العنوان العقل المسلم وتحديات ما بعد الحداثة - فكر ما بعد الحداثة في الغرب
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2007
مشاهدات 56
نشر في العدد 1774
نشر في الصفحة 66
السبت 27-أكتوبر-2007
(*) أستاذ التاريخ
الإسلامي والأندلسي
يمكن تلخيص أبرز
ملامح فكر ما بعد الحداثة في المجتمعات الغربية في النقاط الموجزة التالية:
أولًا: من البديهي
أن الاعتبارات الدينية والغيبية لا مكان لها في فلسفة ما بعد الحداثة، وذلك أن الحداثة
المادية. قبلها - قد همشت دور الدين وما وراء المادة، وحسم الأمر من عهد التنوير المبكر،
لذلك تتجه فلسفة ما بعد الحداثة إلى القضاء على دور العقل ومركزية الإنسان والطبيعة
كفلسفة قامت في عهد نهضة الحداثة الغربية، وهي - أي فكرة ما بعد الحداثة - تفترض أن
العالم مادة في حالة حركة دائمة ولا قصد لها ولا أصل، ومجرد استخدام كلمات مثل: حق
ويقين وذات ودوافع مثالية هي سقوط في الميتافيزيقا الماورانية فليس هناك نظام مركزي
بل هي نظم صغيرة مغلقة يدور كل منها حول نفسه ولها معناها الخاص الذي لا يرتبط بأي
مدلولات أخرى.
ثانيًا: ليست
هناك حقيقة مسلمة في فكر ما بعد الحداثة، بل هي حقائق متعددة يصيغها الإنسان نفسه ويختار
ما يريده من قناعات، حتى لو كانت في منتهى الشذوذ، فهي القبول البرجماتي للوضع القائم
مهما كان دون تغييره بل التكييف معه والإذعان له، وكان المدخل لهذه العدمية من خلال
الفلسفة التفكيكية للمعاني، فجاك دريدا يطرح مفهوم أبوريا (aporia) وهي كلمة يونانية تعني الهوة
التي لا قرار لها.. فمعنى النص مبعثر ومنتشر وذلك أن للغة قوة لا يمكن التحكم فيها،
فالمعنى أكبر من مدلول الكلمة، وكل قارئ يفهم معنى خاصا من الكلمة فتصبح المعاني بعدد
القراء، وبالتالي إلى حالة من السيولة تختفي فيها الحقائق وتتعدد فيها المعاني الفردية،
وهذا ما جعل النصوص المقدسة في العهد القديم والجديد، فضلا عن النظريات والقيم والمبادئ،
كلها صورا هلامية يفهمها كل شخص على حسب مراده وبالتالي سقوطها في فخاخ ما بعد البنيوية.
ثالثًا: النظام
الأخلاقي في فلسفة ما بعد الحداثة لا يخضع لاعتبارات قيمية مطلقة أو أي معايير ثابتة
أخذت اعتبارها من توافقات الشعوب بثقافاتها ودياناتها على احترامها ووثوقية مبادئها
بل الأخلاق تنطلق من اتفاقيات محدودة الشرعية تمليها مصالح الفرد أو المؤسسات المهيمنة
على المجتمع، سواء كانت أمنية أو اقتصادية أو إعلامية فالصدق والعدل والأمانة قد لا
تحمل على معانيها المعروفة والمتوارثة بين الناس، ولكن قد يحتاج إليها من خلال منظور
برجماتي مؤقت ومؤطر في حدود النفعية البحتة، وهذه الفلسفة لما نزعت اعتبارية العقل
ومركزية الفكر الإنساني المادي جعلت اهتمامها في تقديس اللذة والرغبات الجسدية خصوصًا
ما كان منها في جانبه الجنسي، وإطلاق الرغبات المكبوتة دون قيود أو سلطات مانعة، فالسعار
الجنسي يعتبر انعتاقًا من طوباويات، عبودية غير الذات، ولذلك وجدت الشركات الإعلامية
والأزياء وأماكن الترفيه والملهيات بغيتها في هذه الفلسفة.
ويلاحظ هذا الأمر
من هبوط قيم الملابس الحديثة وعريها بشكل فاضح وتعميم موضاتها في جميع العالم، كما
يلحظ التجانس القوي وإلغاء الفروقات بين لباس الرجل والمرأة كتسوية بين الأجناس والمخلوقات
وليست مساواة بالمعنى العادل، وبالتالي شيوع العائلات المكونة من زوجين من الرجال أو
زوجين من الإناث أو زوج وأطفال أو زوجة وأطفال، وهذا نذير بانهيار حاد لمفهوم الأسرة
الطبيعية نحو تمرد عبثي لا يعرف سوى اللذة الجنسية الغارقة في الشذوذ. وفي هذا يصرح
فوكو وهو من رواد فلسفة ما بعد الحداثة أنه شاذ جنسيًا ويمارس السادية، ويرى أنه إذا
سافر إلى عاصمة الشذوذ الجنسي في العالم سان فرانسيسكو ومارس الشذوذ السادي فإنها لحظة
الانعتاق الوحيدة التي يشعر بها لأنه يزيل - كما يقول - آثار الميتافيزيقا نهائيًا
وظلال الإله..