العنوان العلاقات التركية – الأمريكية على صفيح ساخن
الكاتب طه عودة
تاريخ النشر السبت 16-أغسطس-2003
مشاهدات 51
نشر في العدد 1564
نشر في الصفحة 16
السبت 16-أغسطس-2003
لماذا يطالب الذين رفضوا رؤية الجنود الأتراك في البوسنة وكوسوفا بتدخلهم اليوم في العراق؟
جون أبي زيد يسأل رئيس الأركان التركي: هل بإمكانكم وضع تكريت تحت الحماية التركية؟
إذن.. فالهدف حماية الجنود الأمريكيين الذين يقتلون كل يوم.. واستخدام الأتراك دروعًا واقية للجيش الأمريكي
ماذا لو طلبت «إسرائيل» تزويدها بقوات تركية لحمايتها من المقاومة الفلسطينية؟
منذ أن رفض البرلمان التركي في الأول من مارس الماضي التصديق على مذكرة نشر قوات أمريكية في الأراضي التركية لفتح الجبهة الشمالية من أجل ضرب العراق، منذ ذلك الحين والتوتر هو السمة الواضحة فيما يخص العلاقات الثنائية التركية - الأمريكية.
ورغم التصريحات التي صدرت من المسؤولين الأتراك لترطيب الأجواء إلا أن التصريحات القوية المتعاقبة من واشنطن ولدت حقيقة واضحة للغاية وهي أنه من الصعب جدًا عودة العلاقات بين البلدين إلى ما كانت عليه في السابق.
الولايات المتحدة التي بدت بعد موقف البرلمان التركي وكأنها تحاول معاقبة تركيا بشتى الطرق وقد تجلى موقفها الانتقامي هذا خصوصًا في حادثة السليمانية – عادت وبدأت تشعر بالحاجة إلى المساعدة التركية مجددًا.
فبعد أن عجزت الإدارة الأمريكية عن إحلال الأمن والاستقرار في العراق. تحاول في الوقت الحالي تشكيل قوة دولية لتولى المهام الأمنية في العراق، ويمكن القول إنها في هذا الإطار لم تلق أي ترحاب إلى الآن من الدول التي طرقت بابها طلبًا للمساعدة، لهذا فقد تحولت إلى تركيا لإجراء مباحثات معها بهدف كسبها ضمن هذه القوة، ولكن لكي تتمكن الولايات المتحدة من الحصول على دعم تركيا الدائم لها يجب أولًا تسوية الخلافات حول المصالح المشتركة بين البلدين وتوحيد الأهداف بينهما.
عملية الاقتحام المفاجئة التي قامت بها – القوات الأمريكية لمقر الوحدة العسكرية التركية –الخاصة في السليمانية شمال العراق واعتقال أحد عشر عسكرياً تركيًا بزعم تخطيطهم لعملية اغتيال محافظ كركوك الكردي عبد الرحمن مصطفى والمعاملة السيئة التي لقوها وكأنهم أسرى، كل ذلك أثار ردود أفعال تركية قوية ضد الولايات المتحدة، صعدت من التوتر في العلاقات التركية – الأمريكية بشكل غير مسبوق. وفي ضوء هذا التوتر فإن تصريحات رئيس هيئة الأركان التركي الجنرال حلمي أوزكوك التي قال فيها «إن عملية الاقتحام الأمريكية هذه قد داست على شرف تركيا وجيشها» عكست بالحرف الواحد تفكير وحساسية الرأي العام التركي إزاء الحادثة وبالتالي زادت من نفوره من العنجهية الأمريكية التي ليس لها حدود. يمكن القول إن هذه الحادثة هي من أخطر – وأسوأ الحوادث التي تعرضت لها تركيا على يد الولايات المتحدة في تاريخها على الإطلاق، لأن – الأخيرة في بعض الحوادث كان لديها العذر التبرير خطئها أو على الأقل كانت تتحجج في بعض الأحيان بأنه مجرد حادث «عرضي»، أما في تلك الحادثة الأخيرة فلم يكن لديها أدنى حجة منطقية أو عذر تبرر به موقفها المعادي أمام – الشعب التركي سوى القول «إنها استندت إلى – ادعاءات تورط العسكريين الأتراك ببعض النشاطات غير المشروعة»!!.
من الناحية المنطقية، فإن مثل هذا الإدعاء لا يعطي الحق لأي دولة بالاعتداء على جنود دولة أخرى تعرف أنها صديقة لها وتملك معها علاقات – تحالف استراتيجية قوية كما لا تبرر أبدًا معاملتها غير القانونية والمخجلة للمحتجزين.
ولهذا السبب بالذات فإن العلاقات التركية –الأمريكية – لا على الصعيد السياسي فحسب بل على الصعيد العسكري أيضًا – قد تأثرت بأكبر –أزمة ثقة في تاريخ علاقات البلدين.
فما الأسباب التي كانت وراء دفع العلاقات التركية – الأمريكية إلى هذه المرحلة الحرجة؟
في البداية يجدر القول بأن «السياسة العالمية»، التي خططت لها الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة وطورتها بعد 11 سبتمبر تختلف تمامًا عن خطتها السياسية التي اتبعتها بعد الحرب العالمية الثانية.
تدخل عسكري لحماية الاقتصاد
وللتوضيح، نستعين بما أورده الكاتب الفرنسي المعروف إيمانويل في كتابه الأخير الذي قال فيه: «بينما كانت الولايات المتحدة تعرف بأنها الأقوى في العالم على الصعيدين السياسي والعسكري فإن اقتصادها قد تجاوز حدود المعدل الأساسي للنمو، وبالتالي فإنه بدأ يحده بانهيار قريب ولإيقاف هذا التدهور الاقتصادي فقد أصبحت مضطرة إلى الاعتماد على الأساليب العسكرية، لضمان استمرار قبضته وسيطرتها على السياسة العالمية. وهي من أجل تشريع «سياستها التدخلية»، هذه من طرف واحد بدأت تستخدم مؤخرًا عبارات وشعارات مضللة أهمها «الهجوم من أجل الدفاع عن النفس و الديمقراطية».
وبهذه الشعارات فإن الولايات المتحدة تعتزم إدامة سيطرتها العالمية من خلال التدخل والهجوم على دول ضعيفة وصغيرة نسبيًا مثل العراق وسوريا وإيران وكوريا الشمالية وكوبا .
ولكن ما يجب أن نعرفه جيدًا أن شعارات «الديمقراطية» التي تستمجد بها أمريكا ما هي إلا أعذار واهية تستخدمها لتحقيق أهدافها الباطنية، لاسيما أن إرساء الديمقراطية فيالشرق الأوسط لن يكون لصالح الولايات المتحدة.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد حققت نصرًا – سهلا في العراق فإنها حتى الآن عاجزة عن السيطرة بشكل تام على الأمن أو تحقيق الاستقرار فيه. فكل تابوت ملفوف بالعلم الأمريكي يرسل من العراق إلى الولايات المتحدة يدق مسمارًا جديدًا في نعش الإدارة الحالية. خصوصًا صقور البنتاجون واللوبي اليهودي – الذين أيدوا الحرب ضد العراق، لا سيما أن – استطلاعات الرأي الأخيرة في الولايات المتحدة أكدت ذلك، في مؤشر واضح على أن فرصة الرئيس بوش في الفوز في انتخابات الرئاسة في عام ٢٠٠٤ قد دخلت في مرحلة الخطر وهو ما ينشر الذعر داخل الإدارة الأمريكية ويدفعها إلى ارتكاب الأخطاء بكثرة.
حادث السليمانية رد على موقف البرلمان التركي
وانطلاقً من هذه النقطة نعود إلى حادثة اعتقال أحد عشر عسكريـًا تركيًا على يد القوات الأمريكية في السليمانية شمال العراق والتي جرت أزمة كبيرة بين البلدين.
من الواضح أن الجناح العسكري «بنتاجون» لم ينس بعد خيبة الأمل التي أُصيب بها في الأول من مارس الماضي عندما رفض البرلمان التركي التوقيع على مذكرة نشر القوات الأمريكية في الأراضي التركية. ولهذا السبب رغم اتفاق الخارجية الأمريكية مع رئاسة الأركان التركية على مسألة بقاء القوات التركية في شمال العراق، فإن البنتاجون أهمل بقصد منه أو بغير قصد . هذه الاتفاقية، ولعل استعجاب وزير الخارجية الأمريكي كولن باول – من حصول مثل هذه الحادثة أكبر دليل على ذلك.
الوجود التركي في شمال العراق وعلاقات تركيا التاريخية الوطيدة بالتركمان هناك وخبرتها الواسعة في جغرافية المنطقة تقلق الأمريكيين بشكل لا يوصف، ولمزيد من التوضيح نشير إلى أن البنتاجون يثق ببعض فصائل الأكراد . ممن قدمت لهم أمريكا الدعم على مدى السنوات العشر الماضية – أكثر بكثير من ثقته بتركيا التي رفضت منح التسهيلات اللازمة للحرب ضد العراق، ولهذا فإن وزارة الدفاع الأمريكية ترغب بمنح الأكراد دورًا أكبر في العراق الجديد.
وجاءت مشاركة البشمركة الأكراد في حادثة اعتقال الأتراك في السليمانية دليلًا على هذه السياسة الأمريكية. وتنظر قوات الاحتلال الأمريكية «وبإيعاز من الأكراد» إلى تركمان شمال العراق على أنهم عنصر تهديد كبير للأمن والاستقرار في المنطقة نظرًا لعلاقاتهم التاريخية الوثيقة بتركيا، لهذا السبب يمكن القول إن حادثة الاعتقال هذه تخفي وراءها محاولة الضغط على التركمان لكبت مطالبهم مقابل الحد من النشاطات التركية في المنطقة.
نعم؛ أزمة الاعتقال هذه التي دامت حوالي ٦٠ ساعة بين أنقرة وواشنطن انتهت لكن فيما يبدو أنها ستترك بصمات لا تمحى على علاقات البلدين، خصوصًا أن ثقة الشعب التركي التي كانت مهزوزة أصلًا بالولايات المتحدة باتت معدومة تمامًا. والأهم من ذلك أن هذه الحادثة دفعت بالحاجة إلى وضع تعريف جديد للعلاقات التركية – الأمريكية وسط الجو السياسي الجديد الذي نشأ بعد الحرب الباردة.
وفي ضوء هذه المستجدات يجب أن لا نقرأ برودة الأعصاب التي تحلت بها الهيئات المدنية والعسكرية في تركيا إزاء هذه الحادثة على أنها ضعف منها ولا سيما أن القوة الأمريكية؛ قوة لا منافس لها في العالم ترفض التقيد بأي حقوق أو قوانين لا تستهويها.
يمكن القول بأن هذه الأزمة الديبلوماسية بين أنقرة وواشنطن دفعت بتركيا أخيرًا لإدراك حقيقة طالما كانت تتجاهلها وهي أنها لم تعد شريكة استراتيجية للولايات المتحدة مما يجبرها على إعادة النظر في علاقاتها معها. وليس المقصود أن تعاندها ولكن أيضًا ألا تستسلم لسياستها بل تبقى على مسافة منها إذ لا بد أن يأتي اليوم الذي ستحتاج فيه أمريكا إلى تركيا وعندها سيكون لأنقرة حق الرد بأفضل ما يكون على الشروخ التي أحدثتها واشنطن في علاقات البلدين.
