; ملوك الآخرة (14).. العفو والكظم | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة (14).. العفو والكظم

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 04-يوليو-2009

مشاهدات 68

نشر في العدد 1859

نشر في الصفحة 55

السبت 04-يوليو-2009

تناولنا في الحلقة السابقة أنواع معاني صفة «قالوا: سلامًا»، التي من أبرز معانيها إعلان البراءة والتسليم، والحلم والرد الحكيم للجاهلين عند تعديهم.. وفي هذه الحلقة نركز على معاني العفو والصفح عند تعدي الآخرين.

الأصول الأخلاقية لهذه الصفة

إن من أهم وأبرز الصفات التي أوصلت «عباد الرحمن، ليقولوا لمن يسيء إليهم بالسب والشتائم والتشكيك والتهكم، والتحريض والجهل.. «سلامًا» بألين العبارات، وأجمل الكلمات، وأحكم الإجابات ثلاثة أخلاق تعتبر هي الأساس لهذا الخلق.. وهي: العفو، والصفح، والكظم.

أولا: خلق العفو

لغة: يقول الخليل: «العفو تركك إنسانًا استوجب عقوبة فعفوت عنه». وقال ابن فارس: «وقد يكون أن يعفو عن الإنسان بمعنى الترك» (1).

وقال ابن الأثير: «أصل العفو المحو والطمس» (2).

واصطلاحًا: قال المناوي: «العفو: القصد لتناول الشيء، والتجاوز عن الذنب» (3).

وقال الكفوي: «العفو: كف الضرر مع القدرة عليه، وكم من استحق عقوبة فتركها فهذا الترك عفو» (4).

وفي القرآن الكثير من آيات العفو، منها قوله تعالى: (إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا) (النساء: 149).

ويقول تعالى: (فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: 159).

العفو من صفات الله تعالى

يقول الإمام القرطبي تعليقًا على الآية الكريمة السابقة فندب إلى العفو ورغب فيه، والعفو من صفة الله تعالى مع القدرة على الانتقام. وقيل: إن عفوت فإن الله يعفو عنك. روى ابن المبارك قال: حدثني من سمع الحسن (5). يقول: إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة نودي ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، يصدق هذا الحديث قوله تعالى: (وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ) (الشوري: 40) (6).

من صفات الأنبياء

لقد خلق الله سبحانه وتعالى الأنبياء واختارهم واصطفاهم على عينه سبحانه وتعالى من بين الخلائق ليكونوا نموذجًا بين الخلق في أخلاقهم، فما من خلق قويم حث عليه إلا ويوجد فيهم وهذا من مكملات الشخصية النبوية، والشواهد القرآنية في ذلك كثيرة، ومنها قوله تعالى: (فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: 159).

يقول الإمام القرطبي: قال العلماء: أمر الله تعالى نبيه بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ماله في خاصته عليهم من تبعه، فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضا، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلاً للاستشارة في الأمور (7).

ثانيا : كظم الغيظ

يقول ابن فارس: «تدل» «كظم»، على معنى واحد هو الإمساك والجمع للشيء، ومن ذلك الكظم للغيظ الذي يعني: اجتراع الغيظ والإمساك عن إبدائه وكأنه يجمعه الكاظم في جوفه (8).

أما الغيظ فيقول الجوهري: «الغيظ: غضب كامن للعاجز» (9).

وقد جمعهما المفسرون معًا، ومن ذلك ما قاله الإمام الطبري: «الكاظمين الغيظ: يعني الجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال: كظم فلان غيظه إذا تجرعه فحفظ نفسه أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه باستمكانها ممن غاظها وانتصارها ممن ظلمها» (10).

ومن هذا التعريف يتبين أن «عباد الرحمن» ليسوا مجردين من المشاعر، بل إنهم يغضبون وينتابهم بما يسمعون أشد أنواع الغضب، وهو «الغيظ»، ولكنهم يتحكمون بانفعالاتهم، ويمسكون أيديهم وألسنتهم، ويحكمون عقولهم بما يمكن أن تؤول له الأمور في حالة ردهم، ومقابلتهم الإساءة بالإساءة، كما أن الذي يمنعهم من الرد، ويؤصل صفة كظم الغيظ لديهم، احتسابهم الأجر والمثوبة والتكفير عن السيئات، وتذكرهم بأنهم قدوات، ولقد اصطفاهم الله بالعلم والدين، فلا ينبغي أن ينزلوا.

الله يمدحهم

ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى مدحهم في كتابه الكريم عندما ذكر صفات من يستحقون الجنة التي عرضها السموات والأرض بأنهم ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (آل عمران: 133-134).

إن هذا المديح الرباني، وأمثاله في القرآن الكريم هو الذي يرسخ مثل هذه الصفة في عباد الرحمن بل إن الشرح النبوي للأجر الذي يناله كاظم الغيظ ابتغاء وجه الله. يجعل من عباد الرحمن يسارعون في التنازل عن حقوقهم الدنيوية طواعية، ابتغاء ما عند الله من الأجر العظيم.

والرسول يرغبهم

حيث يقول النبي ﷺ فيما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما: «ما من جرعة أعظم أجرًا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله» (11).

ويزيد النبي بالترغيب في هذا الخلق الصعب والشاق على كثير من الناس بقوله: «من كظم غيظا، وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور ما شاء» (12).

فمن تفكر بالحور، وهذا التخير من رب العالمين يوم القيامة، تتضاءل أمامه كل خطوات الانتقام الشخصي، ابتغاء مرضاة الله، ونيل هذه المكرمة العظيمة.

-----------------------------------

الهوامش:

(1) نضرة النعيم 7/2890.

(2) نضرة النعيم 7/2891.

(3) التوقيف 243.

(4) الكليات 53، 598.

(5) هذا من مراسيل الحسن البصري مما يؤخذ فيه.

(6) تفسير القرطبي 3/ 2000 ط. دار الثقافة.

(7) تفسير القرطبي 3/1491.

(8) لسان العرب 7/3886.

(9) مقاييس اللغة لابن فارس 4/405.

(10) تفسير الطبري 4/61.

(11) رواه ابن ماجه، وأحمد 2/128 وقال الشيخ أحمد شاكر 8/295: إسناده صحيح.

(12) رواه الترمذي. 

الرابط المختصر :