العنوان العلامة الشيخ سعدي ياسين فقيد العلم والــدعوة
الكاتب الأستاذ محمد الصباغ
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1976
مشاهدات 94
نشر في العدد 301
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 25-مايو-1976
رحماك يارب، فالحمد لك على حال، لك ما أخذت، ولك ما أبقيت، وكل شيء عندك بمقدار سبحانك، لا راد لقضائك، ولا مبدل لكلماتك، قدرت وقضيت، فنفذ قضاؤك، وجرى قدرك، فتباركت وتعاليت.
أكتب هذه الكلمة اليوم أرثي فقيد العلم والدعوة والبيان، فضيلة العلامة المرحوم الشيخ سعدي ياسين رحمه الله، وإني لأحس خلال ذلك بفتك الموت في قيادتنا الفكرية ورجالاتنا.. فيتمثل لي معنى الحديث الصحيح: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء».
يا الله! لا يمضي عام أو أقل من ذلك حتى ينتزع الموت من بين رجالنا- وما أقلهم- عالمًا أو مجاهدًا أو داعية، في وقت تشتد فيه حاجة المسلمين إلى أمثالهم، ووجدتني أردد قول الشاعر:
فما للمنايا أغفلت كل ناقص *** ونقبن في الآفاق عن كل فاضل
على الرغم من أنف العلا سبق الردى *** بكل كريم الفعل حر الشمائل
على أن من أبقته ليس بخالد *** وليس امرؤ يرجو الخلود بعاقل
فبالأمس فقدنا الهضيبي والحسيني ومالك بن نبي، ومن قبلهم فقدنا السباعي والجلاد، وها نحن أولاء اليوم نفقد سعدي ياسين.
رأيت المنايا تصطفي سرواتنا *** كأن المنايا تبتغي من تفاخره
لقد جمع الشيخ سعدي- رحمه الله- صفات قل أن تجتمع في عدد كبير من الرجال، فهو عالم مجاهد خطیب محسن كريم.
ولد رحمه الله في العقود الأولى من هذا القرن الهجري الذي نشهد نهايته الآن في دمشق الشام.. وتلقى علومه فيها، وكان من شيوخه علامة الشام الشيخ محمد بهجة البيطار مد الله في عمره والشيخ أمين سويد والشيخ محمود ياسين والشيخ عبد القادر الأشهب «شموط» والشيخ عبد الله المنجد وغيرهم رحمهم الله ونبغ في وقت مبكر لما حباه الله من الذكاء النادر، والحافظة القوية، والفكر النير، والشخصية المستقلة.. فرأى في بلاد الشام عددًا من البدع يحسبها الناس من الدين، وما هي من الدين فأنكرها أشد الإنكار، بسريرته النقية، وروحه الأبية، وتفكيره السديد، ورأيه الرشيد، ثم راح يبين شذوذها مستدلًا بالكتاب والسنة، ويعلن أن الدين الحق بريء من كل هذه الخرافات والأباطيل، واستمر في طريقه يقول ما يعتقد، ويصدع بالحق في وجه الباطل بالحكمة والأسلوب الحسن، لا يخشى في الله لومة لائم.
لقد ارتفع سعدي عن مستوى كثير من معاصريه من العلماء الذين كانت مهمتهم تسويغ الانحراف، و «تبرير» الخطأ، والتماس التأويل، فأنف من هذا كله أشد الأنفة، ورأى فيه ضعفًا لا يليق بالعلماء، والتواء لا يتفق مع من يدعي أنه يدعو إلى الله، فسلك سبيلًا آخر.. ولم يصده عن طريقه إغراء مهما بدا عظيمًا، فلقد زهد بالسمعة الكبيرة، والمكانة الرفيعة، والتأويل الجليل.. ولم يصده أيضًا ترهيب مهما جل في عيون الناس، فلقد لقى إعراضًا من ذويه ولداته، فما زاده ذلك إلا تصميمًا على المضي في الطريق، وإباء على إباء، وترفع عن هذا الاستخزاء، الذي كان يظهر به بعض أهل العلم.
