العنوان العفة وضبط النفس من سمات الشخصية السوية
الكاتب د. جمال نصار
تاريخ النشر الأربعاء 31-أغسطس-2022
مشاهدات 77
نشر في العدد 2171
نشر في الصفحة 53
الأربعاء 31-أغسطس-2022
مقال
العفة حالة متوسطة بين الفجور والجمود تنظم الشهوات وتخضعها لحكم العقل
.. وشرط في كل فضيلة لولاها لصارت الفطنة مكراً والعدالة نوعاً من الظلم
ضبط النفس لا يقتضي القضاء على الشهوات وإنما تهذيبها
من صور العفة كف لسان المسلم عن أعراض الناس وترك مسألتهم
د. جمال نصار
أستاذ الفلسفة والأخلاق- تركيا
العفة هي كف النفس عمّا لا يحل، وضبطها عن الشهوات، فهي حالة متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط في الشهوة، والجمود الذي هو تفريط فيها، أو هي اعتدال الميل إلى اللذة، وخضوعها لحكم العقل.
والعفة شرط في كل فضيلة، فلولاها لصارت الفطنة مكراً ودهاء، والشجاعة تجاوزاً للهدف، والعدالة نوعاً من الظلم، إنها تنظم الشهوات وتخضعها لحكم العقل.
والقرآن الكريم يدفع المؤمنين إلى امتثال خُلق العفة، يقول تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً) (الإسراء: 32)، وقال: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ {30} وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (النور).
وهكذا نجد أن القرآن الكريم يحث أتباعه على تجنب الزنى والفاحشة، وحفظ الفرج، وغض البصر عن النظرة الحرام، ويُحرِّم كل اتصال جنسي بين الرجل والرجل، والمرأة والمرأة بأي طريق كان، فالإسلام يحرم المثلية تحريماً مطلقاً.
وحرّم الإسلام الزواج من فئات معينة من الأقارب، قال تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً) (النساء: 23).
فيما عدا هذه القيود والنظم أباح الإسلام الإشباع الجنسي عن طريق الزواج الشرعي، ولم يقيده بأي قيود أخرى، يقول عز وجل: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) (النساء: 3).
ويصف المؤمنين بقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ {5} إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ {6} فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) (المؤمنون).
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مَعْشَرَ الشَّبابِ، مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعليه بالصَّوْمِ فإنَّه له وِجاءٌ».
والعفة الإسلامية ليست مشروطة بالامتناع عن اللذات، كما هي العفة «الأرسطية»، ولكنها مشروطة بالامتناع عن اللذات الجنسية المحرمة فقط.
والإسلام لم يجعل الزواج أبدياً كالمسيحية، بل أباح الطلاق إذا وقع النفور بين الزوجين، وعند عجز الزوج، أو مرضه، أو إعساره، أو غيبته، وأباح للزوج الطلاق، والتزوج بأكثر من واحدة على أن يعدل بينهن، وبهذا فتحت الشريعة للمحصن كل أبواب الحلال، وأغلقت دونه باب الحرام.
عقوبة الإسلام لمقترف الزنى:
بعد كل هذه الكفالات للعفة يصبح من المنطقي إيقاع عقوبة رادعة بالزناة، وخاصة المحصنين منهم؛ وهذا هو بالتدقيق ما تفعله الشريعة الإسلامية بهم، فالمحصن يرجم حتى الموت، وغير المحصن يجلد مائة جلدة، يقول عز وجل: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ) (النور: 2)، فالزنى اعتداء فاحش على الآخرين، وليس مجرد رذيلة، ولهذا شدد الإسلام على القذف، أو الاتهام الباطل بالزنى، فجعل عقوبة القذف ثمانين جلدة، يقول تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 4).
فالزنى يُلحق أضراراً عديدة وخطيرة بالآخرين، فالزوج حين يزني ينكث عهداً، يتضمنه عقد الزواج، وهو عهد خطير؛ لأن موضوعه العرض لا المال، أو أي عرض آخر محدود القيمة.
ولذلك نجد أن الإسلام أوْلى خُلق العفة أهمية كبيرة، وأن الله تعالى في عون من يريد العفاف، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ثلاثةٌ حقٌّ على اللهِ عونهم: المجاهدُ في سبيلِ اللهِ، والْمُكاتَبُ الذي يريدُ الأداءَ، والناكحُ الذي يُرِيدُ العفافَ».
من صور العفة:
أولاً: العفة عمّا في أيدي الناس: وهي أن يعفّ الإنسان عمّا لدى الناس، ويترك مسألتهم، فعن ثوبان رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يكفلُ لِي أنْ لا يَسْألَ الناسَ شيئاً وأتكفلُ له بالجنَّةِ، فقال ثوبانُ أنا فكان لا يسألُ أحداً شيئاً».
ثانياً: العفة عمّا حرّم الله: وهي أن يعف الإنسان عن المحرمات والفواحش، ومن أبرز الأمثلة على ذلك عِفّة نبي الله يوسف عليه السلام، حيث وُجدت دواعي الفتنة، ولم يستسلم أمام التهديدات والإغراءات، قال تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (يوسف: 24).
ثالثاً: كف اللسان عن الأعراض: فيجب على المسلم كفّ لسانه عن أعراض الناس، وألّا يقول إلا طيباً، فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المُسلمُ مَن سلِمَ المُسلمونَ مِن لِسانِه ويدِه، والمُهاجِرُ مَن هجَرَ ما نَهى اللهُ عنه».
أنواع ضبط النفس:
لا يقتضي ضبط النفس القضاء على الرغبات والشهوات، وإنما يقتضي تهذيبها واعتدالها وجعلها خاضعة لحكم العقل، ففي القضاء على الشهوات القضاء على الشخص وعلى النوع، وفي اعتدالها سعادتهما جميعاً.
ومن أهم أنواع ضبط النفس:
أولاً: ضبط النفس عند الغضب: فمذموم أن يكون الإنسان سريع الغضب، يخرج عن عقله للكلمة الصغيرة والسبب الحقير، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ».
وليس الغضب خطأ دائماً، فهناك حالات يمدح فيها، وخصوصاً عند انتهاك حرمات الله تعالى، ولذلك يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه: «من استُغضب فلم يغضب فهو حمار، ومن استُرضي فلم يرض فهو شيطان».
ثانياً: ضبط النفس عن الاسترسال في الانقباض والسخط: لأن ذلك يكدر صفو الحياة، ويرى بعض الناس أنه لا أحد أسوأ منه بسبب المعاناة التي يعانيها، وهذا يعتبر من الساخطين المتشائمين، ويظهر أن أمثال هؤلاء قد قصرت مشاعرهم عن إدراك ما في العالم من ملذات، فمثلهم كمثل أعمى الألوان الذي يدرك بعضها دون بعض، وأن الدنيا فيها المسرات كما فيها المؤلمات.
إن السعادة أو الشعور بالألم تعتمد على أنفسنا أكثر مما تعتمد على الظروف الخارجية، ومن ثمّ يجب على الإنسان أن يعلم أن الحياة فيها السيئ والحسن.
ثالثاً: ضبط النفس عن الاسترسال في الشهوات الجسمية: فهي شر ما يقع فيه الإنسان ويفسد عليه حياته، ويضعف روحانياته، ويقلل من حريته ويسوقه إلى أسوأ حياة، وطريق الاحتياط لذلك عدم التعرض للمغريات، فلا يجالس المستهترين الذين لا يتحرجون من قول الهجر والحض عليه، ولا يقرأ الروايات المثيرة، ولا يغشى أماكن اللهو، ويجب أن يصحب من قويت شخصيتهم، ونظف لسانهم، وطهرت روحهم.
رابعاً: ضبط الفكر: فلا يتركه يهيم في كل واد، ويتجول في كل مجال، فالفكر إذا حام حول الشرور يوشك أن يقع فيها.
وعلى الجملة، فضابط نفسه كراكب الفرس الذلول، يقصد حيث أراد، فيوجهها كما يشاء، ومن لم يضبط نفسه كراكب الصعبة، لا يسيرها كما يهوى، ولا يصل إلى غرضه بالسير كما تهوى.
وفي ضبط النفس حفظ الصحة، وطمأنينة العقل، والسعادة، والحرية، وسلطان كسلطان القائد على جنده، أو الربان الماهر على سفينته.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل