; حروف على رقعة الشطرنج: العلمانيون ومحاولات التشكيك | مجلة المجتمع

العنوان حروف على رقعة الشطرنج: العلمانيون ومحاولات التشكيك

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-أغسطس-1988

مشاهدات 70

نشر في العدد 878

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 16-أغسطس-1988

 حاول التغريب تفريغ التاريخ الإسلامي من مضامينه القوية القادرة على العطاء، والتي تملأ نفوس الشباب المسلم بالثقة في عقيدته لأنها خرّجت هذه الأجيال من الأبطال والقادة الذين باعوا أنفسهم لله تبارك وتعالى في سبيل عزة دينهم وكرامة أمتهم.

 أولًا- بالتشكيك في الشخصيات الإسلامية المناضلة التي قامت بأدوار حاسمة على مختلف عصور الإسلام.

 وتوجه الاتهامات في الحديث إلى صلاح الدين الأيوبي وعبد القادر الجزائري وجمال الدين الأفغاني.

ثانيًا- التقليل من قيمة العمل موضع النصر نفسه والسخرية به وقياسه بمقاييس المادة وحدها، دون الالتفات إلى عنصر هام يتميز به تاريخ الإسلام هو عنصر الإيمان واليقين وبيع النفس والمال في سبيل الله.

ثالثًا- اتخاذ أصحاب المذاهب المادية والماركسية من التاريخ الإسلامي مادة لدس أخطارهم حيث يدسون في المسرحية ما لا يستطيعون أن يقولوه في كتابات عامة، ولقد أشار لينين إلى هذا المعنى حين طالب الماركسيين بعدم الهجوم على الدين مباشرة ولكن بتفسير التاريخ تفسيرًا ماديًا.

 فهم لا يرونه أكثر من إطار لقصة أو مسرحية، لا يحترمون وقائعه ولا أحداثه ويستهينون بها ويرون أنها وسيلة وليست غاية.

 ومن ناحية أخرى نجد زيف التفسير القومي للتاريخ الإسلامي لقصوره وفساده، يعمل التعريب وجماعة الغزو الفكري على امتصاص التراث الإسلامي بدعوى أن المسلمين يطالبون بالعودة إلى التراث، وهذا ادعاء باطل، إنما يدعون في الحقيقة

إلى العودة إلى المنهج الإسلامي «المستمد من المنهج الرباني المنزل في القرآن والسنة» أما التراث فهم يعلمون أنه ضوء كاشف للطريق سواء في جانبه الإيجابي أو السلبي، يستهدون به في التجارب التي مرت بالمجتمعات الإسلامية وعلى ضوئه يقيسون في أمور الاجتهاد بما يناسب الأوضاع الجديدة.

 ويختلف التراث الإسلامي عن التراثالغربي، إنه ثمرة الرسالة السماوية، وهو يمثل

اجتهادات مفكري الإسلام على مدى العصور وفي مختلف البيئات، وليس مجموعة من الأساطير والخرافات وفكر طفولة البشرية الذي أخذه الغربيون عن الفكر الوثني الإباحي المادي الذي كان لدى اليونان والرومان قبل المسيحية.

 وفي هذا الجال نجد اليوم دراسات مسمومة يقوم بها بعض الأساتذة اليهود في الجامعات التي يشرفون عليها وفي الجامعة العبرية، حيث يجري إعادة نشر مجموعة من أمهات التراث الإسلامي، وهم بالطبع لا يهدفون بنشر هذه الكتب الكبيرة إلى خدمة الإسلام، ولكن الهدف هو ما يضيفونه لهذه الكتب من شروح وما يدخلونه في نصوصها من تزييف وتحريف، وقد أعلن مؤتمر المؤرخين العرب قائمة بأسماء ما يزيد على عشرين كتابًا من هذا النوع.

 وهناك نوع آخر منالكتابات يجب الاحتراز منه ذلك هو ما يكتبه مؤلفون غربيون ثم يهبونه لتلاميذهم على أن ينشروه بأسمائهم ليكون أكبر تأثيرًا في نفوس القراء، ومن ذلك كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق.

 وقد كانت رسالة الشيخ علي عبد الرازق أول من فتح الباب أمام مفهوم لم يكن يعرفه الإسلام خلال أربعة عشر قرنًا، وهو مفهوم العلمانية والفصل بين الدين والدولة، والعبادة والحكم، وكانت تلك هي الضربة الأولى التي وجهها النفوذ الغربي للإسلام عن طريق رجل من علماء الدين.

 ولكن المحاولة لم تستطع أن تثبت ولم يمسك بخطوطها إلا خصوم الإسلام من الماركسيين والعلمانيين، في محاولة فاشلة ما تزال تتجدد ولا تجد من يستمع إليها.

 لقد كانت المحاولة ترمي إلى خلق تصور إسلامي وهمي شبيه بالتصور الديني الغربي، بينما لم يكن هناك ما يدعو إلى ذلك على النحو الذي واجه رجال العلم من خداع مع مفاهيم المسيحية في الغرب، فالإسلام هو الذي وجه المسلمين إلى منهج التجريب، وهو الذي شكل مناهج المعرفة وقوانين قيام الأمم والحضارات، وإليه يرد كل منهج وعلم وفكر انطلاقًا من القرآن الكريم والسنة النبوية التي أقامت هذا التصور العلمي الصحيح.

 ومن هنا فإن الحقيقة التي تأكدت هي أن فلسفة الإسلام تبدأ من علم أصول الفقه للإمام الشافعي، وليس من مفاهيم الاعتزال والكلام ومنطق أرسطو، وهذه التجربة التي أقامها الفارابي وابن سينا في محاولة للخلط بين الماء والزيت، بين منهج رباني يقوم على أساس التوحيد وتحرير الإنسان من عبودية الوثنية وعبودية الإنسان، هو الإسلام، وبين منهج يقوم على «علم الأصنام» ويعتبر الرقيق قاعدة أساسية في بناء الحضارات، هذه التجربة قد ثبت فشلها لأنها تجافي مفهوم التوحيد الخالص.

 ومن هنا فإننا نطالب بالعودة إلى المفهوم الإسلامي قبل وقوع الخلاف بين الفرق، وندعو إلى النظرة الإسلامية الأصيلة المستمدة من القرآن، بعد أن مررنا في العصر الحديث بمرحلة أشبه بمرحلة الاعتزال وعلم الكلام، وصولًا إلى مفهوم المدرسة القرآنية التي تقرر أن هذه المذاهب من الكلام والاعتزال والفلسفة والتصوف الفلسفي قد اعتمدت على مفاهيم وافدة من الفكر «اليوناني - الروماني - المسيحي» وهي مفاهيم تخالف مفهوم التوحيد الخالص.

الرابط المختصر :