; العلاقات الصينية - الإسرائيلية ومخاطرها على العالم الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان العلاقات الصينية - الإسرائيلية ومخاطرها على العالم الإسلامي

الكاتب جهاد محمد

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1997

مشاهدات 61

نشر في العدد 1246

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 15-أبريل-1997

    

 

•جنت إسرائيل من علاقتها بالصين كثيرًا من الفوائد، يأتي على رأسها توقف الصين عن إمداد دول الشرق الأوسط بالصواريخ والأسلحة المتطورة 

 

لقد كنتم في يوم من الأيام منبوذين في هذه المنطقة، أما اليوم فإن أحباءكم لا يزالون يزيدون يومًا بعد يوم، كانت هذه الكلمات جزءًا من الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أمام أعضاء الكنيست الإسرائيلي في ٢٧ أكتوبر عام ١٩٩٥م.

 والمراقب لتطور العلاقات بين إسرائيل ودول العالم بصورة عامة، يجد أن تل أبيب استطاعت حتى الآن - ومنذ بداية ما يسمى بالحل السلمي- تحقيق العديد من المكاسب أهمها الانفتاح على العالم سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا، بعد أن ظلت تعاني من العزلة السياسية والاقتصادية لفترة طويلة، وكان لهذه العزلة انعكاساتها الحادة على الكيان السياسي من ناحية وعلى الاقتصاد الإسرائيلي من ناحية أخرى، والذي عانى في العقود الماضية من ارتفاع معدلات التضخم والبطالة وعجز دائم في الميزان التجاري وتضخم المديونية الخارجية.

 ولا شك أن الصين والهند كانتا هدفين رئيسيين للتحركات الإسرائيلية في المنطقة الآسيوية.

  تاريخ العلاقات بين بكين وتل أبيب

وبالرغم من أن إسرائيل كانت أول دولة في الشرق الأوسط تعترف بالصين الشيوعية عام ١٩٥٠م، إلا أن الصين رفضت وبشدة إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في ذلك الوقت، وكان من أهم الأسباب حينها تأييد إسرائيل للولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الكورية التي اندلعت بين عامي (١٩٥٠ - ١٩٥٣م)، ثم بسبب الحروب العربية - الإسرائيلية والتي وقفت فيها الصين إلى جانب الدول العربية والقضية الفلسطينية، ولعل افتتاحها مكتبًا لمنظمة التحرير الفلسطينية في بكين عام ١٩٦٤م يأتي ضمن ذلك الدعم، وحاولت إسرائيل في نهاية عقد الستينيات وبداية السبعينيات إغراء الصين بفتح قنصلية لها في القدس مع وعود بمساعدات مالية وتقنية وعسكرية مختلفة، إلا أن بكين رفضت ذلك باعتبار أن القدس أرض محتلة، ولا يجوز لإسرائيل التمسك بها، وقد علق الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية  - في ذلك الوقت - على الموقف الصيني قائلا: «إن هذا الموقف نثمنه للصين؛ نظرًا لأن الصين إحدى الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، ويمكنها استخدام حق الفيتو لإحباط أي توجه دولي لإقرار القدس عاصمة لإسرائيل، ومع كل ذلك لم تهدأ محاولات الكيان الصهيوني لاختراق الجدار الصيني لمدة ربع قرن من الزمان، وبلا شك أنه كان لتمسك العرب بصورة عامة والفلسطينيين بصورة خاصة - بحقوقهم المشروعة - دوره في إفشال قيام مثل هذه العلاقات هذا بالإضافة للعلاقة التجارية المتينة بين الدول العربية والصين، وخوف بكين من شبح المقاطعة العربية، ولكن استطاعت إسرائيل وفي عام ۱۹۷۹م تحديدًا استغلال التناقضات والصراعات والتحولات الإقليمية والدولية في المنطقة لاختراق الجدار الصيني، وكان المفتاح في ذلك الوقت التعاون العسكري؛ حيث ذكرت العديد من التقارير الصحفية ومن ضمنها «جينز ديفينس ويكلي» - وهي مجلة متخصصة في الشؤون العسكرية وتصدر من لندن - عن صفقة عسكرية لأسلحة متطورة باعتها إسرائيل للصين بقيمة ثلاثة بلايين دولار، وذكرت في معرض حديثها أن الصين والتي كانت تعاني من عجز في قطع الغيار والمعدات العسكرية السوفييتية، خاصة بعد الخلاف الأيديولوجي الذي دب بين الدولتين تطلعت للحصول على الأسلحة السوفييتية والتي استولت عليها إسرائيل من العرب في حروب عام ١٩٦٧م وطورتها بعد ذلك، ولعل الذي ساعد في تطور العلاقات بين بكين وتل أبيب في نهاية عقد السبعينيات عاملان رئيسيان هما: اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل ۱۹۷۹م، وثانيًا: سياسة الانفتاح الصيني على العالم، والتي بدأت تظهر سماتها بعد وفاة ما وتسي تونج عام ١٩٧٦م. «انظر الجدول رقم ١»

«جدول رقم ١»

أهم المحطات في العلاقات بين البلدين حتى يناير ١٩٩٢م

عام ١٩٥٠م- إسرائيل أول دولة في الشرق الأوسط تعترف بالصين الشيوعية. 

عام ١٩٧٩م- بعد ربع قرن من القطيعة أنباء عن صفقة عسكرية بقيمة ثلاثة بلايين دولار. 

عام ١٩٨٤م- صفقة عسكرية ثانية بين بكين وتل أبيب

مايو ١٩٨٦م- اتفاقية بين البلدين لفتح خطوط الهواتف الدولية

أوائل ۱۹۸۸م- الجانبان الصيني والإسرائيلي يبدآن معًا برنامجًا لتطوير صاروخ بحري

1٥ يونيو ١٩٩٠م- افتتاح مكتب لأكاديمية العلوم الإسرائيلية في بكين

أوائل نوفمبر١٩٩١م- وزير الحرب الإسرائيلي موشي إرينز في بكين «سرًّا». 

أواخر نوفمبر ١٩٩١م- أول وفد تجاري إسرائيلي يزور بكين لمدة (۱۱) يومًا

ديسمبر ۱۹۹۱م- التصويت لصالح دولة إسرائيل في الأمم المتحدة حول إلغاء الجزء الخاص بالصهيونية في تعريف العنصرية. 

ديسمبر ۱۹۹۱م- مسؤول صيني (بانج فوشانج) يزور إسرائيل

٢٢ يناير ۱۹۹۲م ديفيد ليفي يزور بكين عندما كان وزير الخارجية الإسرائيلي وسط ترحيب صيني. 

وهكذا بدأت معالم العلاقات بين البلدين تظهر ليس في المجال العسكري فحسب، بل في المجال التجاري كذلك، فبعد صفقة الأسلحة عام ١٩٧٩م كانت هناك صفقة أخرى عام ١٩٨٤م، ثم قطع التعاون شوطًا كبيرًا في أوائل عام ۱۹۸۸ م من خلال قيام الكيان الصهيوني بمساعدة الصين سرًّا على بناء نظام للرقابة المتقدمة على امتداد حدودها مع الاتحاد السوفييتي البالغة ٦٦٧٩ كم، ثم بدأ الجانبان الإسرائيلي والصيني برنامجًا لتطوير صاروخ بحري مشتق من صاروخ غيبربيل الإسرائيلي، بل إن العديد من التقارير الصحفية في ذلك الوقت أكدت تواجد ۲۰۰ خبير عسكري إسرائيلي بصورة دائمة في بكين للاستشارات العسكرية، بناء على اتفاقية عسكرية موقع عليها بين الطرفين في منتصف الثمانينيات وجاءت زيارة وزير الحرب الإسرائيلي موشي أرينز السرية لبكين في نوفمبر ١٩٩١م؛ لتضع النقاط على الحروف عن مدى رسوخ ومتانة العلاقات بين البلدين، وقد نشرت فيما بعد صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية صورًا لموشي أرينز لدى زيارته لموقع عسكري قرب سور الصين، وذكرت الصحيفة أن وزير الحرب الإسرائيلي طلب في تلك الزيارة من بكين التوقف عن نقل التكنولوجيا العسكرية أو بيع الصواريخ لدول المنطقة وخاصة المملكة العربية السعودية وإيران والعراق، أما الجانب التجاري والاقتصادي فمن لا شيء بدأت تتصاعد موجة التعاون التجاري وخاصة في منتصف الثمانينيات والذي تزامن مع اتفاقية لفتح خطوط الهواتف الدولية بين تل أبيب وبكين في مايو ١٩٨٦م، وكان الغرض منها تسهيل الاتصالات بين التجار من كلا البلدين، وتوسيع آفاق الاستثمارات تبعًا لما ذكرته مجلة إسرائيل «إيكونيميست» عدد شهر يونيو عام ۱۹۸۹م، ورغم كل ذلك فإن حجم التبادل التجاري لم يتعد المائة مليون دولار خاصة إذا علمنا أن شبح المقاطعة العربية كان لا يغيب عن أنظار تجار بكين، وكانت معظم مجالات التعاون التجاري متركزة في الجانب الزراعي وصناعة النسيج والمواد الكيميائية.

                        عهد جديد من التعاون

مع أن العلاقات الدبلوماسية بين كلا البلدين أعلن عنها في ٢٤ يناير عام ١٩٩٢م إلا أن إسرائيل استطاعت أن تدخل الساحة الصينية رسميًّا قبل ذلك، وتحديدًا في ١٥يونيو عام ۱۹۹۰م؛ حيث وافقت الصين في ذلك اليوم على فتح مكتب لأكاديمية العلوم الطبيعية والإنسانية الإسرائيلية في بكين، وكانت هذه اللافتة غطاء ظاهره تشجيع التبادل الثقافي والعلمي بين البلدين، بيد أن الحقيقة كانت غير ذلك؛ حيث وصف بالمكتب وعومل كقنصلية إسرائيلية في بكين، وقد أثار الإعلان عنه في ذلك الوقت تساؤلات عديدة حول احتمالات أن تكون هذه هي الخطوة الأولى في طريق اعتراف الصين بإسرائيل رسميًّا، وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة بعد قطيعة دامت أربعة عقود على الأقل، وجاءت الأيام التالية لتؤكد تلك التساؤلات، خاصة مع افتتاح الصين مكتب تبادل ثقافي وسياحي لها في القدس في نهاية عام (۱۹۹۱م)، وقد كان لهذه النشاطات أثرها على الخطاب الصيني السياسي... وهكذا بعد أن كانت الصين تصف إسرائيل بأنها صنيعة الاستعمار والإمبريالية - على حد وصفها - بدأت تؤكد استعدادها للاعتراف وإقامة علاقات مع تل أبيب شريطة توصل دول المنطقة لسلام شامل ودائم، وكان تصويت الصين في ديسمبر عام ١٩٩١م بالجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح إلغاء الجزء الخاص بالصهيونية من قرار العنصرية تأكيدًا واضحًا وصريحًا على نيتها المبرمة في تطوير علاقتها مع الكيان الصهيوني، وقام بعدها مسؤول كبير في وزارة الخارجية الصينية «يانج فوشانج» بزيارة لتل أبيب وسط ترحيب إسرائيلي كبير، وما إن مرت ثلاثة أسابيع على زيارة المسؤول الصيني حتى  كان ديفيد ليفي - وزير الخارجية الإسرائيلي في ذلك الوقت - في بكين في زيارة رسمية (۲۲ يناير ۱۹۹۲م)، ولم يغادر مطار بكين حتى أعلن الطرفان الصيني والإسرائيلي عن رفع مستوى العلاقات بين البلدين إلى مستوى الدبلوماسية الكاملة، وانفرجت أسارير الساسة اليهود وغمرهم الفرح على تحقيق هذا النصر السياسي الكبير، واستطاعت إسرائيل بهذه الخطوة أن تحقق العديد من الأحلام التي طالما راودت مؤسسيها مثل بن غوريون في أن تصبح تل أبيب دولة معترفًا بها من قبل العملاق الصيني، إن الأسبوع الأخير من شهر يناير عام ۱۹۹۲م كان ضربة الموسم بالنسبة لإسرائيل، فقد كسبت خلاله دولتين لهما ثقلهما الإقليمي ويحويان معًا سوقًا استهلاكيًّا كبيرًا (٣٦٪ من سكان العالم) ألا وهما: الهند والصين. «انظر الجدول رقم ٢». 

«جدول رقم ٢»

  أهم المحطات في العلاقات منذ ٢٤ يناير ١٩٩٢م وحتى الآن

٢٤ يناير ۱۹۹۲م- الإعلان من الطرفين عن رفع العلاقات إلى مستوى الدبلوماسية الكاملة 

٢٤ ديسمبر ١٩٩٢م- الرئيس الإسرائيلي يزور بكين

مايو ۱۹۹۳م-وزير الخارجية الإسرائيلي بيريز يزور الصين، ويوقع عددًا من الاتفاقيات

أكتوبر ۱۹۹۳م- رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين يزور بكين في جولة في المنطقة. 

سبتمبر ١٩٩٢م- وزير الخارجية الصيني يزور تل أبيب في جولة في المنطقة «أول زيارة رسمية». 

سبتمبر ١٩٩٦م-روسيا تفشل صفقة عسكرية بين الصين وإسرائيل بقيمة

 ٢٥ مليون دولار

 ۲۹ أكتوبر ١٩٩٦م- واشنطن تحذر إسرائيل من بيع أسلحة للصين

نوفمبر ١٩٩٦م- أنباء عن وفد تجاري صيني يزور تل أبيب

نوفمبر ١٩٩٦م- نائب رئيس الوزراء الصيني لي لان كينغ يؤجل زيارته لإسرائيل لوقت لاحق، والتي كان مزمعًا القيام بها.

                  لماذا اعترفت الصين بإسرائيل؟

لا نستطيع أن نمضي قدمًا في الحديث عن مخاطر وأبعاد العلاقات بين تل أبيب وبكين دونما أن نذكر الأسباب الحقيقية وراء اعتراف الصين بإسرائيل، خاصة إذا علمنا أن الصين لا زالت تختلف مع إسرائيل في عدد من القضايا الجوهرية ووجهات النظر، ولعل أهم هذه الأسباب ما يلي: 

أولاً: إن الصين تعيش وسط مشاكل متشعبة ومتشابكة مع العديد من دول منطقة جنوب وشرق آسيا!!، فمن قضية هونغ كونغ وتايوان وانضمامهما للصين، والذي من شأنه أن يرتقي بها إلى مصاف القوى العظمى إلى النزاع الصيني - الياباني حول السيادة على مجموعة جزر في شرق الصين «جزر ديايو»، وهو خلاف قديم، وهناك مسألة المليون كيلو متر مربع الملحقة بروسيا منذ عام ١٨٥٨م وإلـى ٨٣,٥٠٠ كيلو متر من الجزء الشمالي الشرقي من الهند، وكلاهما تطالب بهما الصين على أنه جزء منها؛ ليضاف إلى (٩٥٧۱۳۰۰) كيلو متر مربع، والتي هي مساحة الصين، ثم العلاقات الساخنة بين الصين وتايوان، وكذلك مثلث القوى الكبرى في آسيا الصين - الهند – باكستان، الذي غالبًا ما يسوده التوتر، ولعل بيتس جيل المحلل في معهدا استوكهولم الدولي لأبحاث السلام قد أشار إلى نقطة جوهرية عندما قال: «إن باكستان ليست أكثر الدول إثارة لقلق الهند، فالصين بالنسبة لها تأتي على رأس القائمة، وكذلك الأمر لبكين»، وعبر هذا الباب استطاعت إسرائيل أن تستفيد من التناقضات والصراعات والتحولات الإقليمية لتخرق جدار الصين، هذا بالإضافة لتطلع الصين إلى الحصول على التكنولوجيا العسكرية المتطورة من إسرائيل خاصة بعد أن تبين لها من خلال حرب فيتنام الفارق في المستوى التقني بين الأسلحة الشرقية من ناحية والأسلحة الأمريكية والغربية من ناحية أخرى، ويكفي أن نذكر في هذا السياق أن الصين تعد من أكثر دول العالم إنفاقًا على المجال العسكري؛ حيث بلغ معدل إنفاقها (۱۸) مليار دولار في عام ۱۹۹۳م، وهذا متضمن تطوير قدراتها العسكرية وتصنيع الطائرات المقاتلة والسفن الحربية والأسلحة البيولوجية، هذا إضافة إلى الاستمرار في تطوير برنامجها النووي. 

ثانيًا: رغبة الصين في أن تخرج من مرحلة الانكفاء على الذات، وأن تلعب دورًا مؤثرًا في المنطقة بأسرها، ولعل هذه الرغبة تشكلت عناصرها مع انتهاء الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة معه بين القوتين العظميين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي.

 ومن هنا فإن الصين كانت متشوقة للمشاركة فيما يسمى بعملية السلام في الشرق الأوسط، غير أن تل أبيب أكدت في رسالة واضحة على لسان أحد مسؤوليها فيما بعد أن المشاركة في مؤتمر السلام مرهونة باعتراف بكين صراحة بإسرائيل.

 وما هي إلا أسابيع حتى وصل ياسر عرفات إلى بكين في أوائل شهر ديسمبر عام ١٩٩١م ليؤكد على أهمية مشاركة الصين في مؤتمر السلام، الأمر الذي فهمه القادة الصينيون على أنه إشارة واضحة على ترحيب الفلسطينيين بالعلاقات بين بكين وتل أبيب.

 هنا لا بد من الإشارة إلى أن الدول العربية كانت تعول كثيرًا على الصين كدولة عظمى وعضو دائم في مجلس الأمن لممارسة دور في إعادة التوازن في منطقة الشرق الأوسط خاصة في ظل الدور الأمريكي المنحاز كليًّا لإسرائيل، وهذا ما لم يحدث حتى الآن.

 ثالثا: بعد المشاكل الداخلية التي حدثت في الصين ضد المتظاهرين في ميدان «تيانانمين» عام ۱۹۸۹م، وتضيف الولايات المتحدة بكين على إثرها من ضمن الـ ۱۳ دولة التي لا تحترم حقوق الإنسان في سجلها السنوي، الأمر الذي زاد من توتر العلاقات بين البلدين، رغبت الصين على ضوء ما سبق أن تخرج من العزلة الدولية والأمريكية عن طريق إقامة علاقات مع إسرائيل؛ حيث إنه شعور متوارث بصورة عامة أن العلاقات الوطيدة مع تل أبيب تتناسب تناسبًا طرديًّا مع العلاقات الوطيدة والحميمة مع واشنطن سواء عبر اللوبي اليهودي داخل الولايات المتحدة أو عبر الإيماء لواشنطن بأن الصين جادة في إقامة علاقات وطيدة مع مختلف دول العالم بما فيها إسرائيل، والتي كانت تطلق عليها سابقًا صنيعة الإمبريالية، وهنا لا بد أن نؤكد على أن الولايات المتحدة تفرض نفسها على أرضية المصالح الاقتصادية في جميع دوائر النشاط الإقليمي للصين، ولهذا فإن نمطًا من المشاركة الدولية يفرض نفسه في تنمية واستقرار علاقات الاعتماد المتبادل.

