; العقائد الوثنية في الديانة النصرانية «4»: الصلب عند الوثنيين | مجلة المجتمع

العنوان العقائد الوثنية في الديانة النصرانية «4»: الصلب عند الوثنيين

الكاتب محمد طاهر التنير

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1988

مشاهدات 53

نشر في العدد 858

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 15-مارس-1988

ننشر في هذا العدد الفصل الثاني من الكتاب القيم «العقائد الوثنية في الديانة النصرانية» وفيه يكشف المؤلف الفاضل العلاقة بين العقيدتين في عدد من المواطن.

 

قال العلامة دوان [1]: «إن تصور الخلاص بواسطة تقديم أحد الآلهة ذبيحة فداء عن الخطيئة قديم العهد جدًا عند الهنود الوثنيين وغيرهم، وذكر هذه التقدمة عند الهنود سابق لعصر الفديك [2] وكتاب الركفدا يمثل الآلهة يقدمون بروشا وهو الذكر الأول قربانًا، ويعدونه مساويًا للخالق، وجاء في كتاب التزيا برهانا ما نصه: «وسيد المخلوقات «برجاباتي» قدم نفسه ذبيحة للآلهة».

 

وجاء في كتاب استبانا برهانا ما نصه: «والعالم لهذه الذبيحة بروشا ميدا «أي ضحية الذكر الأول» يصير كل شيء».

 

وكان الوثنيون يقدمون البشر ذبيحة أيضًا، والغالب عندهم تقديم الأرقاء والأسرى ذبيحة فداء عن الخطيئة وليس هذا فقط بل ونفس أولادهم.

 

وكان الرومانيون واليونان يقدمون أنفسهم ذبيحة للآلهة استرضاء لها. وكانوا في مصر يقدمون من البشر ذبيحة، وتمكنت بهم هذه العادة الشريرة، حتى إنهم صاروا يقدمون الابن البكر من أحد العائلات الأتاتانية ذبيحة، يأخذونه إلى هيكل في فستات في عالوس، ويضعون على رأسه إكليلًا ثم يذبحونه قربانًا للآلهة كما تذبح الأنعام.

 

قال العلامة هوك [3]: «ويعتقد الهنود «الوثنيون» بتجسد أحد الآلهة وتقديم نفسه ذبيحة فداء عن الناس من الخطيئة».

 

قال العلامة مورنيور وليمس [4]: «ويعتقد الهنود الوثنيون بالخطيئة الأصلية ومما يدل على ذلك ما جاء في تضرعاتهم التي يتوسلون بها بعد الكباترى وهي: «إني مذنب ومرتكب الخطيئة، وطبيعتي شريرة، وحملتني أمي بالإثم فخلصني يا ذا العين الحندقوقية، يا مخلص الخاطئين يا مزيل الآثام والذنوب».

 

وقال العلامة دوان ما نصه: «ويعتقد الهنود بأن كرشنا المولود البكر الذي هو نفس الإله فشنو، والذي لا ابتداء ولا انتهاء له على رأيهم، تحرك حنوًا كي يخلص الأرض من ثقل حملها، فأتاها وخلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه».

 

قال العلامة القس جورج كوكس:

 

«ويصفون «أي الهنود» كرشنا بالبطل الوديع، المملوء لاهوتًا، لأنه قدم شخصه ذبيحة، ويقولون إن عمله هذا لا يقدر عليه أحد سواه».

 

قال المسيو كوينبو [5] ما نصه:

 

«يذكر الهنود موت كرشنا بأشكال متعددة أهمها أنه مات معلقًا على شجرة سُمِّر بها بضربة حربة».

 

قال العلامة دوان [6]: والمقصود من الشجرة «الصليب»، وأن المستر مور قد صور كرشنا مصلوبًا، كما هو مصور في كتب الهنود مثقوب اليدين والرجلين ومعلق بقميصه صورة قلب الإنسان.

 

«ومن تعاليم الفشنو بورانا نعلم أنه بعد ما رمى الصياد كرشنا بالحربة، ندم وتضرع إليه بقوله: ارحمني أنا الذي أهلكتني ذنوبي، وأنت القادر على إهلاكي فأجابه كرشنا -لا تخف اذهب إلى سماء مسكن الآلهة- ولما قال له هذا الكلام ظهرت مركبة حملته إلى السماء».

 

ومن الألقاب التي يدعى بها كرشنا «الغافر من الخطايا والمخلص من أفعى الموت» وقد صور الراهب جورجيوس الإله أندرا الذي يعبده أهالي النيبال مصلوبًا، كما يصورونه يوم عيدهم الذي يقع في شهر آب.