حدثني مرة أنه لمس من جاهل تطاولًا عليه، وكان هذا الجاهل يدعي للنبي صلى الله عليه وسلم مالا ينبغي له، فانطلق إليه، وقد استعد لتأديبه باليد وغير اليد إن أحوج الأمر، وقرر الحق الذي يدين الله عليه.. فما كان من هذا الجاهل المتطاول إلا أن تضاءل وتصاغر، واعترف بالفضل لصاحبه، واعتذر عما بدر منه.
ثم ارتحل إلى بيروت، واتخذها موطنًا له، يدعو فيها إلى الله عز وجل، ويخطب الناس، وتقيم الدروس، وينبه أبناء المسلمين إلى الخطر الذي ينتظرهم بإعراضهم عن دين الله.. فما أتيحت له مناسبة يتكلم فيها إلا تكلم.. حتى كان يدرس أحيانًا في بعض المدارس التي تحوي من أبناء المسلمين العدد الوفير كان يدرس فيها بالمجان معلمًا وموجهًا وداعيًا إلى الله.
•كان- رحمه الله- عالمًا جليلًا، متعمقًا في العلوم الإسلامية من تفسير وحديث وفقه وأصول وعقيدة.. وكان في استحضاره لدقائق هذه العلوم آية من آيات الله، ولم يكن علمه جامدًا يحبس، صاحبه في إطار كتاب، ولكنه كان يأخذ بيده إلى الحياة المستقيمة التي تنسجم مع العقيدة الانسجام التام، ولذلك فقد كان يشارك في الحياة مشاركة فعالة، ويتصل بالصحف والمجلات قارئًا ثم كاتبًا، ويحضر المؤتمرات مناقشًا ومقترحًا ومحاضرًا، ويخاطب الجماهير من خلال محطات الإذاعة متحدثًا.
•وكان- أحسن الله جزاءه- مؤلفًا موفقًا، وقد ترك عددًا من الكتب أهمها:
- «البرهان على سلامة القرآن من الزيادة والنقصان».
- «الدليل القوي، على أمية وعظمة النبي».
- «النبوة إصلاح تقتضيه رحمة الله».
- «الإيضاح في تاريخ الحديث وعلم الاصطلاح».
- «الإسلام وارتياد القمر».
- «رسالة في الترف وأنه محض التلف».
•وكان خطيبًا مصقعًا، يرتجل الخطب البليغة المحكمة، في الموضوعات التي تشغل أذهان الناس يمليها فكر سليم، وقلب حاضر، وفيها العلم الغزير النافع، والحماسة المؤثرة، والنصح الصادق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعرض أفكاره فيها ببيان مشرق واضح، وأسلوب ميسر أخاذ، وبلغة العصر، وكان إلقاؤه رائعًا يشد السامعين إليه بتأثره بما يقول، وانفعاله به وتجاوبه معه.
•وكان- غفر الله له- شاعرًا محسنًا، وقفت على عدد من قصائده، وسمعت منه بعض المقطوعات فراعني من ذلك الأسلوب الجزل، والصورة الموفقة، والوصف الدقيق، وإني لأرجو أن يعمل بعض محبيه وأصدقائه وتلامذته على نشر دیوانه عرفانًا بفضله.
•وكان قارئًا للقرآن مجيد القراءة، حسن المخارج، متين الحفظ، من أقدر العلماء على الاستشهاد بآيات القرآن في الموضع المناسب، وقد حضرت مرة مجلسًا في داره يقرأ فيه بعض الشباب القرآن، ويبذل عنايته في تصحيح قراءتهم.
•وكان زينة المجالس، لا يمل سامعوه من حديثه لطلاوته وحلاوته وروعته واستحواذه على إعجابهم.. فمن طرفة أدبية، إلى واقعة تاريخية، إلى آية قرآنية، إلى مقطوعة شعرية، إلى حادثة اجتماعية واقعية، إلى زجل عامي، إلى شعر نبطي بدوي، إلى مثل سائر، إلى حكم شرعي، إلى حديث نبوي.
وكان إذا تكلم عن حادثة قديمة يرويها بطريقة جذابة حتى تظن أنها وقعت قريبًا، وهذا يدل على ما سبق أن ذكرنا من امتلاكه لحافظة نادرة المثال.. إذ لا يزال يمطرك بوابل من النوادر والطرف والأخبار حتى لتحسب أنه قد حفظ «العقد الفريد» و «عيون الأخبار» وما يزال ينشدك من شعر أبي تمام وأبي نواس وأبي الطيب وإضرابهم حتى يستقر في ذهنك أنه يحفظ دواوين هؤلاء الشعراء جميعًا.. وكذلك كان شأنه في روايات المؤرخين والمفسرين والمحدثين وأقوال العلماء.