رابعًا: بعد مؤتمر مدريد واللقاءات بين الوفود الفلسطينية والأردنية وغيرها مع الوفد الإسرائيلي، وتوقيع اتفاقيات السلام بين بلدان الشرق الأوسط، رأت الصين أن الوقت قد حان للاستفادة من قدرات وإمكانيات إسرائيل سواء العسكرية أو التصنيعية علنًا دون الحاجة للكتمان وللأسف فإن نتائج سياسة التطبيع والاعتراف بشرعية وجود الكيان الصهيوني التي أقرتها الاتفاقيات عبر العقود الماضية فتحت الطريق للاعتراف بإسرائيل من قبل عدد كبير من الدول الآسيوية والإفريقية والأوروبية!!.

                   ما الذي جنته إسرائيل من هذا التعاون؟ 

إسرائيل كانت لها مصالح عليا بقيام مثل هذه العلاقات مع الصين، فالصين كانت الدولة الوحيدة من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن التي لم تعترف بإسرائيل حتى عام ۱۹۹۲م!!، الأمر الذي أدى إلى الشعور بشيء من الإحراج للكيان الصهيوني في المجتمع الدولي،ولهذا فإن إسرائيل كانت حريصة جدًّا على أن تقيم علاقات دبلوماسية مع مختلف دول العالم وعلى رأسها المارد الصيني، وفائدة أخرى تطمع إسرائيل في الحصول عليها ألا وهي توقف الصين عن إمداد دول منطقة الشرق الأوسط إيران السعودية، العراق، سورية، مصر بالصواريخ والأسلحة العسكرية؛ حفاظًا على التوازن في المنطقة - على حد زعم إسرائيل - وكان هذا المطلب معلنًا عنه وبصراحة أثناء زيارة الرئيس الإسرائيلي هيرزوج لبكين في ٢٤ ديسمبر عام ١٩٩٢م؛ حيث ذكر أن بلاده قلقة بشأن الصواريخ والأسلحة التي باعتها الصين لإيران والعراق أثناء حربهما، وقلقة من جهة الصواريخ البالستية الصينية والتي اشترتها السعودية من الصين عام ١٩٨٦م، وأضاف: إن أكثر ما يقلق بلاده أنباء التعاون الصيني - الإيراني والصيني - السوري، والصيني - الباكستاني في المجال النووي، غير أن الراديو الإسرائيلي ذكر لاحقًا بأن الصين تعهدت لحكومة تل أبيب بأنها لن تبيع صواريخ أو أسلحة عسكرية لدول منطقة الشرق الأوسط ابتداءً من الآن.

 أما المصلحة الثالثة التي بدأت إسرائيل بقطف ثمارها، فهي أن الصين قارة بشرية بما تعنيه الكلمة، فنحن أمام 1.2مليار نسمة عام ١٩٩٦م وملياري نسمة عام ٢٠٥٠م، وبكلمات أخرى نحن أمام سوق استهلاكي غير عادي، وهذا الأمر سيكون مدعاة بلا شك لنشاط وتحركات التجار والمستثمرين اليهود!.

        زيارة الرئيس الإسرائيلي.. والحملات المتلاحقة

العلم الإسرائيلي ذو اللونين الأبيض والأزرق مع نجمة داود ترفرف في سماء مطار بكين الدولي؛ حيث سيصل الرئيس الإسرائيلي حاييم هيرزوج للصين في أول زيارة رسمية لمسؤول إسرائيلي رفيع المستوى بعد أحد عشر شهرًا فقط من العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين، هكذا وضعت الصحف الصينية زيارة الرئيس الإسرائيلي والتي قام بها في ٢٤ ديسمبر ۱۹۹۲م، وأجرى خلالها محادثات مع نظيره الصيني وسط استغراب من الدول الأخرى، خاصة وأن تلك الفترة كانت حافلة بالمصائب التي سودت وجه إسرائيل في المحافل الدولية؛ حيث كان حينها المبعدون الفلسطينيون قد نزلوا جديدًا في مرج الزهور!، وما صاحبها من حوادث وتداعيات، وزار خلالها الرئيس الإسرائيلي مدينة شانج هاي ووضع باقة من الزهور أمام عمارتين قيل: إن المهاجرين اليهود الذين نزحوا خلال الحرب العالمية الثانية سكنوا فيهما.

 وبعدها بستة أشهر زار وزير الخارجية الإسرائيلي - آنذاك - شيمون بيريز بكين في زيارة دامت ستة أيام وقع خلالها الطرفان عددًا من الاتفاقيات في مجال الطيران والاقتصاد والمجال التقني.

 وفي أكتوبر عام ١٩٩٣م، أي: بعد ستة أشهر من زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي، قام رابين بزيارة بكين وسط ترحيب صيني كبير، والتي كان من ثمارها فتح خطوط الطيران بين بكين وتل أبيب، وعدد من الاتفاقيات التجارية الأخرى، وهكذا فإن المتوقع أن حجم التبادل التجاري بين الدولتين الآن أضعاف ما كان عليه قبل عقد من الزمان، أما في المجال العسكري بين البلدين فلا زال هناك تعاون وثيق؛ حيث ذكرت الصحف الإسرائيلية كصحيفة «هارتز»  ٢٩/١٠/١٩٩٦م بأن الولايات المتحدة حذرت إسرائيل قبل فترة من بيع أسلحة إلى الصين أو مدها بتكنولوجيا متطورة يمكن أن تقلب التوازن العسكري في آسيا. 

وقالت الصحيفة: بأن الولايات المتحدة تشعر بالقلق بصورة خاصة بشأن المفاوضات التي تجريها إسرائيل مع الصين لبيعها طائرات رادار من نوع «فالكون». 

وفي هذا السياق ذكرت جريدة الخليج الإماراتية في منتصف شهر سبتمبر ١٩٩٦م أن روسيا منعت إبرام عقد عسكري كبير بين إسرائيل والصين تصل قيمته إلى ٢٥٠ مليون دولار؛ حيث ذكرت أن هذا المشروع يتعلق بتكليف الشركة العامة الإسرائيلية لصناعات الطيران بتحديث طائرات شحن روسية الصنع من طراز «إيليوش» يستخدمها سلاح الجو الصيني، وكان يتعين على الصينيين – آنذاك - الحصول على موافقة موسكو بهذا الشأن بموجب اتفاق وقع بين الطرفين سابقًا.

                                 الدور المطلوب؟

لا بد من الإشارة بداية إلى عدد من الأمور، والتي قد تسهم في إبقاء جذوة الأمل في ضمور هذه العلاقة بين بكين وتل أبيب.

 الأمر الأول: إن الصين لم تعرف صراعًا مع العالم العربي والإسلامي عبر العصور الماضية، كما هو الحال مع المعسكر الغربي أو الاتحاد السوفيتي أو الهند، وقد شهد التاريخ بمدى الثقة المتبادلة وحسن الجوار بين الحضارة الإسلامية والحضارة الصينية.

 الأمر الثاني: العلاقات العربية - الصينية خلال هذا القرن شهدت تعاونًا سواء في مضمار قيام حركة عدم الانحياز أو على صعيد مساندة معظم الدول العربية لمطالب الصين في اكتساب الشرعية الدولية عام ۱۹۷۱م، عندما كانت حكومة تايوان حتى ذلك التاريخ تحتل مقعد الصين في مجلس الأمن والأمم المتحدة. 

الأمر الثالث: إن الصين لا تستطيع أن تفرط بسهولة في أكثر المناطق حيوية في العالم - حيث حقول البترول - خاصة في ضوء الدراسات التي تشير إلى نضوب كثير من آبار النفط في الصين نتيجة للاستهلاك الكبير، ولهذا فإن منطقة الشرق الأوسط تستطيع استغلال النفط كأداة سياسية في ممارسة لعبة الضغط والاحتواء.

الأمر الرابع: إنه من غير المتوقع أن تستجيب الصين لرغبات إسرائيل في وقف تصدير الأسلحة والصواريخ لدول الشرق الأوسط، خاصة في ضوء حاجتها لتسويق كميات كبيرة من إنتاجها العسكري لتعزيز اقتصادها. انظر قضايا دولية عدد (٣٤٠).

 من كل ما سبق ولأسباب أخرى فإن الدول العربية وبما لديها من إمكانات بشرية واقتصادية واستراتيجية يجب عليها أن تقف سدًّا منيعًا ضد أطماع إسرائيل في تصيد الأول وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بدولة عظمى كالصين.

 إن سياسة الضغط والاحتواء والتوازن على بكين من قبل الدول العربية تهدف إلى عدة أمور:

 أولاً: ضمان عدم تشكيل العلاقات الصينية - الإسرائيلية طوقًا عسكريًّا يهدد مصالح دول المنطقة، وهذا ما تخطط له إسرائيل.

ثانيا: إن الدول العربية والإسلامية في ظل الدور الأمريكي المنحاز لإسرائيل كليًّا تحتاج إلى إقامة علاقات تعاون وتحالف مع أقطاب دولية لكسر الهيمنة الأمريكية على المنطقة، ولعل الصين هي المرشحة لذلك. ثالثا: إن عددًا من الأبحاث الغربية تتوقع أن تأخذ الكرة الأرضية شكل التنسيق الآسيوي، في إشارة إلى أن الصين ستصبح الدولة الأقوى في العالم قبل منتصف القرن الحادي والعشرين، خاصة مع العودة الأكيدة لهونج كونج في يوليو عام ۱۹۹۷م والعودة المحتملة لتايوان، والذي سيشكل انضمامها للصين ارتقاءها لمصاف الدول العظمي، وعلى الدول العربية والإسلامية ألا تتناسى هذه الحقائق أيضًا. « انظر الجدول رقم. ٣»

   «جدول رقم٣» 

              الصين

المساحة: ٣،٧ مليون ميل مربع عدد السكان:  ١،٢ مليار نسمة (۲۷ مولود في الدقيقة).

تاريخ عودة هونغ كونغ: يوليو ۱۹۹۷م

دخل الفرد السنوي ٢٤٠٠ دولار عام ١٩٩٤م

الصادرات: ٨٤٥ مليار عام ١٩٩٢م

الواردات: ٦. ٨٠ مليار دولار عام ١٩٩٢م

الأولى: في إنتاج الحبوب والقطن والأرز والقمح والفحم 

الثانية: في إنتاج الشاي والذرة والسمك والقصدير والحديد 

الثالثة: في إنتاج البطاطا والضان والخشب ومخزون الفحم 

السادسة في إنتاج النحاس السابعة في الذهب

نفقات الدفاع: ٥. ٢٨ مليار دولار عام ١٩٩٤م

القوات المسلحة العاملة: ثلاثة ملايين تقريبًا

وأخيرًا لا بد من الإشارة إلى أن الصين لا تريد التفريط بروابطها مع دول العالم الإسلامي، ولعل تأجيل الزيارة المقررة لنائب رئيس الوزراء الصيني لي لان كينغ إلى تل أبيب يأتي ضمن هذا السياق؛ حيث ذكرت جريدة الرأي الأردنية ٦/١١/١٩٩٦م نقلا عن صحيفة ،«الجروزاليم بوست الإسرائيلية»، أن الزيارة التي كان من المقرر أن يقوم بها إلى إسرائيل نائب رئيس الوزراء الصيني وعدد من رجال الأعمال المسؤولين الصينيين تم تأجيلها؛ حيث شهدت تلك الفترة تعثر ما يسمى بعملية السلام وتوتر العلاقات بين تل أبيب وعدد من العواصم العربية!!، إنها دعوة وبصدق للعواصم العربية والإسلامية لمراجعة حساباتها بشأن عملية السلام، واستثمار علاقاتها مع الدول الصديقة والمجاورة لعزل إسرائيل سياسيًّا واقتصاديًّا من جديد، وحينها تكون قد حانت ساعة زوال دولة إسرائيل وعودة فلسطين المحتلة كاملة إلى أحضان العالم الإسلامي. 

             

الرابط المختصر :