إرسال قوات تركية إلى العراق
بينما تعتبر تركيا إرسال قوات لها إلى العراق تحركًا مهمًا لتسوية العلاقات مع الولايات المتحدة التي تردت عقب حادثة – «السليمانية»، يؤكد المحللون أن هذا التحرك قد يساعد أيضًا على حل مشكلة منظمة حزب العمال الكردستاني «كاديك» ويخفف من الضغط على تركمان العراق ويتيح الفرصة أمام تركيا للتواجد فعليا هناك.
وطبقًا للتقارير فإن هذا الاقتراح غير الرسمي جاء من الجنرالات الأمريكيين الكبار الذين زاروا تركيا مؤخرًا بهدف حل المشاكل العالقة بين حليفي الناتو نتيجة حادثة السليمانية. وفي هذا النطاق، يصف الصحفي التركي جنكيز شاندار الاقتراح بأنه جاء في الوقت المناسب لكي تلعب تركيا دورًا في العراق ما بعد الحرب.
ويؤكد شاندار أن هذا التحرك سيسهل حل مشكلة حزب العمال الكردستاني ويخفف من الضغط على التركمان في العراق. ويعتبر التركمان المجموعة العرقية الكبرى الثالثة في العراق بعد العرب والأكراد، إلا أنهم فشلوا في الحصول على العدد الضروري للتمثيل في المجلس الحاكم العراقي بسبب العلاقات المتوترة بين تركيا والولايات المتحدة. بعد رفض تركيا فتح الجبهة الشمالية من أراضيها.
ويضم المجلس الحاكم في العراق تركمانيًا واحدًا فقط من بين ٢٥ عضوًا.
وكانت تركيا قد تقدمت باقتراح لإرسال قواتها إلى العراق أثناء زيارة مستشار الخارجية التركية أوغور زيالي الأخيرة إلى واشنطن بعد الحرب مباشرة، ردًا على الطلب الأمريكي بمساهمة بعض الدول في مهمة حفظ السلام في العراق.
ويدعي الصحفي شاندار بأنه منذ الآن فصاعدا فإن وضع نهاية لأنشطة حزب العمال الكردستاني في المنطقة هو من مسئولية الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن إرسال قوات للعراق سيؤثر بالتأكيد على المجهود الأمريكي لحل المشكلة.
ويؤكد المحللون أن إرسال قوات تركية إلى العراق سيكون مناسبة مهمة لإبراز الأثر التركي في المنطقة والعالم.
وقد تم مناقشة تفاصيل إرسال القوات التركية أثناء الزيارة التي قاوم بها وزير الخارجية التركي عبد الله غول إلى واشنطن مؤخرًا والتي كشفت كما يشير اللواء المتقاعد أرماجان كلوجلو أنه «ينبغي على تركيا تقييم علاقاتها مع أمريكا وفقًا لمصالحها لتخلق لها أرضية فاعلة في المنطقة، كما يؤكد أن هذا التحرك يجب أن يستخدم كمناسبة أيضا لبدء الحوار مع الولايات المتحدة لتمثيل التركمان وحل مشكلة حزب العمال الكردستاني. ويلفت وزير الخارجية التركي السابق إلتر تركمان الأنظار إلى هذه المهمة الصعبة محذرًا من أن تركيا قد تصبح هدفا في العراق. وطبقًا للتقارير الإخبارية، فإن الولايات المتحدة طلبت قوات من تركيا لتوزيعها في المناطق التي فشلت هي في السيطرة عليها منذ قلب نظام حكم صدام.
وكان الجنرال جون أبي زيد القائد الأمريكي الجديد في العراق قد عرض وجود القوات التركية في المناطق المقاومة الموالية لصدام مادحًا خبرتها ضد حزب العمال الكردستاني حيث سأل أبي زيد رئيس الأركان التركي جنرال حلمي أوزكوك «ما إذا كان بإمكانهم وضع تكريت تحت الحماية التركية؟».
