العنوان الحضارة الإسلامية بين أسباب التدهور وعوامل النهوض (٤)
الكاتب إبراهيم غانم
تاريخ النشر السبت 24-مايو-2003
مشاهدات 172
نشر في العدد 1552
نشر في الصفحة 66
السبت 24-مايو-2003
العلل الفكرية والعوامل الخارجية لتأخر المسلمين
العلل الفكرية: إن المسلمين قد أصابت عالم أفكارهم مجموعة من العلل التي أدت إلى الركود، وكانت من مظاهر الانحطاط في الوقت نفسه، وهي نابعة في جملتها من الجهل بالإسلام، شأنها شأن العلل الاجتماعية والسياسية، ويمكن القول إن الخلافات الدينية والمذهبية التي وقعت بين المسلمين تأتي في مقدمة العلل الفكرية التي أدت إلى انحطاطهم، فمثل تلك الخلافات صرفتهم عن الدين كعقائد وأعمال إلى الفاظ ومصطلحات ميتة لا روح فيها ولا حياة.
وكان الجمود، أو كابوس التقليد، من أهم الآثار التي أوجدها التعصب للرأي، كما أن علة الجمود كانت في حد ذاتها من أخطر العلل التي أصابت الحياة الفكرية، ويكفي أنها كرست حالة الفرقة وأدت إلى مزيد من تمزيق وحدة الأمة في سبيل الانتصار للرأي والتشبث به وعدم الاجتهاد لفهم آراء الآخرين وإزالة نقاط الخلاف وتوحيد قوى الأمة، ولم شتاتها لتكون أقوى على مواجهة التحديات.
ويضاف إلى ما سبق ما تشهده مجتمعات الأمة أيضًا منذ قرنين تقريبًا من انقسام يشق النخب الثقافية والفكرية من أبنائها بين فريقين غير متجانسين هما المتغربون والسلفيون أما الفريق الأول من المتأوربين فأنصاره يدعون إلى اقتفاء أثر الحضارة الغربية بحلوها ومرها، ما يحب منها وما يستكره على حد تعبير طه حسين الذي تزعم هذا الاتجاه (خلال النصف الأول من القرن الماضي)، وأما الفريق الثاني من المتمسكين بالأصول الكبرى التي قامت عليها الحضارة الإسلامية وازدهرت بسببها فهم على النقيض من الفريق الأول، يقفون موقف الأصالة والمحافظة على الهوية الذاتية للأمة ويدعون إلى تأسيس النهضة المرجوة على الأسس المستمدة من العقيدة الإسلامية التي تدين بها الأمة في أغلبيتها الساحقة، ويرون أن التفريط في هذه الأصول هو السبب الرئيس لحالة الانحطاط والتخلف التي تعانيها الأمة على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وأن طريق النهضة لا بد أن يبدأ بالعودة إلى هذه الأصول.
وفي رأينا أن للاستبداد السياسي دورًا في إيجاد واستمرار العلل الفكرية في حياة الأمة فالرؤساء والحكام الذين يحكمون بالقهر ويكبتون الحرية ويأبون أن يصل بصيص النور إلى أممهم ورعاياهم، أو يتسرب شعاع العلم والمعرفة إلى دورهم (...) سجانون، حكموا على هذه الشعوب بسجن مؤبد لأنهم عن نور العلم محجوبون، ومن لذة المعرفة محرومون.
العوامل الخارجية: تتمثل هذه العوامل في محاولات القضاء على الأمة الإسلامية من قبل أعدائها في العصور السابقة، ومن قبل القوى الاستعمارية في العصر الحديث، وقد تمكنت هذه القوى من إخضاع البلدان الإسلامية كافة ووضعها تحت سيطرتها منذ ما يقرب من قرنين.
ولا تنفصل محصلة العوامل الداخلية للانحطاط عن دور العامل الخارجي، فثمة علاقة ارتباطية وثيقة بين الجانبين ضمن الإطار الأشمل للصراع الحضاري بين الشرق والغرب ذلك لأنه إذا كانت العوامل الداخلية قد مهدت للغزو من الخارج - وهو ما عبر عنه مالك بن نبي بـ «القابلية للاستعمار»، و«الاستعمار» فإن التقاءهما تمخض عنه واقع العالم الإسلامي في تاريخه الحديث والمعاصر الذي عبر عن وصول حالة الأمة الإسلامية إلى قاع التدهور الذي تعيشه في واقعها الراهن.
ورغم كل ما سبق، ورغم أن كل الأوضاع - في ظاهرها - تدعو المتعجل إلى الشعور بالعجز أو الإحباط من الإصلاح، فإن يقظة روح التحدي التي تشهدها على مستويات متعددة: فكريًا وحركيًا، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، كلها ترجع إلى اشتداد الهيمنة الاستعمارية، كما ترجع أيضًا إلى الرغبة في التخلص من عناصر الضعف الداخلية، ونحن نختلف في رؤيتنا تلك للأثر الإيجابي للتحدي الاستعماري الغربي، عن رؤية فريق المتغربين الذين رأوا في الوجود الاستعماري عاملًا من عوامل التحديث والأخذ بأيدي البلدان المتخلفة نحو التقدم والرقي الغربي.
والسؤال الآن: ما الخلاصة العملية التي يمكن التوصل إليها من تفسيرنا لأسباب الانحطاط وما وصل إليه حال الأمة؟ إن هذه الخلاصة يمكن صياغتها بإيجاز في القول بأن سر تأخر المسلمين هو ابتعادهم عن دينهم، وأن هذا الابتعاد قد نتج عن الإغراق في الترف وتمثل في الركون إلى الدعة والتحلل الأخلاقي، والفرقة والخلافات التي مزقت وحدة الأمة فكريًا وسياسيًا واجتماعيًا، وسيادة أنظمة الحكم الاستبدادي، وتعطيل كثير من أحكام الإسلام وشرائعه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بما في ذلك تعطيل فريضة الشورى وفريضة الجهاد، فكان من نتيجة ذلك أن سهل على الاستعمار بسط سيطرته وتدمير الدولة الإسلامية، وفي جملة واحدة فإن أعظم ما مني به المسلمون بعد ابتعادهم عن دينهم هو داء الفرقة وانفراط عقد الوحدة..