 

قال العلامة هيجين [7] نقلًا عما كتبه أندرادا الكروزويوس، وهذا المذكور أول أوروبي دخل بلاد النيبال والتيبت: «وقال عند تكلمه عن الإله أندرا الذي يعبدونه ويقولون: إنه سفك دمه بالصلب وثقب المسامير كي يخلص البشر من ذنوبهم: إن صورة الصلب موجودة في كتبهم، والعلامة دوان قال: «وفي جنوب الهند وتنجور وفي أيونديا يعبدون إلهًا صلب اسمه «بالي» ويعتقدون بأنه فشنو تجسد «أي ظهر بالناسوت» ويصورونه مثقوب الجنب واليدين».

 

وجاء في ترنيمة لبوذا ما يأتي:

 

«عاينت الاضطهاد والامتهان والسجن والموت والقتل بصبر وحب عظيم لجلب السعادة للناس، وسامحت المسيئين إليك».

 

ويدعون «بوذا» الطبيب العظيم ومخلص العالم والممسوح والمسيح المولود الوحيد وغير ذلك، وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر آثام البشر، ويجعلهم ورثاء ملكوت السموات، وبولادته ترك كافة مجده في العالم ليخلص الناس من الشقاء والعذاب كما نذر.

 

«قال العلامة بيل [8]: قال «بوجانا» سأتخذ جسدًا ناسوتيًا وأنزل فأولد بين الناس؛ لأمنحهم السلام وراحة الجسد، وأزيل أحزان وأتراح العالم، وأن عملي هذا لا أبغي به اكتساب شيء من الغنى والسرور».

 

قال بي هوك [9]: «إن بوذا بنظر البوذيين إنسان وإله معًا، وأنه تجسد بالناسوت في هذا العالم ليهدي الناس ويفديهم، ويبين لهم طريق الأمان. وهذا التجسد اللاهوتي يعتقده كافة البوذيين، كما يعتقدون أن بوذا هو مخلص الناس».

 

قال مكس مولر [10]: «البوذيون يزعمون أن بوذا قال: «دعوا كل الآثام التي ارتكبت في هذا العالم تقع علي كي يخلص العالم».

 

قال العلامة وليمس [11]: «الهنود تقول - ومن رحمته «أي بوذا» تركه للفردوس ومجيئه إلى الدنيا؛ من أجل خطايا بني الإنسان وشقائهم، كي يبررهم من ذنوبهم ويزيل عنهم القصاص الذي يستحقونه».

 

قال دوان [12]: «كان الفداء بواسطة التألم والموت لمخلص إلهي قديم العهد جدًا عند الصينيين، وأن أحد كتبهم المقدسة المدعو «يبكينك» يقول عن تيان إنه القدوس، وإنه يعمل ويتألم كثيرًا، ولا بد له من اجتياز تيار عظيم تدخل أمواجه إلى نفسه، وأنه الوحيد القادر على أن يقدم للرب ذبيحة تليق به... فالناس يقدمون أنفسهم ذبيحة من أجل اكتساب قوتهم، والفلاسفة لاكتساب جاه وشهرة، والأمراء لتثبيت عيالهم، أما القدوس تيان فلأجل الناس يموت كي يخلص الصالح، ويقولون عنه أيضًا إنه واحد مع الله منذ الأزل قبل كل شيء».

 

قال بونويك [13]: «يعد المصريون أوسيريس أحد مخلصي الناس، وأنه بسبب جده لعمل الصلاح يلاقي اضطهادًا، وبمقاومته للخطايا يقهر ويقتل».

 

قال العلامة موري [14]: «يحترم المصريون أوسيريس، ويعدونه أعظم مثال لتقديم النفس ذبيحة لينال الناس الحياة».

 

قال العلامة دوان [15] نقلًا عن السر ولكنسون: «إن تألم وموت أوسيريس هم السر العظيم في ديانة المصريين، وبعض آثار هذه العقيدة ظاهر في ديانات الأمم. ويعدونه «أي أوسيريس» الصلاح الإلهي وجالب الفكر الصالح. وكيفية ظهوره على الأرض وموته وقيامه من بين الأموات، وأنه سيكون ديان الأموات في اليوم الأخير تشابه آلهة الهنود».

 

وكان هورس يدعى المخلص والفادي وإله الحياة والواحد الأبدي والمولود الوحيد. ويدعى أتيس أيضًا الولد الوحيد المخلص، فقد كان يعبده الفريجيون «وهم سكان آسيا الصغرى» ويمثلونه برجل مقيد على شجرة وتحت رجليه حمل شبيه أبولو الذي كان يعبده الميليتيون، فإنهم يقولون إنه مات بالجسد، وإنه حكيم عمل العجائب، وقد قبض عليه جنود الكلدانيين وقتلوه وسمروه كي يزداد تألمًا، وأنه صلب لأجل خلاصهم».

 

قالت مسس جمصون [16]: «كان الميليتيون يمثلون الإله إنسانًا مصلوبًا مقيد اليدين والرجلين بحبل على خشبة وتحت رجليه صورة حمل. والسوريون يقولون إن تموز الإله المولود البكر من عذراء تألم من أجل الناس ويدعونه -المخلص- والفادي المصلوب، وكانوا يحتفلون في يوم مخصوص من السنة تذكارًا لموته، فيصنعون صنمًا على أنه هو، يضعونه على فراش ويندبونه والكهنة ترتل قائلة: -ثقوا بربكم فإن الآلام التي قاساها قد جلبت لنا الخلاص-».

 

قال دوان [17]: «وكان الوثنيون يدعون بروميثيوس مخلصًا، كما يدعونه أيضًا، الإله الحي، صديق البشر المقدم نفسه ذبيحة الخلاص الناس».

 

«ورواية صلب القراسيون الهائلة التي كتبها أسيوس في أثينا قبل المسيح عليه السلام بخمس مائة عام، هي أقدم شعر باقٍ إلى هذا الحين بخصوص الصلب أما الحيل والخداع المذكورة فيها فمأخوذة عن روايات قديمة العهد جدًا، وليس لها مثيل لأحداث التأثر على إحساس الناظرين، ولا يوجد من سبقه إلى بيان ووصف ما قد قاساه ذاك الإله من الآلام، ولا يتمالك الناظر إلى تمثيل روايته من الانفعال العظيم، وكيف كان تأثير أولئك الذين كانوا يعتقدون بألوهية بطل هذه الرواية الذي هو «خليلهم وخالقهم ونافعهم ومخلصهم» وخصامهم جلب عليهم الآثام والآلام التي احتملها، والأحزان التي قاساها كلها من أجل خلاصهم، وبسبب ذنوبهم جرح، وبداعي طغيانهم سحق، وتحمل القصاص لنجاتهم، وبضربه وجلده شفوا، وأنه اضطهد وتألم وامتهن ولم يتململ، وصبره العظيم ظهر حينما كانت كهنة إله الشر تسمر يديه ورجليه بجبل قوقاسوس، وليس له شبيه أو مثيل إلا الكمال الذي أجراه وهو معلق ويداه ممدوتان بشكل الصليب، خدمة للناس وحبًا لهم، وهذه الخدمة جلبت عليه هذا الصلب المخيف، وحينما كان يقاسي عذاب وعناء تلك المكيدة اعترف صديقه أوسينوس الصياد أنه لم يقدر على إقناعه لمصالحة المشتري، وترك خلاص الناس، ثم تركه أوسينوس الصياد وفر هاربًا، ولم يبق معه أحد من المرتلين الأحباب المخلصين الذين ناحوا عليه واستطاعوا أن يزيلوا من قبله حب البشر».

 

قال العلامة دوان [18]: «وكان الوثنيون يدعون بوخص ابن المشتري من العذراء المخلص - الابن الوحيد - الذبيح - حامل الخطايا - الفادي - وكانوا يقولون «ولما كثر الشر في الأرض طلب بندورا وتوسل إلى المشتري سيد الآلهة، كي يأتي ويخلص الناس من الآثام والخطايا، فاستجاب المشتري لهم وجعل ابنه مخلصًا للمذنبين في العالم، وتعهد بوخص الفادي بتحرير الأرض من الأوزار، وأنه سيعبده الناس، ويرتلون التسابيح تمجيدًا لاسمه، ومن أجل تتميم هذا العمل حل الإله المشتري يستميل العذراء البديعة، فحملت ودعيت والدة الإله، وقال بوخص الفادي للأمم: أنا مرشدكم وحاميكم وفاديكم أنا الألف والأميكا».

 

وكان هيركولوس بن زنيس يدعى «المخلص» وقد وجدت نقود منقوش عليها «هيركولوس المخلص» وكانوا يدعونه أيضًا - الابن الوحيد - والكلمة. وأنه عاد واتحد مع الإله، وأنه مكون كل شيء، وهو أبو الزمان. وأسكولابيوس يدعى أيضًا «المخلص» والهيكل المشاد تذكارًا على اسمه يدعى هيكل «المخلص» وأبولو يدعى «المخلص» وكان هدريان إمبراطور الرومان «138 ب.م» يقول عن سيرابيس إنه إله. وقد وجد صليب بأحد الهياكل الخربة في الإسكندرية وعليه صورة هذا المخلص المصري».

 

وكان الفرس يدعون ميترا «الوسيط بين الله والناس، والمخلص الذي بتألمه خلص الناس ففداهم» ويدعونه «الكلمة» و«الفادي» ويعتقدون أيضًا بأن زروستر المتشرع مرسل إلهي، أرسل ليخلص الناس من الطرق الشريرة وإلى هذا الحين نرى أتباعه يدعونه زروستر «الحي المبارك المولود البكر الواحد الأبدي» وما شاكل ذلك من الألقاب، وأنه لما ظهر نور أضاء الغرفة التي ولد فيها، وأنه ضحك على أمه من حين ولادته، «ويدعونه النور الشعشاني البارز من شجرة المعرفة الذي علق على شجرة».

 

قال أريان في تاريخه عن رموز الإسكندر «إن جيوش بورس يوجد على علمها صورة إنسان مصلوب» وقال هيجين [19]: إن تلك الصورة تمثل أما أو ستروبات أو سيلفاهنا، فإنهما يظهران للرائي كأنهما صورة إنسان كان يحملها الرومانيون على رؤوس أعلامهم، وهي تشابه رمز الحمامة التي كان يضعها الأشوريون على رؤوس أعلامهم، ولا بد من أن تكون تلك الصورة هي صورة ابن الله المصلوب».

 

وعبد المكسيكيون إلهًا مصلوبًا دعوه المخلص والفادي، ويدعون ابن الله بلغتهم «باكوب» و«أوبوكو»، ولو لم يحرق الأسبانيون كتب سكان المكسيك والبيرو ويخربون هياكلهم وينحتون تصاويرهم ورسومهم، لعلمنا عنهم أكثر مما نعلم الآن بكثير، ولولا النزر القليل الذي سلم من يد الأسبانيين الظالمة لما علمنا أنهم كانوا يعبدون إلهًا صلب فداء عن الخطيئة، وأنهم كانوا يدعونه ابن الله الفادي وسكان اليوكاتان عبدوا إلهًا مصلوبًا فداء عن الخطيئة ويدعونه ابن الله وقد وجدت جملة صلبان صورة هذا الابن المصلوب فداء عن الخطيئة».

 

قال نيت [20]: كان الوثنيون يدعون أبولو «الراعي الصالح» وكذلك دعوا عطارد «الراعي الصالح» وكرشنا مخلص الهنود دعوه «الراعي الملوكاني الصالح» وهكذا غيرهم وحبًا بالاختصار نكتفي بما أوردناه.

 

الصلب عند النصارى

ومسألة صلب المسيح والاعتقاد بالفداء عند النصارى رأس الإيمان، وقد جاء ذكر الصلب في إنجيل متى الإصحاح 27، وإنجيل مرقس الإصحاح 5، وإنجيل لوقا الإصحاح 23، وإنجيل يوحنا الإصحاح 19، فلا حاجة لنقل هذه الإصحاحات لشهرتها، ولكن نذكر آية واحدة مثالًا لما أتى في الأناجيل عن الصلب غلاطة «الإصحاح الثالث عدد 13»: «المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا؛ لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة» وقد جاء ذكر الصلب أيضًا في كافة الرسائل، ويصورونه مصلوبًا كصورة كرشنا مصلوبًا تمامًا. وأما الوقت الذي صلب فيه فمختلف فيه ولم نتصد لذكره هنا لأنه خارج عن قصدنا.

الهوامش

 

1.     نقلًا عن كتاب العلامة لأندي «الآثار المسيحية»

2.     دوان كتابه صفحة 181 و182

3.     هوك كتابه رحلة هوك المجلد الأول صفحة 326

4.     مورنيور وليمس «الهنود» صفحة 36

5.     كوينبو كتاب «الديانات القديمة»

6.     دوان صفحة 184

7.     هيجين كتابه المذكور سابقًا

8.     بيل كتاب «تاريخ بوذا» صفحة 33

9.     هوك المذكور سابقًا

10.   مولر كتاب «تاريخ الآداب السنسكريتية» صفحة 80

11.   وليمس كتابه المدعو «ديانة الهنود» صفحة 214

12.   دوان المذكور سابقًا

13.   بونويك كتابه «عقيدة المصريين» صفحة 165

14.   موري كتاب «الخرافات» صفحة 384

15.   دوان صفحة 190 انظر أيضًا هيرودوتس

16.   مسس جمصون كتابها «تاريخ سيدنا من الآثار»

17.   دوان صفحة 192

18.   دوان كتابه صفحة 193

19.   هيجين المذكور سابقًا

20.   نيت كتابه «الصناعة والخرافات القديمة» صفحة 22

 

الرابط المختصر :