ويختم وزير الخارجية السابق كلامه قائلًا بأن إرسال القوات التركية ليس بالضروري، وفيما إذا أرادت تركيا إظهار فاعليتها في المنطقة يمكنها أن تفعل ذلك بواسطة المنظمات غير الحكومية.
لماذا تطلب أمريكا جنودًا من تركيا؟
كانت هناك محاولات لمنع تركيا من المشاركة في قوات السلام في كوسوفا والبوسنة رغم دورها الاستراتيجي المهم. والآن، فإن السؤل الذي يطرح نفسه: لماذا يطالب الذين رفضوا رؤية الجنود الأتراك في كوسوفا والبوسنة أمس رؤيتهم اليوم في العراق؟
في البداية، حقيقة يجب توضيحها وهي أن حتى الرأي العام الأمريكي لم يعد يصدق أن الوجود العسكري الأمريكي في العراق هو من أجل تحريره ودمقرطته، بل وفق تصريحات أمريكية رسمية فإن العراق حاليًا خاضع لاحتلال القوات الأمريكية.
ومن المحتمل أن الهجمات سوف تتضاعف على القوات الأمريكية لتجد نفسها في حرب فيتنامية جهنمية ثانية، وعند هذه المرحلة من الواضح أن أمريكا ترغب باستخدام الجنود الأتراك كدروع واقية لجيشها، وهي تحت حجة تأمين الجيش التركي للاستقرار في العراق تكون قد وضعته معها في نفس كفة «الاحتلال» لتنشغل هي بنهب ثروات العراق، بينما يشغل الجنود الأتراك الرأي العام العراقي عنها. وعلقت الصحافة التركية الإسلامية على ذلك بقولها:
تعريف الاحتلال واضح وهو الوجود العسكري غير المشروع في أرض أجنبية، وعنده تشارك تركيا .. أمريكا في جرم «الاحتلال» عنده يجب أن تكون مستعدة لتقبل المزيد من الطلبات غير المتوقعة، مثلا:
قوات الاحتلال «الإسرائيلية» تعاني من أزمة «أمن» بسبب اشتباكاتها المستمرة مع الفلسطينيين وماذا لو طلبت «إسرائيل» من تركيا بعد مدة أن تزودها بجنود بأسم «الشراكة الاستراتيجية»، بين البلدين لحمايتها من المقاومين الفلسطينيين والتي تصفهم هي «بالإرهابيين». هل سيمكنها رفض هذا الطلب؟.
وهل تتصورون «إسرائيل» وهي تطلب جنود من تركيا من أجل ضمان احتلالها لغزة ورام الله والقدس..
في الواقع لا يوجد فرق في المضمون بين الاحتلال الأمريكي للعراق والاحتلال «الإسرائيلي» لفلسطين، والتعاطف مع الاحتلال الأمريكي هو نفسه بمثابة التصفيق لاحتلال فلسطين وهدم المسجد الأقصى.
التطلعات التركية.
تنوعت الأهداف التركية من علاقاتها مع الولايات المتحدة بين الاقتصادية والسياسي والعسكرية..
اقتصاديًا: تتطلع تركيا إلى أن توافق على منحها مبلغ المليار دولار الذي وعدت به أثناء الحرب الأخيرة على العراق إضافة إلى إلغاء قيود الكمية على صادرات تركيا من المنسوجات والحديد والصلب للأسواق الأمريكية، فضلًا عن إقامة اتفاقية للتجارة الحرة بين الدولتين.
وسياسيًا: ترغب الحكومة التركية في موقف أمريكي واضح تجاه مستقبل العلاقات التركية – الأمريكية التي تدهورت بشكل كبير في الفترة الأخيرة، خصوصًا بعد حادثة السليمانية، وتأكيد عدم ظهور أي كيان كردي مستقل في شمال العراق، الأمر الذي تعتبره أنقرة خطأ عمر لا ينبغي تجاوزه وعلى واشنطن احترامه.
عسكريًا: بعد حرب العراق الأخيرة ورفض البرلمان التركي السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية خرجت تركيا من الحرب فارغة الجيب، ولم يكف هذا بل خسرت أكبر حلیف استراتيجي لها في المنطقة.
وكانت تركيا تريد المكافأة بسبب فتح المجال الجوي للطائرات الأمريكية وتقديم المساعدات الإنسانية للشعب العراقي وحددت أنقرة هذه المكافأة في أمرين: الأول: تسوية الديون العسكرية المستحقة لواشنطن عليها، والثاني: تتولى القوات التركية قيادة قوات حفظ السلام في العراق.
إلا أن الإدارة الأمريكية التي لم تتمكن من تجاوز صدمة الرفض التركي غير المألوف لمطالبها، ووسط الأسلوب الانتقامي الذي بدأت تتبعه مؤخرًا مع كل دولة تقول لها «لا» فقد رأت بأنه من الأفضل تلقين بعض الدروس لتركيا، تمهيدًا لاستخدامها في أهداف مستقبلية أخرى مثل ضرب إيران وسورية إلخ.. طمعًا في السيطرة المطلقة على الشرق الأوسط. وفيما يبدو أن هذا الأسلوب الانتقامي الأمريكي الذي استخدمته ضد تركيا جاء بنتيجة؛ إذ عرضت تركيا وبنفسها وعلى لسان مستشار خارجيتها اوغور زيالي بأنها مستعدة لإرسال قوات عسكرية إلى العراق وأيضًا أنها متضامنة مع السياسة الأمريكية إزاء إيران.
التركمان يدفعون ثمن الخطأ التركي الآن..
لا شك أن السياسة التركية لتوثيق علاقاتها بالتركمان في شمال العراق وحمايتهم أمر طبيعي إلا أنها أخطأت في عملية التطبيق إذ إن بعض الأشياء يجب التحكم بها بعقلانية وحكمة وليس عن طريق التباهي. الأمريكيون والبريطانيون يلعبون أيضًا نفس اللعبة ولكن بدون شوشرة تفسد أعمالهم.
ولنستعرض معًا نتائج عدم الكفاءة التركية:
١-لقد خسرت الجبهة التركمانية التي تتولى تركيا حمايتها الفعاليات والمزايا التي كان من الممكن أن تكتسبها في شمال العراق، والعراق بصفة عامة إلى درجة انتخاب سونجول شوبوك وهي زعيمة تنظيم تركماني غير حكومي بدلًا من ممثل تركماني رسمي في مجلس الحكم الذي سيحكم العراق في الفترة الجديدة.
٢- الجبهة التركمانية التي وصفت ب «حصان طروادة لتركيا في المنطقة» بقيت خارج الأنشطة الفعالة في العراق.
٣-الجمعيات التركمانية بدأت بالابتعاد تلقائيًا عن الجبهة التركمانية الرسمية.
٤-الجيش التركي وافق على إخطار الأمريكيين بكل أنشطته في المنطقة.
٥-تخفيف الضغط على حزب العمال الكردستاني إلى حد معين بسبب هذا التطور الأخير.
والنتيجة أن تركيا فقدت التركمان بنسبة أكبر، وفقدت معها وسيلة التعاطي الديبلوماسي مع الولايات المتحدة لتحقيق أهداف كانت تطمح إليها مستقبلًا في العراق سياسيًا واقتصادياً.
وهذه التطورات ستؤثر على سياسة الولايات المتحدة إزاء حزب العمال الكردستاني:
العلاقات التركية – الأمريكية في المرحلة القادمة ستتشكل تبعًا للتطورات التي تحدث في شمال العراق. والأهم من ذلك أن طبيعة تعامل القوات الأمريكية مع حزب العمال الكردستاني ستلعب دورًا حيويًا في هذه العلاقات.
ما حدث قد حدث رغم مذاقه المر الذي بقي في حلق الاتراك ولكن ينبغي على تركيا أن تستفيد من الدروس الماضية والا تحتك مع واشنطن عبثًا.. خصوصًا أن كل انتباهها مركز الآن على رؤية نوعية الطريقة التي ستتعامل بها واشنطن مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني.
الأمريكيون نجحوا في إخافة المنظمات الموجودة كافة في شمال العراق وتفكيكيها وحزب العمال الكردستاني أيضًا هو على قائمة الولايات المتحدة للمنظمات الإرهابية، لكنها لم تلمسه لحد الآن وهو يمارس نشاطاته الاعتيادية في معسكر على الحدود العراقية الإيرانية، مما يشير إلى أن الأمريكيين ينتظرون شيئًا بالتأكيد.
سواء طال الانتظار أو أعطت واشنطن انطباعًا لأنقرة بأنها تتغاضى عن انشطة حزب العمال الكردستاني، فإن ذلك سيؤثر سلبًا على طبيعة العلاقات التركية – الأمريكية دون أدنى شك.
وأخيرًا.. فإنه على الرغم من أن العلاقات التركية – الأمريكية تدخل في نطاق التحالفات الاستراتيجية، فإنه في ضوء الثوابت والمتغيرات المحيطة بهذا التحالف يمكن القول بأنه تحالف غير متوازن يميل دائمًا لصالح الولايات المتحدة ومع ذلك فلدى الطرفين حرص على استمراريته وثباته، بما أن مصلحتهما تقتضي الإبقاء على هذه العلاقات خيرا من قطعها.
شروط تركيا لإرسال قواتها إلى العراق
كشفت مصادر تركية مطلعة أنه بعد زيارة وزير الخارجية عبد الله جول لواشنطن وباستعراض تقارير استخبارية عرضها رئيس المخابرات التركية شنكال آتاصاغون بشأن التطورات في العراق، وضعت أنقرة شروطًا لإرسال وحدات عسكرية إلى العراق على النحو التالي:
تجنب قيام أنقرة بتولي دور حارس لأمن الولايات المتحدة في بغداد في وقت مازال شمال العراق يشكل تهديدًا لأمن تركيا، والتريث لحين وضوح الموقف الأمريكي تجاه وجود أفراد منظمة حزب العمال الكردستاني «كاديك» في منطقة شمال العراق.
العمل على مساعدة أفراد حزب العمال من غير المشاركين في عمليات عنف للعودة إلى ديارهم، والتريث لحين تبلور موقف الإدارة الأمريكية من موضوع تسليم زعماء المنظمة إلى تركيا.
تجنب إرسال قوات تركية رغمًا عن – العراقيين والتريث لغاية ورود طلب رسمي بهذا الخصوص من المجلس الانتقالي العراقي يحمل تواقيع كافة أعضاء المجلس، بمن فيهم البرزاني والطلباني والجلبي لكون مثل هذا الطلب ضروريًا لإقناع نواب البرلمان التركي بالمصادقة على مذكرة جديدة لإرسال قوات تركية إلى المنطقة، مع الإشارة إلى صعوبة منح الأمم المتحدة دورًا في المرحلة الراهنة.
تولي تركيا دورًا مهمًا في تقديم المساعدات الإنسانية وإعادة بناء خدمات البنية التحتية كالماء والكهرباء إذا ما قررت المساهمة عسكريًا في العراق وتجنب الظهور بمظهر «الدركي».
تحليل ردود الفعل المحتملة من دول المنطقة على مسألة إرسال وحدات عسكرية الى العراق تحليلًا دقيقًا وشرح الموضوع لتلك الدول وفي مقدمتها سورية وإيران والمملكة العربية السعودية.
بلورة الموقف النهائي التركي من موضوع المساهمة العسكرية في العراق مع بداية شهر سبتمبر المقبل، ومطالبة الإدارة الأمريكية بإنشاء صندوق لتغطية نفقات الوحدات التركية في حال المساهمة.