•وكان- أحسن الله مثوبته- محسنًا كبيرًا، يرعى الفقراء، ويتفقد المحتاجين، ويسهم في معونتهم، على قلة ذات يده، وكان يشارك في الأعمال الخيرية جمعًا وتوزيعًا وتنظيمًا، وبلغ في الجود الغاية، فقلما كان يفد على بيروت عالم أو داعية تقوم بينه وبينه معرفة دون أن يدعوه إلى داره. وقد ضرب بذلك المثل الحي للعلماء ليكونوا موضع القدوة والاحترام، أما أن يكون العالم آخذًا ولا يكون معطيًا فهذا من أهم أسباب الإساءة للعلم والدعوة
•وكان- أمطر الله عليه شآبيب رحمته ورضوانه- مجاهدًا، يحمل روح الشباب الوثاب، لا يضعف ولا يلين، كان كذلك في بداية عمره، وبقي كذلك حتى آخر أيام حياته.
وجاء حين من الدهر غلا الناس في حب طاغية جبار، وصار دعاته السفهاء، وأبواقه المأجورون يمشون في الأسواق ينشرون صوره، ويرفعون ذكره، ويلهجون بالثناء عليه.. وكان من جراء ذلك إرهاب فكري جعل كثيرًا من الواعين يلوذون بالصمت أولًا، ثم ينهارون أمام الباطل، ويستخزون في مواجهته، واستكان نفر منهم، فذهبوا يدارون ويمالئون، وينساقون في تيار المجاملة، وينحرفون في سيل النفعية، رغبة منهم في ابتغاء أعراض دنيوية يستكثرون منها، ومحافظة على مصالحهم الشخصية، وخوفًا من سفاهة السوقة وبطش السفلة.. ووقف فقيدنا الكبير يؤثر رضوان الله والدار الآخرة على رضا الناس وحطام الدنيا الفانية، ومنافعها الموقوتة، وانطلق يقول الحق الذي يعتقد بالحكمة، ويأبى الانصياع لرغبات الأوباش الرعاع، ولا يخشى في الله لومة لائم. ومن صدق مع الله ألقى عليه المهابة، وصانه من كيد الأعداء الظالمين ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: 2- 3).
وهكذا كان حال الشيخ- رحمه الله- مع هؤلاء القوم.. فلقد هابوه، واحترموه، ولم يجترئوا على مقامه. وكان حربًا على البدع، وما كان يقر شيئًا منها ما وسعه ذلك.. وأن هذا الجهاد لا يعرف قدره إلا من عاش في بيئات المبتدعة.
وكان يقول الحق لا يمنعه من ذلك صداقة صديق، ولا قرابة قريب، ومن ذلك هذا الموقف الكريم:
كنت معه مرة في حفلة عقد قران في دار صديق عزيز، وكان في المدعوين رجل من الصالحين ولكنه لا يعلم من الحديث الشريف شيئًا، وتربطه بفقيدنا آصرة الصداقة والود، وتكلم هذا الرجل الصالح، فروى حديثًا موضوعًا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو «خيركم بعد المائين من لا زوجة له ولا ولد»، فلم يجامله.. ولم يسكت.. وإنما كان مثال العالم الجرىء في الحق، اللبق في إعلان الرأي الصواب، فعلق على كلامه بلطف، وقرر أن الحديث مفترى مكذوب، ولا تصح نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونبه إلى معارضته لمقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية وهو حفظ النسل ورعايته.
•رحم الله أستاذنا أبا هشام.. فلقد لقي ربه في ظرف عصیب على المسلمين في كل مكان ولا سيما في لبنان من بلاد الشام، حيث الرصاص والدماء، والفتك والقتل، والسلب والنهب، تنفيذًا لمكر أسود يخططه أعداء الإسلام.. وكان قلبه الكبير يتقطر على هذا الواقع الأليم.
غفر الله له زلاته، وزاد في حسناته، وأسكنه فسيح جناته، وأعلى في الفردوسدرجاته، وعوض المسلمين بفقده الخير.
وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل