تتبنى فكرة النهوض والتعاون مع المجتمعات الأخرى بالمنطقة
- د. نازلي معوض اليابان رائدة التحديث بالشرق الأقصى منذ العقود الأولى في القرن التاسع عشر
- د. هدى مينكيس صعود الشرق الأسيوي يطرح بدائل أخرى للنهضة والتقدم أمام العالم العربي
- د. جمال زهران: السياسة الخارجية بحاجة إلى التخطيط ووضوح الرؤية وليس التخبط وعشوائية القرارات
- د. جابر عوض ماليزيا استطاعت تحقيق طفرة تنموية كبيرة استحقت بالفعل وصف «المعجزة».
من المهم الاتجاه شرقا، وفي الوقت نفسه الحفاظ على المحاور التي تمتد إلى الغرب وكل الاتجاهات؛ حيث توجد في الشرق قوى متعددة تتفاوت في تنوعها، وتتفق في أنها جميعا تريد التعاون مع العالم العربي.. ومن يدرس التاريخ يعرف
كيف كانت المنطقة العربية جسرا بين طرفي العالم الشرق والغرب معا ... هذا ما طرحه المشاركون في المؤتمر السنوي الثالث والعشرين المركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة «۳۰ - ۳۱ ديسمبر ۲۰۰۹م»، تحت عنوان «مصر وسياسة التوجه شرقا .. الواقع والآفاق»، من خلال خمس جلسات رئيسة، وجلسة افتتاحية وأخرى ختامية.
في كلمته، قال د. جمال زهران رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، وعضو مجلس الشعب الغرفة الأولى في البرلمان المصري: إن أي سياسة خارجية في العالم تحتاج إلى تخطيط ووضوح رؤية، وليس إلى التخبط والعشوائية في اتخاذ القرارات ويجب تحديد إستراتيجية واضحة ومعلنة للسلك الدبلوماسي والذين يتعاملون معهم.
ومن جانبه، قال السفير أحمد فتح الله مساعد وزير الخارجية للشؤون الأسيوية: إن سياسة مصر الخارجية تتبنى فكرة النهوض والتعاون مع المجتمعات الأخرى بالمنطقة، مما يساعد على استقرارها، وبالتالي تستقر مصر سياسيا واقتصاديًّا، موضحًا أن مصر تأثرت سلبيًا بالحرب على أفغانستان والعراق، وأنها ترفض الحل العسكري تجاه إيران لردعها عن خططها النووية.
الصين واليابان
وبدورها، قالت د. «نازلي معوض» مديرة مركز البحوث والدراسات السياسية سابقا: إن الصين التي تبدو الشريك الأوفر حظا في قيادة النظام العالمي مع الولايات المتحدة تبرز ككتلة واحدة منسجمة تحمل سمات شرقية أصيلة؛ إذ تبني وتشتق قيمها وتقاليدها ونظمها من باطنها، فهي النموذج القائم بذاته في الشرق منذ الماضي السحيق.. أما مدنية الغرب فيمكن تصورها كنسق متطور مفتوح تقوم ركائزه بطبع أية عناصر خارجية عنه بطابعه واستيعابها بالكامل حتى وإن حملت بعض السمات الأسيوية، ولعل هذا يبرز أهم التباينات والتناقضات بين الغرب والشرق.. وأوضحت أن روسيا لا تنتمي إلى الشرق الخالص؛ لأنها تحوي مزيجًا مختلطًا من السمات الأسيوية والأوروبية وبالتالي فهي تتجه نحو النموذج الغربي وليس الشرقي.
وأضافت: إن اليابان تُعَدُّ رائدة التحديث في الشرق الأقصى منذ العقود الأولى في القرن التاسع عشر؛ حيث انطلقت تجربتها وتطورت بتسارع غير معهود بفضل القيم اليابانية الأصيلة حتى أصبحت مع مجيء القرن العشرين قوة استعمارية ضارية في شرق أسيا وحافظت على وضعها الفريد كدولة لم تطأها قدم مستعمر أو جندي أجنبي واحد طوال تاريخها حتى كانت الحرب العالمية الثانية وهزيمتها واستسلامها عام ١٩٤٥م، ولكنها سرعان ما نهضت لتفاجئ العالم بما سمي المعجزة اليابانية.. ومنذ الربع الأخير من القرن العشرين أصبحت اليابان - تلك الجزر البركانية المتناثرة في أقصى الشرق - القوة الاقتصادية الثانية في العالم.
وأوضحت أن الحفاظ على اللغة مكن اليابان من حماية هويتها في ظل ظروف صعبة ومتغيرات ضخمة، وفي هذا مفتاح من مفاتيح المعجزة اليابانية، ودرس بليغ للسائرين في ركاب تدمير اللغة العربية الفصحى، وتركها فريسة لعامية بذيئة وإنجليزية ركيكة، تدميرًا للهوية وإمعانًا في التبعية.
التجربة الماليزية
ومن جهته، قال د. جابر سعيد عوض أستاذ العلوم السياسية، ومدير مركز الدراسات الأسيوية بجامعة القاهرة: إن ماليزيا استطاعت تحقيق طفرة تنموية كبيرة استحقت بالفعل وصف «المعجزة»، وذلك رغم الشكوك والمخاوف التي كانت تُثار قبل الاستقلال عام ١٩٥٧م حول إمكانية ميلاد الدولة الماليزية أو بقائها واستمرارها فلم تكن ماليزيا قبل الاستقلال سوى مجتمع زراعي يتسم أبناؤه بانخفاض مستوى الدخل وتنوع أصولهم العرقية والدينية والثقافية وتباين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية ولا يكاد يوحد بينهم شيء سوى الجغرافيا ورغم كل ذلك، فقد شهدت ماليزيا حاليًا نموا اقتصاديًا سريعًا واستقرارًا سياسيا مشهودًا به، فهي تُعد الآن إحدى الدول الصناعية الجديدة من الجيل الثاني بعد النمور الأسيوية، وتمتلك قوة عاملة ماهرة ومدربة، ويبلغ متوسط النمو الاقتصادي السنوي بها ، ولا يزيد معدل التضخم فيها على ٣ إلى ٤% سنويًا فقط، ولا تتجاوز نسبة الفقراء بها ۱۰٪ من السكان، كما يبلغ متوسط دخل الفرد أكثر من ۸۰۰۰ دولار سنويًا .
وأشار د. جابر إلى أن كل هذه الإنجازات لم تحدث من تلقاء ذاتها، بل كانت هناك عوامل أدت دورًا مهما في تحقيقها، لعل في مقدمتها وعلى رأسها الدور الذي لعبته الدولة والقيادة الماليزية ورؤيتها لقضايا الإصلاح في البلاد.
وأضاف: إن الدولة الماليزية في سعيها لمواجهة الاختلالات العرقية والاقتصادية لاسيما في أعقاب الأحداث الدموية التي عرفتها البلاد عام ١٩٦٩م – تبنّت إستراتيجية تنموية جديدة منذ مطلع السبعينيات، تختلف تمامًا عن تلك التي سبقتها خلال العقد الأول للاستقلال، وعُرفت باسم السياسة الاقتصادية الجـديـدة، وقد قامت على التخطيط الذي شكل العمود الفقري لها، والذي يُعزى إليه كل ما تحقق من نجاح.. فلم تهتم الدولة بوضع الخطط وتصميمها فقط، بل اهتمت أيضًا – وبالقدر نفسه - بعملية التنفيذ والمتابعة لضمان النجاح وتحقيق الأهداف المرجوة. وأوضح د. عوض أن دور القيادة في ماليزيا، وفي أي مكان غاية في الأهمية؛ لأنه يحدد أمورًا ثلاثة أساسية، وهي:
- إدراك القيادة للمشكلات والتحديات التي تواجهها الدولة أو تجاهلها والتغافل عنها.
- الوقوف على الخطط المناسبة لحل المشكلات ووضع الخطط البديلة.
- المتابعة الدقيقة ووضع معايير للتقدم والإنجاز.
وقد أولت القيادة الماليزية أهمية كبيرة للتخطيط الاقتصادي منذ البداية، حتى قبل الحصول رسميًا على الاستقلال.
نهضة أسيوية
وفي كلمتها، أكدت د. هدى ميتكيس مديرة مركز البحوث والدراسات السياسية أن أسيا تضم في الوقت الحالي أسرع الاقتصاديات نموًا في العالم، وتشكل ٤٠٪ من إجمالي الناتج العالمي، ويتوقع الخبراء أن تتمكن أسيا من العودة إلى مستوياتها التاريخية «٦٠٪ من إجمالي الناتج العالمي» بحلول عام ٢٠٢٥م.
وأوضحت أن دراسة قامت بها مؤسسة «جولدمان ساكس» الاستثمارية عام ٢٠٠٣م توقعت أن أكبر الاقتصاديات في العالم بحلول عام ٢٠٢٥م ستكون هي الصين والولايات المتحدة والهند واليابان على التوالي، وأن دراسة أحدث للمؤسسة نفسها أظهرت أن الاقتصاد الهندي يمكن أن يتجاوز نظيره الأمريكي بحلول عام ٢٠٤٣م.
وقالت: إن سياسات العولمة التي بشرت بها واشنطن منذ تسعينيات القرن الماضي والتي جسدت لحظة الانتصار والهيمنة الأمريكية بعد الحرب الباردة استفادت منها الدول الأسيوية، خاصة الهند والصين؛ بسبب نقل الشركات المتعددة الجنسيات لإنتاجها إلى هذه الدول من أجل الاستفادة من رخص الأيدي العاملة بها والقرب من أسواقها الواسعة ومواردها الطبيعية الهائلة، ما ساعد على توطين الصناعات في هذه الدول وهجرة ملايين الوظائف إليها مقابل ملايين العاطلين في دول الغرب.
وتابعت: إن هذا التطور جاء في إطار سعي شعوب أسيا للنهوض واللحاق بعصر العلم والتكنولوجيا وثورة المعرفة واستثمار الطاقات الإنتاجية الجديدة، حين قررت الاندماج في السوق العالمية عبر الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والتكيف مع مقتضيات ومقومات حضارة العصر في إطار العولمة، وفي الوقت نفسه استكمال أسس النهوض بالمجتمع داخليًّا من خلال رفع كفاءة العنصر البشري في التنمية.
وأضافت: إن ما يحزن حقًا هو أن الضلع الثالث لمثلث الحضارات الأسيوية، ونقصد به الحضارة العربية الإسلامية لا يزال غائبًا عن هذا التدافع النهضوي والمنافسة الحضارية الجديدة، إذ فقد حكامه روح القيادة والزعامة ، وآثرت شعوبه حياة السلامة والاستكانة.. لكنهم لن يحصدوا إلا الحسرة والندامة، فبلادهم هي الغنيمة وموضوع الصراع والمنافسة بين الشرق الصاعد والغرب الآفل، وثروتهم «البترول» ستحدد لمن الغلبة في النهاية.
وختمت بقولها : إن صعود الشرق الأسيوي يطرح بدائل أخرى للنهضة والتقدم أمام العرب الذين ما زالوا يرون في الغرب قبلتهم الأولى التي لا يرضون عنها بديلًا!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكلنشر في العدد 2176
91
الأربعاء 01-فبراير-2023