; العقوبات البدنية بين النظرية والتطبيق عدد 1481 | مجلة المجتمع

العنوان العقوبات البدنية بين النظرية والتطبيق عدد 1481

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2001

مشاهدات 57

نشر في العدد 1481

نشر في الصفحة 42

السبت 22-ديسمبر-2001

العقوبات البدنية وإن اعترضت عليها بعض الدول المعاصرة إلا أنها ما زالت مطبقة في بعض دول أوروبا وأمريكا. 

ففي إنجلترا يعتبر الجلد من العقوبات الواردة في القانون الجنائي البريطاني.

 وفي الولايات المتحدة يعتبر الجلد عقوبة أساسية في قانوني الجيش والشرطة «1»

 وفي مصر كان قانون العقوبات الصادر عام ١٩٣٧ يعتبر الجلد من العقوبات العادية، ثم ألغيت بعد ذلك تقليدًا للقانون الفرنسي، ولكن ما زال الجلد عقوبة أساسية في نظام الجيش والشرطة والسجون، فالمادتان من قانون تنظيم السجون المصرية توجبان الجلد للمسجون بما لا يزيد على ٣٦ جلدة لسوء السلوك أو مخالفة النظام والذين يرفضون العقوبات البدنية يعللون هذا الرفض بأنها تمتهن الإنسان، وهذه العلة موجودة في العقوبات جميعًا، فالسجن فيه امتحان وإهانة للإنسان، وكذلك عقوبة الإعدام.

 لهذا علل الفقيه القانوني جارو، اعتراضه على العقوبة البدنية بالخوف من سوء استعمال السلطة التنفيذية لها أو تسرع واضعي القوانين في اعتماد العقوبات القاسية، كما حدث في الماضي «2»

 فالاعتراض ليس على العقوبة البدنية بل على التسرع فيها واعتماد عقوبات غير مناسبة للجريمة، أي القسوة البالغة التي عرفتها القرون الوسطى.

 وأمام إفلاس القانون الوضعي وعدم حمايته للفرد والأسرة والمجتمع لجأ القضاء في الولايات المتحدة إلى الأخذ بالعقاب البدني ما أمكن ذلك.

 فمن أجل أن يجعلوا المجرمين عبرة لغيرهم بدأ القضاة في أمريكا يحكمون على المجرمين بالسير في الشوارع وهم يحملون لافتات تشير إلى الجرائم التي ارتكبوها والأحكام الصادرة عليهم. ففي نورث كارولينا ظهرت ريبيكا إيسكوبار، وهي تمشي في أحد الشوارع وقد حملت لافتة كتب عليها أنا متهمة بالقيادة الخطرة، ومن أجل ذلك حكم علي بالسجن مدى الحياة. وتجدر الإشارة إلى أن ريبيكا، كانت قد تسببت في وفاة سيدة تبلغ من العمر ٥٢ عامًا في نورث كارولينا وذلك بسبب قيادتها للسيارة وهي تحت تأثير المشروبات الكحولية وإضافة إلى ذلك فقد طلب أحد القضاة في نورث كارولينا خلال الشهر الماضي أيضًا من شابة كانت قد سرقت بعض الأشياء من أحد المحلات في نورث كارولاينا أيضًا، أن تختار بين أن تتلقى حكما بالسجن أو تحمل لافتة كتبت عليها جريمتها وتقف بها على باب المحل الذي سرقت منه وفي بوسطن تم تكليف الشبان الذين يمارسون الفحشاء في زوايا الشوارع مع بنات الهوى بتنظيف الأمكنة التي مارسوا فيها البغاء، وذلك تحت أعين مصوري ومراسلي الصحف المحلية، أما سائقو السيارات الذين يقودون بشكل خطر فقد تم إلزامهم وضع بطاقات لاصقة على سياراتهم تشير إلى النتائج التي ترتبت من جراء قيادتهم لسياراتهم بشكل خطر أو وهم تحت تأثير المشروبات الكحولية.

 وفي نيوهامبشاير وضع أحد المنحرفين إعلانًا في إحدى الصحف ذكر فيه اسمه والجريمة التي ارتكبها واعتذر للضحية وذويه عن فعلته الشنيعة تلك. وذلك بناء على أمر من القاضي، وفي ويسكنسون فضلت إحدى المتهمات بالسرقة أن تقضي حكمًا بالسجن على أن تقف أمام باب المحكمة وهي تحمل لافتة كتب عليها لقد كنت أسرق الطعام.

 المعارضون لهذه الفكرة قالوا إن هذه الطريقة في العقوبة لا تجعل المجرمين يندمون على أفعالهم بل يمكن أن تجعلهم يميلون أكثر إلى الإجرام بسبب شعورهم بالخزي والإهانة «3».

 والقوانين العربية التي قلدت أوروبا في القانون الجنائي تطلق يد القاضي في إثبات الجرائم عمومًا. لكنها تحتاط في جريمة الزني فتشترط وجود المتهم متلبسًا بالجريمة مع التوسع في مفهوم التلبس وتشترط ذلك أيضًا في المواقعة الجنسية وهي ما دون الزنى «4». ولا يشترط القانون التلبس في إثبات جريمة مواقعة الأنثى بغير رضاها، ولا يشترط التلبس في إثبات هتك العرض ويتحقق ذلك بوضع الرجل يده في يد المرأة أو بلمس جزء من يدها أو وجهها «5».

العلاج في العقوبات البدنية

 إن الدول التي ألغت الجلد كعقوبة بالنسبة للمدنيين تلجأ إلى هذه العقوبة في الحالات التي لا يكترث فيها الناس بالحبس وكذا الغرامة كعقوبة على الجرائم. ففي حالات الطوارئ وفي مخالفات التموين تلجأ هذه الدول إلى عقوبة الجلد، كما تلجأ إليها أثناء الحرب.

 وإذا كانت معظم الدول الحديثة قد ألغت العقوبات البدنية في القانون الجنائي، فإن هذه العقوبات وبصورتها الضارة ما زالت تمارس في المجتمعات الغربية، فالكي بالنار للأطفال يمارس كعقوبة لهم في المجتمع الأمريكي. 

ويوجد نحو المليون طفل يهربون من بيوتهم سنويًا ومتوسط أعمارهم هو الخامسة عشرة، ومعظمهم لا يجد أمامه سوى السرقة أو الزنى ليعيش في هذه المجتمعات. وقد دلت الإحصاءات على أن ٤٧% من الهاربين إناث وسبب الهروب هو الاعتداءات الجنسية من أقاربهم، بل من الآباء «6».

ولقد اقترحت الحكومة الفيدرالية تخصيص مبلغ تريليون دولار عام ۱۹۸۷م لعلاج مشكلة هروب الأطفال، ولم يعتمد منها سوى ستة وعشرين مليونًا. وهذا لا يكفي مما يعني زيادة الجرائم وضياع الأسر «7»

 كما أن المجتمعات التي تدعى التقدم ترفض رجم الزاني المحصن أي المتزوج.

والرجم ليس إلا القتل الذي تقره هذه المجتمعات باسم الإعلام وذلك في حالات القتل العمد.

إن الدول المتحضرة التي قلدها أكثر العرب لا تعتبر الزنى جريمة. فالتجريم لديها يكون لإكراه الفتاة على الزنى أو خيانة المرأة المتزوجة لزوجها، إذا لم يكن راضيًا بالخيانة، وقد اشترطت هذه الدول عدم تحريك الإجراءات ضد الزوجة الزانية إلا بطلب كتابي من زوجها، وحولته حق التنازل في أي مرحلة حتى بعد صدور الحكم وأثناء تنفيذ العقوبة.

 ويترتب على التنازل اعتبار الحكم كأن لم يكن والعقوبات التي يزعم حماة القانون الوضعي أنها أنسب وأصلح من العقوبات الإسلامية، أثبت الواقع العملي عجزها تمامًاعن حماية المجتمعات من عبث العابثين الذين تزداد أعدادهم بسبب عدم جدوى العقاب الوضعي

 وإن تقريرًا لمنظمة العفو الدولية كتبه «بات لانكستر» يورد تفاصيل معاناة النساء في العالم على أيدي الجنود والشرطة الذين يفترض أن تجد المرأة عندهم الأمان.

وبعد أن يورد التقرير تفاصيل وأسماء معينة لنساء اغتصبن واعتدي عليهن يقول: ويلجأ رجال المخابرات في أنحاء متفرقة من العالم إلى ممارسة الاعتداءات الجنسية كوسيلة لإهانة النساء ومعاقبتهن وتخويفهن.

 ويضيف التقرير: العديد من الحكومات ترفض بإصرار اعتبار الاغتصاب والاعتداءات الجنسية التي. يرتكبها رجالها انتهاكًا صريحًا لحقوق الإنسان. وفي دول كثيرة، ورغم توافر الأدلة الدامغة على ارتكاب مثل هذه الأفعال، فإن التحقيق الفعال لا يتم أبدًا ولا يقدم مرتكبوها إلى المحاكمة. 

كما تتعرض النساء لأنواع أخرى من الاعتداءات الجنسية التي تسبب لهن إصابات.

 ويمضي التقرير فيقول: والاغتصاب على يد عملاء الحكومة أسلوب شائع للتعذيب تبتلى به النساء السجينات، وهو انتهاك فسيولوجي فاضح واعتداء  صريح على صحة المرأة العقلية والعاطفية.

 ويعتبر الاغتصاب بصورة خاصة من الأفعال المهينة للمرأة، وتترتب عليه آثار اجتماعية مؤلمة يمكن أن تتفاقم مع وضع المرأة الاجتماعي وخلفيتها الحضارية، مثل هذه العوامل قد تؤثر على قدرة المرأة على تحمل صدمة الاغتصاب. 

هذا ما اخترته من تقرير منظمة العفو الدولية الطويل لأتساءل بعده أين الباكون على المرأة وحريتها؟ هل تفقد المرأة حريتها حين يسترها لباسها الإسلامي أم حين يعريها المحققون أثناء الاستجواب هل تفقد المرأة حريتها حين تأمن في بيتها أم حين تغتصب من رجال الأمن؟

 تساؤلات أخرى لن أطرحها.. لكني لا أحسبها تغيب عنكم يا من حرمتم المرأة من أمنها وسعادتها وحريتها الحقيقية.

لو أن كلبًا مسعورًا هاجم أطفال الحي الذي يقيم فيه صاحب الكلب وعضهم، ثم ألقى القبض عليه رجال الشرطة، وأعادوه إلى صاحبه لثار عليه أهالي الأطفال المصابين بل جميع الأهالي الذين باتوا يخشون على أطفالهم وأنفسهم، ولطالبوا بقتل الكلب «8»

لقد حكم على رجل، بعد إدانته في سلسلة من جرائم الاغتصاب في لوس أنجلوس، بالسجن ۷۰۰ عام، إضافة إلى ١١ حكمًا بالسجن مدى الحياة، في حكم يبدو قاسيًا في  تاريخ القضاء في كاليفورنيا.

 وأدين شين باتريك ميتشل «٣٦ عامًا» بـ98 تهمة تتعلق باعتداءات جنسية وخطف واغتصاب كما اتهم بمهاجمة «15» امرأة بين مايو ويونيو ١٩٩٤م.

 وقال القاضي روبرت بيري إن ميتشل خطف في ٨٧ يومًا ١٤ امرأة في شوارع لوس أنجلوس، وخطف مرة امرأتين في وقت واحد. 

وأضاف: لا شك في أنه مهووس بالاغتصاب وسيضرب من جديد إذا سنحت له الفرصة.

 وحسب أبحاث أجراها الشرطي جون إيبيك، وهو والد إحدى الضحايا، كان أطول حكم بالسجن صدر بحق مرتكبي جرائم بلغ ٦٢٥ عامًا، إضافة إلى أحكام بالسجن مدى الحياة. «9»

لو كان هذا المجرم في مجتمع يقيم حدود الله تعالى لارتاح الناس منه بعد أول جريمة ارتكبها. ونجا من جرائمه ۹۷ ضحية أخرى. 

ملايين الناس يفتقدون الحياة التي يوفرها القصاص من المجرمين ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179) حياة آمنة يخسرها ملايين الناس، لأن القانون الوضعي لا يقتص من المجرم بعد أول جريمة، ويتركه طليقًا بكفالة، أو يحبسه شهورًا أو سنوات ليعود إلى جرائمه من جديد.

إن الواقع يشهد بأن الجرائم زادت في البلدان التي ألغت عقوبة القصاص، التي تعرف بعقوبة الإعدام، وتراجع الأمن، وزاد خوف الناس من الأماكن المظلمة والخالية بعد أن اطمأن المجرمون إلى أنه لا حكم بالإعدام ينتظرهم.

 ولنستذكر حديثه ﷺ «حد يقام في الأرض خير للناس من أن يمطروا أربعين صباحًا». 

الهوامش

  1. التشريع الجنائي الإسلامي للشهيد عبد القادر عودة ط1 ص636.
  2. الموسوعة الجنائية 5/ 53 والمرجع السابق ص637.
  3. صحيفة الأنباء الكويتية، ملحق الجريمة- العدد 8500 في 15/ 1/ 2000م.
  4. الإجراءات الجنائية في التشريع المصري للدكتور إدوارد غالي من موسوعة القضاء والفقه ص621- 649 وقانون الإجراءات الكويتي م150 والجزاء الكويتي م194، 195.
  5. قانون الجزاء الكويتي: م193، و186، و191، و192.
  6. جريدة نيوهيفين ريجستر في 2/ 7/ 1982م.
  7. جريدة نيوزويك في 25/ 4/ 1988م.
  8. مجلة النور- العدد 153 رجب 1418ه- نوفمبر 1997م.
  9. جريدة الاقتصادية العدد 1323- 2/ 4/ 1997م.
الرابط المختصر :