العنوان العلماء المرابطون في أفواه الثغور
الكاتب نزار عبدالقادر ريان
تاريخ النشر السبت 02-أكتوبر-2004
مشاهدات 53
نشر في العدد 1621
نشر في الصفحة 66
السبت 02-أكتوبر-2004
كان سيدنا النبي ﷺ يقف يوم بدر على رأس ثلاث مائة وستين مجاهدًا من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- قليل عددهم، ضئيل زادهم لم يكن فيهم فرسان يومها غير الزبير والمقداد، وأكثرهم حفاة، لا يجد النبي ﷺ ما يحملهم عليه، أو یکسوهم به.
يومها كانت فارس تمتد في المشرق من أطراف الجزيرة العربية حتى تتجاوز أسوار الصين، وتسيطر روما على مغارب الأرض من أطراف أوروبا الشرقية حتى ساحل الشام وبعض بلاد إفريقيا الشمالية، وكأني بالصحابة يتحدثون: كنا نحن القليل عددهم الضئيل زادهم لا نرى غير راية الحق التي نحمل للعالمين ننقذ البشرية مما هي فيه من ضلال وتيه، فاستعصى الطغاة على الدعوة، ولم تبق غير الحراب المؤمنة تنفي العناد والشرك عن الأمم والشعوب التي تضطهدها أنظمة الجاهلية والكفر». لذلك كان سيدنا النبي ﷺ على رأس المجاهدين، سيفه ذو الفقار الأقطع، ورمحه البتار يسبق الريح، ينشر الخير والنور والعدل والإيمان. ومضت تلك السنة مضيئة الآفاق، خالدة المعالم، تكتب التاريخ بسطور من دموع ودماء وإباء، فهذا أبو بكر الصديق يخرج في جيش أسامة بن زيد نحو الشام، ويتبعه بعد ذلك عمر في فتح بلاد بيت المقدس يكتب له أبو عبيدة بن الجراح، ويذكر جموع الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: «أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة، يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله -تعالى- يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (سورة آل عمران: 200).
ثم يمضي على السنة عثمان، ويتواصل خروج الصحابة القراء حتى يستحر القتل فيهم، فيجمع القرآن من الأفواه في المصحف العثماني، ولا يمنع القراء من مواصلة الخروج على رؤوس البعوث، يتقدمهم عبد الله بن عباس فاتحًا في ثلوج أذربيجان، ويتبعه تلميذه سعيد بن جبير على رأس آلآف القراء من طلبة العلم مع ابن الأشعث شرقًا، بعد أن صار ركوب البحر من حمص نحو قبرص ومطالع أوروبا دأب الفاتحين ونهجهم.
ويسلم العراق والشام وتمتد أعناق المطي برايتنا وارفة الظلال في البقاع الطاهرة، يحرس ثغورها العلماء جيلًا بعد جيل، فهذا الإمام المجاهد عبد الله بن المبارك يحرس الثغر الشمالي في أطراف الشام العليا، فيرابط في ثغر طرسوس وحلب، ويخرج محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة من الشام إلى الحرم، فيملي عبد الله بن المبارك عليه هذه الأبيات لإبلاغها إلى الفضيل بن عياض، ويودعه للخروج وينشد معه:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
قال محمد بن إبراهيم فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت عيناه، وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني.
كذلك كان علماؤنا، وكذلك كان أهل الحديث خاصة، فالإمام ابن المبارك إمام في الحديث والجهاد يمضي على طريقته الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل يقول: خرجت إلى الثغر على قدمي، فالتقطت يعني كان يلتقط التمر من الأرض من الجوع، يصاحب المجاهدين في مواقع النبال، ويفتي المرابطين في الثغور ويعلمهم دينهم، ويروي لهم الحديث في مظان الموت تمامًا كما كان أبو موسى الأشعري يفعل حين يروي أحاديث الجهاد والرباط التي تلقاها عن سيدنا النبي ﷺ في مرابط الخيل ووجه العدو فيؤديها كما علمها.
كان هذا دأب الصالحين من قبل، فأبو أيوب الأنصاري يشخص مرابطًا في سبيل الله، حتى يدفن تحت أسوار القسطنطينية، ينتظر وعد رسولنا بفتح القسطنطينية أولًا، وها هي شواهد الحق تروي للناس من بعد حكاية أصحاب النبي ﷺ فهنا قبر أبي عبيدة، وهنا قبر معاذ بن جبل، وهنا قبر عكرمة، وهناك في الأرض تتبعثر قبور الصالحين من الفاتحين والمجاهدين ليلتئم شمل أمة الجهاد والفتح المبين بعد.
وهذا إمامنا البخاري -رحمه الله- إمام الحديث والفقه الجهادي، يرى حراسة الثغور دينًا كما رواية الحديث، وطلبه فيلزم الثغر الذي يخاف منه هجوم العدو فيرابط في بلادنا فلسطين في قيسارية جنوب حيفا، ويرابط في أيلة، وبيت المقدس، ويتعب في رواية الحديث يومًا فيستلقي على قفاه فيقول له تلميذه: ما الفائدة في الاستلقاء؟ قال: أتعبنا أنفسنا اليوم، وهذا ثغر من الثغور، خشيت أن يحدث حدث من أمر العدو، فأحببت أن أستريح، وآخذ أهبة، فإن -غافصنا- فاجأنا العدو كان بنا حراك.
وكان يركب إلى الرمي كثيرًا، فما أخطأ سهمه الهدف إلا مرتين، وكان لا يسبق يهتف بالحديث: «مَنْ عَلِمَ الرَّمِّي ثُمَّ تَرَكَهُ فليس منا .
وكان حذيفة بن اليمان يغازي في أذربيجان وأرمينيا، ويعقب عمر الجيوش في كل عام، فشغل عنهم عمر، فلما مر الأجل قفل أهل ذلك الثغر، فاشتد عليهم وتواعدهم وهم أصحاب رسول الله ﷺ لتركهم الثغر في الموعد المحدد، فكيف بمن سيب الثغور كلها؟
هؤلاء أئمة الدين والجهاد، فقد عرفت فالزم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل