; العلاقات الدولية في ضوء ما حدث في كوسوفا .. تيمور الشرقية | مجلة المجتمع

العنوان العلاقات الدولية في ضوء ما حدث في كوسوفا .. تيمور الشرقية

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1999

مشاهدات 71

نشر في العدد 1371

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 12-أكتوبر-1999

"فرض حلف الأطلسي نفسه على دوائر السياسة وأصبح السؤال عند كل أزمة : هل يتدخل الناتو؟"

في ظل التراجع الروسي الملحوظ في أزمة كوسوفا، وعدم قوة الموقف الصيني، لا يمكن أن يكون هناك تحديد واضح للسياسة الأطلسية أو بالأحرى الأمريكية. 

كان هذا تعليق مجلة "جينز" المختصة بشؤون الدفاع والأمن قبل التطور السريع الذي حدث في تيمور الشرقية والقرار الدولي السريع بالتدخل الضاغط والفاعل، الذي أسفر عن الاستفتاء على انفصال الإقليم، وما تلا ذلك من تدخل أو، بمعنى أدق، تواجد عسكري في جنوب شرق آسيا.

لعل بدايات الهيمنة الدولية كانت في أعقاب الحرب العالمية الثانية وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى تستطيع أن تحمي أصدقاءها في أوروبا، ثم تطور الأمر إلى حماية أصدقائها خارج أوروبا، ثم ازداد تطورًا ليشمل حماية بعض الأنظمة، واليوم يقف حلف الأطلسي "الناتو"، بزعامة الولايات المتحدة، عند مفترق الطرق حيث يهدف لحماية مصالح أوروبا وأمريكا في أي مكان وتحت أي ظرف، ولكن أمريكا لا تستطيع فعل كل شيء بمفردها، لذا فإن السيناريوهات المقترحة قد لا تشمل فقط توسع الناتو أو الهيمنة على بعض المرافق الحيوية في أماكن عدة من العالم، بل قد تشمل أيضًا تغييرًا جذريًا في عمل مجلس الأمن أو الابتعاد تمامًا عنه. وبالتدريج، وفي ظل ذلك، يمكننا قراءة ما حدث في كوسوفا وتيمور الشرقية. 

ويمكننا أيضًا ربط الحدثين في إطار ما يسعى إليه الغرب من ترسيخ لفهم العولمة العسكرية.

في كوسوفا:

على الرغم من أن الأزمة تعد الأقدم في البلقان، وعلى الرغم من علم العالم، وخصوصًا الغربي، بحجم المعاناة التي يعيشها الألبان المسلمون هناك، إلا أن التحرك الدولي ظل مقصورًا على التنديد بالسياسة الصربية والترحيب الحذر بإبراهيم روجوبا، الزعيم الألباني النصراني الكاثوليكي، من قبل الدوائر السياسية في أوروبا، خصوصًا فرنسا وألمانيا، ولاحقًا أمريكا. ولم يتحرك المجتمع الدولي في عام ١٩٩١م، حين ضمت صربيا الإقليم وأفرغت وضعيته المستقلة في الاتحاد اليوغسلافي، والتي نص عليها دستور ١٩٧٤م في عهد تيتو. 

وكانت حرب البوسنة، التي جاءت في ظروف لم تتبلور فيها بعد النظرة العالمية للأحداث أو ما يطلق عليه العولمة، لتضيف عبئًا سياسيًا وعسكريًا على كاهل كل من أوروبا المتحدة والولايات المتحدة. لأن دور الأطلسي لم يكن قد تبلور بالشكل الكافي الذي يسمح له بالتدخل منفردًا، لذا جاء تشكيل القوات الدولية من أغلبية أطلسية، أخذت على عاتقها تطبيق القرارات الدولية، ولكن المهمة الرئيسة كانت الحفاظ على ما اتفقت عليه القوى الدولية في اتفاق دايتون بعدم السماح بدولة ذات أغلبية مسلمة في البلقان، وجاء الاختبار الثاني، أو بمعنى أدق صنع الأطلسيون الفرصة الثانية في كوسوفا. فبعد عشر سنوات من القهر الصربي في الإقليم، وبعد هزيمة الصرب عسكريًا في البوسنة، كانت الفرصة للأطلسي ليفرض وجوده منفردًا وفي معزل عن الإرادة الدولية التي جاءت لاحقًا من خلال قرار مجلس الأمن.

وبعد التدخل الأطلسي، برزت على الساحة أسئلة وتساؤلات، كان من بينها:

1- هل يتدخل الناتو حقًا من أجل العدل والحق؟

2- هل يتدخل لحماية الأقليات المضطهدة والإنسانية المعذبة؟

3- هل يفرض رأيه في ظل وجود قوى عالمية أخرى لها وزنها وعلى الأقل لديها حق النقض، مثل الصين وروسيا؟

٤- ما حدود تدخل الناتو.. هل يتجاوز خطوط أوروبا ليشمل بقية أنحاء العالم؟

5- ما الدوافع والأسباب التي تجعل التدخل العسكري الأطلسي حتمًا، هل هو الإرهاب، أم التهديد بالسلاح النووي، أم القرصنة الفكرية.. أم الاعتداء على دول أوروبا من قبل قوى أخرى لم يحددها الناتو؟

كانت هذه التساؤلات مادة النقاش في العيد الخمسين للحلف. وكانت الفرصة لبدء تنفيذ ما يمكن تنفيذه من هذه الأفكار.

ونجح الحلف فيما يلي:

١- إلحاق هزيمة بالصرب، دون أن يحقق نصرًا للألبان حتى تظل هناك مساحة مفتوحة للصراع وليس للاستقرار.

٢- تسديد لطمة قوية إلى روسيا من خلال تنحيتها عن الساحة الدولية، رغم تمسك روسيا بأن تلعب دورًا في الشرق الأوسط، خصوصًا التعاطف مع العراق، وذلك لأسباب اقتصادية فقط.. ومن مؤشرات ذلك أنه بينما كان بريماكوف رئيس وزراء روسيا آنذاك في طريقه إلى واشنطن، بدأ الناتو ضرباته، مما دعاه إلى العودة إلى روسيا معترضًا. وكان ذلك يعني أنه لن يتفاوض مع ممثلي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بخصوص القروض المطلوبة لروسيا التي تعاني اقتصادها الأمرين، وكان بإمكان بلاده ممارسة ضغط على أمريكا، ولكن سرعان ما تراجعت حدة الخطاب الروسي خصوصًا من قبل يلتسين الذي وصف الضربات الأطلسية على صربيا في بدايتها بالبربرية، وطالب بوقفها والمح إلى استخدام النووي.. لكن الرياح نهبت بالكلمات الحادة لتبقى الأفعال الدالة على ضعف الموقف الروسي وانحساره في دائرة البحث عن القروض.

٣- ضرب الناتو السفارة الصينية في بلجراد، فلم يزد على أن قدم الاعتذارات للصين عن الخطأ غير المقصود، ورغم تردد الصين في قبول الاعتذارات، إلا أنها قبلت بالتعويضات، وعندما جاءتها الفرصة أثناء صياغة قرار مجلس الأمن بشأن كوسوفا لم تملك إلا أن تستخدم حق الامتناع، مما يعني أنها توافق على ما صاغه ساسة الناتو من قرارات ضد صربيا، وهذا مؤشر آخر على أن قوى عالمية أخرى انحصر دورها في استخدام الصمت.

٤- فرض الحلف نفسه على دوائر السياسة ومعاهدها ومراكز صنع القرار في العديد من دول العالم، فرض اسمه على كل صراع ينشب في أي بقعة من العالم، وأصبح السؤال عند كل أزمة وكما حدث في تيمور الشرقية: هل يتدخل الناتو؟ 

وأجاب خافيير سولانا الأمين العام للحلف: لا.. لن تتدخل... لنضع حدًا فاصلًا مؤقتًا للزخم الإعلامي الكبير الذي صاحب نجاح الناتو في كوسوفا.

وعلى الرغم من بعض التحليلات التي ترى أن الوقت ما زال مبكرًا على قيام الناتو بدور البديل للمنظمة الدولية، خصوصًا مع ارتفاع كلفة العمليات العسكرية أو حتى التواجد العسكري، إضافة إلى الرفض الشعبي في أماكن عدة من العالم لتحول الناتو إلى عصا غليظة لتأديب الخارجين على السياسة الدولية، إلا أن الواضح أن الناتو ليس إلا وسيلة أداة، ويمكن للغرب بزعامة أمريكا استخدام وسائل أخرى لا تثير الحساسية لدى البعض، لكن الملاحظ أن ثمة تراجعًا لدور مجلس الأمن لصالح الناتو أو القوى العظمى التي تسعى لفرض منطق آخر، ربما يكون استخدام الناتو إحدى تجاربه، والتي ربما تتطور مع الوقت لتتبلور في شكل صيغة أخرى.. لذا يأتي الحديث عن تيمور الشرقية.

تيمور الشرقية:

ثمة سؤال يطرح نفسه: لماذا تأخر المجتمع الدولي في حسم الصراع في تيمور إلى هذا الوقت بالذات، ولماذا كل هذه الحماسة وهذا الإصرار والفاعلية في زمن قصير أو حسب ما يقول الغربيون في اللازمن Notime؟ 

وعودة إلى تاريخ الصراع ربما نكشف بعض الأسباب، إضافة إلى محاولة ربط ذلك بالمتغيرات الدولية وعلى رأسها ما حدث في كوسوفا:

فالصراع في تيمور الشرقية بدأ مع انسحاب المستعمر البرتغالي، النصراني، في ظل نمو المد الشيوعي، وكانت إندونيسيا في حكم الدكتاتور السابق سوهارتو، وأوحى إلى الإندونيسيين بالدخول إلى الإقليم لمواجهة عصابات مسلحة شيوعية.

لم يعترف العالم بقرار ضم إندونيسيا للإقليم على الرغم من أن العالم غض الطرف عن صربيا حين ضمت كوسوفا، وكانت أستراليا الجارة القريبة الوحيدة التي اعترفت بالضم.

لم تستسلم البرتغال لقرار الضم الإندونيسي، ورغم أن إمكانات البرتغال الاقتصادية لا تمكنها من القيام بعمل كبير على غرار ما تقوم به الدول الكبرى من تحريك اضطرابات أو الاتفاق على عمليات عسكرية، فهي ثاني أفقر دولة بالاتحاد الأوروبي، لكنها استطاعت أن تبقى الجهة الوحيدة المسؤولة إداريًا عن الإقليم على الرغم من قرار إندونيسيا، وكانت إندونيسيا تستخدم كمخلب قوي للإجهاز على بؤر الشيوعية دون أن تحصل على ثمن ذلك مطلقًا. 

تحركت البرتغال على محورين، أحدهما: احتضان خوسيه ماريا خورنا، ودعمه إعلاميًا كرمز من رموز الاستقلال حتى أصبح رمزًا وطنيًا برتغاليًا رغم أنه من تيمور، وعندما فاز بجائزة نوبل للسلام ولا ندري لماذا بالاشتراك مع القس كارلوس بيلو في عام ١٩٩٦م، احتفل البرتغاليون وكأن الفائز منهم، وتحركت على صعيد مجلس الأمن.

لم يكن التحرك البرتغالي طوال الفترة السابقة يلاقي هدفًا استراتيجيًا من قبل الدول العظمى، ولم يكن هناك وضوح في توجه السياسة الدولية تجاه العولمة، لكنه وجد ذلك مؤخرًا وبعد قضية كوسوفا. كما لم تكن النمور الأسيوية بدأت تأخذ دورها في الاقتصاد العالمي، وتمثل صداعًا للقوى العظمى. كما أن إندونيسيا لم تكن بدأت في الظهور كديمقراطية ناشئة بعد الإطاحة بسوهارتو، ومجيء يوسف حبيبي الذي ورث تركة اقتصادية متعبة تحتاج إلى الدعم الدولي، وكانت الفرصة المتاحة.

صحيح أن الناتو لم يتدخل في تيمور، لكن القوى العظمى هي التي تبنت الموضوع من الألف إلى الياء، وتدرج الأمر من مجرد اقتراح بحكم ذاتي قدمه يوسف حبيبي، ورفضته الأمم المتحدة التي ظهرت ككيان له كلمة هذه المرة، إلى ضرورة الاستفتاء على الاستقلال، واضطر حبيبي إلى القبول.

وهنا يتبين لنا عدة أمور:

1. أن التحرك تم في أعقاب ما حدث في كوسوفا، وتدخل القوى الدولية لصالح الألبان المسلمين.

2. تزامن هذا التدخل مع تصاعد دور الكنيسة الغربية في دعم رموز المقاومة النصرانية التي برزت كبديل للمقاومة الشيوعية وكوجه أكثر قبولًا. 

3- جاء هذا التصاعد بعد منح كل من خوسيه ماريا، وكارلوس بيلو جائزة نوبل للسلام.

4. لا يمكننا غض الطرف عن السياسة القمعية الإندونيسية في الإقليم والتي تمت بأوامر من العسكر.

إلا أن المثير أن قرار دخول القوات الدولية لم يأخذ وقتًا في أروقة الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، بل خرج سريعًا وضمن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ما يعني أن هذه القوات لها الحق في استخدام القوة متى لزم الأمر، مما دفع بالقائد الأسترالي الجنرال كوسجروف إلى التشدد في تصريحاته، وكأن بلاده انتصرت في الحرب ضد إندونيسيا قائلًا: على الإندونيسيين التزام القانون وإلقاء السلاح، ومن لا يعجبه ذلك فعليه بالرحيل. فهل تتطابق هذه الكلمات مع كلمات قادة الناتو في كوسوفا؟ أعتقد ذلك إلى حد كبير.

ومرة أخرى، على الرغم من أن الناتو لم يتدخل، لكن قراءة في تشكيلة القوة المشاركة، نجد أن أستراليا هي المتزعمة، وأن قرار تشكيل هذه القوة لم يكن لإندونيسيا رأي فيه. بل إن القوة كانت جاهزة قبل استصدار الأمر، ومن قبل إجراء الاستفتاء، وهذا ما أعلنه كلينتون، حيث قال إن تشكيل القوات ليس لإندونيسيا دخل فيه. وهنا يبدو أن تركيبة القوات تمت وفق خريطة إقليمية جديدة لقيادة جنوب شرق آسيا بقيادة أستراليا تدعمها بريطانيا وأمريكا.

واللافت للنظر أن قائد هذه القوة ينتمي إلى جيل حرب فيتنام، بل إنه شارك مع القوة الأسترالية المساندة لأمريكا في فيتنام، ولا أعتقد أن ذلك من قبيل المصادفة. كما أن مشاركة أستراليا بأربعة آلاف وخمسمائة جندي ليست مصادفة أيضًا تاركة الفئات لكندا وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وماليزيا، وباكستان، وفنلندا، والصين، والنرويج، وسنغافورة لتشارك بعضها بالمال والعتاد والبعض الآخر بتواجد مدني.

بعض المحللين يرون أن انفراد الناتو بالتدخل في الصراعات وحسمها غير ممكن في الوقت الراهن لأسباب مالية وأخرى سياسية تحتاج إلى وقت حتى يتم تأصيل فكرة تدخل الناتو في أي صراع في أي بقعة من العالم. لذا فإن البديل هو تشجيع قيام كيانات أو دعم قوى إقليمية لحماية مصالحها، وهو نفس المنهج القديم للأحلاف أو فكرة شرطي المنطقة. وهذا ستأخذ دورًا إقليميًا مني أن أستراليا من قوى العالم الكبرى، ويصمت من قوى أخرى كان من المفترض أن يكون لها دور مثل الصين. وإذا كانت الصين لم تستطع عمل شيء تجاه الناتو في كوسوفا لأنها تقع في أوروبا، فإنها لم تفعل شيئًا والمصيبة قريبة من بيتها كما يقول المثل.

ولكن الملاحظ أن ما حدث في كوسوفا كان يخص المسلمين وتم حرمانهم من دولة أو استفتاء على الاستقلال على الرغم من التدخل المزعوم لصالحهم. بينما في ظرف زمني بسيط تم التدخل ضد أكبر دولة إسلامية في العالم، ليتم إعطاء النصارى في تيمور حق الاستفتاء والاستقلال والحماية من قبل دولة جارة هي أستراليا، التي تبحث عن دور إقليمي وربما عالمي في مستقبل الأيام. والأكثر من ذلك، إعلان خافيير سولانا قبل أيام من تسليمه أمانة الحلف إلى خلفه البريطاني، أن التفكير في استقلال الإقليم جريمة، ربما لأنهم مسلمون.

هل يمكننا تصور مستقبل العالم في ظل هذين الحدثين وفي ظل الحديث عن صراع الحضارات؟ لعل هذه بداية حديث طويل يحتاج إلى آراء المفكرين والساسة قبل أن نجد الناتو أو القوى العظمى تتدخل لفض النزاعات بين الحكومات والأحزاب في بعض بلاد العالم. ولم لا؟ وهل ما يحدث في جنوب السودان سوى هذا الذي ذكرناه؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل