العنوان العطاء الحضـاري الإسلامي
الكاتب أبو الحسن علي الحسني الندوي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-نوفمبر-1984
مشاهدات 53
نشر في العدد 691
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 13-نوفمبر-1984
أنقل هنا بعض شهادات ذات قيمة لما كان للدعوة الإسلامية والفتح الإسلامي من تأثير ثوري في القارة الهندية- على سبيل المثال- والتي كانت مهد الحضارة والفلسفة والعلوم الرياضية في عهد من العهود، ثم أمعنت في الوثنية والمثالوجية الهندية والنظام الطبقي الجائر والتزمت، فكان تأثير الإسلام في هذا الجزء من العالم الشديد التمسك بما عنده من عقائد ونظم وتقاليد، دليلًا على قوة تأثير الإسلام والحيوية الكامنة في ضميره يقول الباحث الهندي المعروف «k .M. Panikhar» وهو يتحدث عن تأثير عقيدة التوحيد الإسلامية في عقلية الشعب الهندي، ودياناته:
«من الواضح المقرر أن تأثير الإسلام في الديانة الهندوكية كان عميقًا في هذا العهد «الإسلامي» إن فكرة عبادة الله في الهنادك مدينة للإسلام، إن قادة الفكرة والدين في هذا العصر، وإن سموا آلهتهم بأسماء شتى، قد دعوا إلى عبادة الله، وصرحوا بأن الإله واحد، وهو يستحق العبادة، ومنه تطلب النجاة والسعادة، وقد ظهر هذا التأثير في الديانات والدعوات التي ظهرت في الهند في العهد الإسلامي كديانة Bhagti»» ودعوة «کبیر داس (۱)»(۲).
ويقول جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند سابقًا:
«إن دخول الغزاة الدين جاؤوا من شمال غرب الهند ودخول الإسلام له أهمية كبيرة في تاريخ الهند، إنه قد فضح الفساد الذي كان قد انتشر في المجتمع الهندوكي، إنه قد أظهر انقسام الطبقات واللمس المنبوذ وحب الاعتزال عن العالم الذي كانت تعيش فيه الهند. إن نظرية الأخوة الإسلامية والمساواة التي كان المسلمون يؤمنون بها ويعيشون فيها أثرت في أذهان الهندوس تأثيرًا عميقًا، وكان أكثر خضوعًا لهذا التأثير البؤساء الذين حرم عليهم المجتمع الهندي المساواة والتمتع بالحقوق الإنسانية» (٢).
ويقول لين سي مهتا I.C.S» N.C. Mebta» في كتابه «Indian Civilization And Islam» «الحضارة الهندية والإسلام»:
«إن الإسلام قد حمل إلى الهند مشعلًا من نور قد انجلت به الظلمات التي كانت تغشى الحياة الإنسانية في عصر مالت فيه المدنيات القديمة إلى الانحطاط والتدلي، وأصبحت الغايات الفاضلة معتقدات فكرية، لقد كانت فتوح الإسلام في عالم الأفكار أوسع وأعظم منها في حقل السياسة، شأنه في الأقطار الأخرى، لقد كان من سوء الحظ أن ظل تاريخ الإسلام في هذا القطر مرتبطًا بالحكومة، فبقيت حقيقة الإسلام في حجاب وبقيت هباته وأياديه الجميلة مختفية عن الأنظار».
وهنا نقتطف قطعة من كتابنا: «السيرة النبوية»، «الحقيقة التي لا مراء فيها أن هذا الدور الذي نعيشه، وما يليه من الأدوار التاريخية القادمة، كلها في حساب البعثة المحمدية، ودعوته العامة الخالدة، وجهوده المشكورة المثمرة؛ لأنه رفع -أولًا- هذا السيف المصلت على رقاب الإنسانية الذي كاد يقضي عليه، ثم أغناها بمنح غالية ومعطيات خالدة، وهدايا طريفة جديدة، بعث فيها الحيوية والنشاط، والهمة والطموح والعزة والكرامة، والهدف الصحيح، والغاية النبيلة، واستهل -بفضل هذه المنح والمعطيات- عهدًا جديدًا من السمو الإنساني، والثقافة والمدنية والربانية والإخلاص وإنشاء الإنسان وتكوينه الخلقي والاجتماعي» (1).
هذه الإشارة عن عطاء الإسلام الحضاري وما أتحف به الحضارة الإنسانية من منح ومواهب وما حققه من نجاح وانتصار في إنقاذ الحضارة البشرية من الانهيار والانتحار ومكنها من التقدم والازدهار، لا بُدَّ من تقرير حقيقة تاريخية خالدة، وهو أن عمل التأثير في الحضارة الإنسانية واستعراضها بعد آونة وأخرى من جديد، وتطعيمها بالقديم الصالح والجديد النافع والحيلولة بينها وبين عناصر التدمير والإبادة والاتجاهات المفسدة الهدامة يجب أن يدوم ويستمر.
وذلك لسببين: السبب الأول أن الأمم خاضعة لعوامل جديدة من الإصلاح والإفساد والحياة متحركة متطورة لا تعرف الوقوف والركود فلابد من مراقبتها حينًا بعد حين وسد حاجاتها المتجددة، وقد جدت دعوات وفلسفات مفسدة هدامة في العهد الأخير الذي انسحبت فيه الأمة الإسلامية مع الأسفمن ميدان قيادة البشرية وانطوت على نفسها.
والسبب الثاني أن الأمة الإسلامية هي أمة الرسالة الأخيرة وأمة الخلود وأمل البشرية، فلا بُدَّ أن تظل حاملة لرسالتها، قائمة بدورها في قيادة الركب البشري والوصاية على العالم. والحسبة على العقائد والأخلاق وعلاقة الإنسان بالإنسان والأمة بالأمة، والأمم لا تعيش بالتاريخ ولا بما مثلته من دور في الزمن الماضي، وما حققته من نجاح وانتصار في عهد سابق. إنما تعيش الأمم بالجهاد المتواصل، والنشاط الدائم، والشعور بالمسؤولية المستمر، والمخاطرة بالنفس والنفيس في كل زمان والجدة والابتكار، وإنتاج المفيد الجديد، والصالح المزيد، فإذا انطوت على نفسها، وتنازلت عن منصبها طويت في سجل التاريخ وتناساها الزمان، فيجب أن تنهض الأمة الإسلامية من جديد بمسؤوليتها الدعوية الحضارية التوجيهية القيادية، مرة ثانية.
وحقيقة علمية تاريخية أخرى، وهي أن الأمة الإسلامية لا تستطيع أن تقوم بدور التأثير في الحضارة الإنسانية وتوجيهها إذا كانت متطفلة على مائدة الحضارات الأجنبية تغرف من بحرها وتغوص في موجتها إلى الأذان، إنها لا تستطيع أن تسترعي انتباهًا فضلًا أن تحمل الشعوب الأخرى على تقليدها إلا إذا كانت مؤمنة عميقة الإيمان بأن حضارتها مستقلة ذات شخصية خاصة ربانية سماوية، صالحة لكل زمان ومكان؛ قائمة على أسس متينة مستفادة من الكتاب والسنة منبثقة من الهدايات الربانية والتعاليم النبوية، للطهارة والعفة فيها تصور خاص، فليست الطهارة فيها مرادفة لكلمة «النظافة» وليست العفة فيها يكفي فيها الابتعاد عن الجنايات الخلقية فحسب، بل هي أوسع معنى وأكثر شمولًا واحتواء، وإن حياتها لا تنسجم مع الحضارة الغربية التي نشأت واختمرت تحت ضغط عوامل تاريخية خاصة، وفي بيئة كانت تتحكم فيها المادية ويسود عليها -في فترات كثيرة وطويلة- العداء للدين، والثورة على الأخلاق والقيم، وكما يقول أحد خبراء هذهالحضارة وتاريخها «الدكتور العلامة محمد إقبال» بإيجاز: «إن روح هذه المدنية «الغربية» ما عادت عفيفة طاهرة» (1).
وأعتقد أنه من الميسور جِدًّا الجمع بين التسهيلات المدنية والاستفادة بالآلات والمخترعات، وما وصل إليه العلم الحديث، وبين ما تمتاز به الحضارة الإسلامية من جمال وبساطة وجدية وعناية بالطهارة والنظافة والابتعاد عن الإسراف والتبذير والإغراق في المظاهر الخارجية، إذا وفقت الحكومات والمجتمعات الإسلامية للتخطيط المدني المستقل، البعيد عن التقليد الأعمى والارتجالية ومركب النقص، وإذا توفر عندها الذكاء، والأصالة والإيمان بفضل التعاليم الإسلامية والحضارة الإسلامية التي تنبثق عنها وتقوم عليها، والاعتداد بشخصيتها.
وفي الأخير وأنا أخاطب إخواني العرب، أختم بقطعة من قصيدة خاطب بها شاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال الأمةالعربية، لتعرف مكانتها في العالم ودورها من بين أدوار الشعوب والأمم (1).
«إن نفس ذلك الأمي (٢) أعاد على هذه الصحراء الخصب والنمو، فأنبتت الأزهار والرياحين، إن الحرية نشأت في أحضانه وإن حاضر الشعوب ليس إلا وليد أمة، إن الجسد البشري كان بلا قلب وروح، فأعطاه القلب والروح، وكشف اللثام عن جمال وجهه؛ إنه حطم كل صنم قديم، وأفاض الحياة على كل غصن ذار من أغصان العلوم والمدنية، وأنجب أبطالًا وقادة مؤمنين، أقاموا المعارك الفاصلة بين الحق والباطل، فتارة يدوي الأذان في ساحة الحرب، وتارة تتحلى الأذان بقراءة «الصافات» (1)، بين صليل السيوف وصهيل الخيول إن سيف البطل المغوار كصلاح الدين الأيوبي، ونظرة الزاهد الأواب كأبي يزيد البسطامي، مفتاحان لكنوز الدنيا والآخرة».
الهامش:
- شاعر متصوف ينتقد المجتمع الهندي ويدعو إلى الإصلاح، اختلف الناس في ديانته.
- A Barvey of Indien Matery, P. 132.
- Discovery Of India – P. 335 – 536.
- السيرة النبوية، ص /٣٩٩ – ٤٠٠، الطبعة الثانية.
- ليراجع للتفصيل فصل «أهمية الحضارة الإسلامية والحاجة إليها» في كتابنا والعقيدة والعبادة والسلوك، من / ۱۹۸– ۱۹۹.
- نقرأ القصيدة بكاملها في كتابنا «روائع أقبال» ص/ ۱۱۲– ۱۱۳.
- يعني بذلك النبي الأمي محمدًا رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
- يشير الى سورة «الصافات» في القرآن الكريم.